تهدد صراعات الإدارات المتعاقبة داخل المعهد العالي لفنون الطفل مستقبل عشرات الباحثين في مرحلة الدراسات العليا، وسط تجاهل تام من قيادات أكاديمية الفنون لحسم الفوضى الإدارية المتفاقمة منذ عدة شهور.
وتصاعدت الأزمة عقب إعلان نتائج امتحانات تمهيدي الماجستير، حيث فوجئ الطلاب برفض الإدارة تسجيل أطروحاتهم العلمية، ومطالبتهم صراحة بالبحث عن جامعات بديلة رغم التزامهم الأكاديمي وسدادهم كافة الرسوم المقررة.
تصفية حسابات تعطل مسيرة الباحثين
ويؤكد المتضررون أن جذور الأزمة ترجع إلى خلافات حادة وطعون متبادلة بين القيادات السابقة والحالية للمعهد، إذ تتعمد كل إدارة جديدة إلغاء قرارات سابقتها دون مراعاة لمصالح الدارسين.
وتذرعت الإدارة الحالية بقبول دفعات سابقة دون تصفية أولية، مما أثار تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار الدراسة لمدة 3 سنوات كاملة تقاضت خلالها الخزينة العامة المصروفات الدراسية بشكل رسمي.
وامتد التعنت الإداري ليشمل الطلاب المستوفين لكافة الضوابط القانونية، والذين خلت ملفاتهم من أي أخطاء إجرائية، ليواجهوا عقابا جماعيا غير مبرر يعطل مسيرتهم البحثية ويهدر سنوات من الجهد العلمي.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، إن إدارة المؤسسات التعليمية بعقلية الانتقام الشخصي وتصفية الحسابات تعصف باستقرار المنظومة الأكاديمية وتدمر الكفاءات الشابة.
ويضيف مغيث أن تحصيل رسوم دراسية لمدة 3 أعوام ثم التنصل من الطلاب يمثل خرقا قانونيا فاضحا، ويعكس غياب الرقابة المؤسسية في ظل السياسات التعليمية الحالية التي تهمل حقوق الباحثين.
صمت الأكاديمية وتجاهل القرارات القانونية
وعلى الرغم من تدخل الشؤون القانونية وإقرارها الصريح بأحقية الطلاب المستوفين للشروط في التسجيل الفوري، واصلت إدارة المعهد تعنتها ضاربة باللوائح عرض الحائط في تحد سافر للقانون.
وبالتزامن مع هذا التعنت، التزمت الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، ومجلس الأكاديمية الصمت التام دون اتخاذ أي إجراء حاسم لإنهاء الأزمة، وكأن الكارثة تقع خارج نطاق مسؤولياتهم.
وزادت مخاوف الباحثين مع انتشار شائعات داخل أروقة الأكاديمية تزعم عدم اعتماد المعهد رسميا، وهو ادعاء تهدف الإدارة من خلاله إلى إجبار الطلاب على التراجع عن المطالبة بحقوقهم القانونية.
ومن جانبه، يوضح الدكتور محمد كمال، أستاذ القيم والأخلاقيات الجامعية، أن امتناع رئاسة الأكاديمية عن تنفيذ توصيات الشؤون القانونية يرسخ دولة اللاقانون داخل الحرم الجامعي ويهدر مبدأ تكافؤ الفرص.
ويشير كمال إلى أن صمت القيادات الجامعية أمام تعسف الإدارات الفرعية يبرهن على ترهل الجهاز الإداري في مؤسسات التعليم العالي، ويدفع العقول البحثية نحو اليأس أو الهجرة للخارج.
صرح علمي يواجه خطر التجميد
وتتناقض شائعات عدم الاعتماد مع الحقائق التاريخية، حيث تأسس المعهد بموجب القرار الجمهوري رقم 140 لسنة 1990 كأكاديمية متخصصة لإعداد كوادر بحثية وفنية مؤهلة للتنشئة التربوية والإبداعية للأطفال.
ويضم هذا الصرح 3 أقسام رئيسية تشمل قسم العرائس واللعب اليدوية، والذي يحتوي على شعب تصميم العرائس والمناظر والأقنعة، وتحريك الماريونت والعرائس القفازية، بالإضافة إلى التشكيل الابتكاري.
كما يشمل المعهد قسم الإنتاج الإبداعي للطفل بشعبه المتعددة في الرسوم المتحركة، وديكور وأزياء المسرح، والكتابة الإبداعية، والتحريك والإنتاج الموسيقي، بجانب قسم الإخراج والوسائط المتعددة للسينما والتلفزيون والإذاعة.
وحول هذا التدهور، يؤكد الدكتور حسام الملاحي، الخبير في شؤون التعليم العالي، أن تعطيل الدراسة داخل مؤسسة تأسست بالقرار رقم 140 لسنة 1990 يمثل إهدارا متعمدا للمال العام وللبنية التحتية الثقافية.
ويختتم الملاحي بالتأكيد على أن تهميش التخصصات النادرة في فنون الطفل يعكس تراجع الأولويات الثقافية والتعليمية لدى السلطة التنفيذية، مما يحول المؤسسات العريقة إلى هياكل بلا دور حقيقي.

