في مقال هذ المقال، يوضح الكاتب جيمس كلير، مؤلف كتاب «العادات الذرية»، أن تحقيق التقدم الحقيقي في حياتنا يبدأ بالاعتراف بواقعنا كما هو، لا كما نحب أن نراه. ويؤكد أن قياس أفعالنا ومتابعة نتائجها يساعداننا على اكتشاف الفجوة بين ما نعتقد أننا نفعله وما نفعله بالفعل، ويمنحاننا أساسًا واضحًا لتحسين عاداتنا وتحقيق أهدافنا.
ونشر كلير المقال عبر موقعه الإلكتروني، متناولًا أهمية الوعي الذاتي في تطوير السلوك وتحسين الأداء، ومستعينًا بقصة اختراع الطبيب الفرنسي رينيه لينيك للسماعة الطبية عام 1816، ليوضح كيف يمكن للأدوات الموضوعية أن تكشف حقائق قد تعجز الملاحظات الشخصية عن إدراكها.
الأكاذيب الصغيرة التي نقولها لأنفسنا
في سبتمبر 1816، كان صبيان فرنسيان يلعبان في ساحة متحف اللوفر الشهير في باريس.
وفي الجانب الآخر من الساحة، أسرع الطبيب رينيه لينيك في خطواته تحت أشعة شمس الصباح، إذ كانت تنتظره في المستشفى امرأة تعاني مرضًا في القلب، وكان قد تأخر عن موعده.
وأثناء عبوره الساحة، لفت انتباهه الصبيان؛ إذ كان أحدهما يطرق طرف لوح خشبي طويل بدبوس، بينما انحنى الآخر ووضع أذنه على الطرف المقابل من اللوح ليستمع إلى الصوت.
استحضر لينيك على الفور فكرة مهمة، وكتب لاحقًا: «تذكرت ظاهرة صوتية معروفة؛ فإذا وضعت أذنك على أحد طرفي عارضة خشبية، أمكنك سماع صوت خدش الدبوس عند الطرف الآخر بوضوح». وأضاف أن هذه الخاصية الفيزيائية قد تكون مفيدة في الحالة التي كان يتعامل معها.
وعندما وصل لينيك إلى المستشفى في وقت لاحق من ذلك الصباح، طلب قطعة من الورق على الفور، ولفها على شكل أنبوب، ثم وضعه على صدر مريضته. وفوجئ بقدرته على سماع نبضات قلبها بوضوح أكبر بكثير مما كان يسمعه عند وضع أذنه مباشرة على صدرها، وقال إنه شعر بالدهشة والسعادة إزاء هذا الاكتشاف.
وهكذا، ابتكر رينيه لينيك السماعة الطبية.
وسرعان ما استبدل لينيك الورقة بأداة أكثر تطورًا، وبعد تجارب على أحجام مختلفة، بدأ استخدام أنبوب خشبي مجوف يبلغ قطره نحو 3.5 سنتيمتر وطوله 25 سنتيمترًا.
غيّر هذا الاختراع البسيط مجال الطب على الفور. فللمرة الأولى، امتلك الأطباء وسيلة آمنة ومحايدة تساعدهم على فهم ما يحدث داخل أجسام المرضى، بدلًا من الاعتماد فقط على روايات المرضى أو وصفهم لأعراضهم.
وأصبح بإمكان الأطباء مراقبة المؤشرات وقياسها بأنفسهم، إذ أتاحت السماعة الطبية نافذة تكشف ما يحدث فعليًا داخل الجسم، وتساعدهم على مقارنة ما يسمعونه بالأعراض والنتائج وما تكشفه عمليات التشريح.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المقال: كثيرًا ما نخدع أنفسنا بشأن التقدم الذي نحرزه نحو تحقيق أهدافنا المهمة.
فإذا أردنا خسارة الوزن، قد نقنع أنفسنا بأننا نتناول طعامًا صحيًا، رغم أن عاداتنا الغذائية لم تتغير كثيرًا. وإذا أردنا تعزيز قدراتنا الإبداعية، فقد نقول إننا نحاول الكتابة بمعدل أكبر، بينما لا نلتزم بجدول منتظم للنشر. وإذا أردنا تعلم لغة جديدة، فقد نزعم أننا نحافظ على انتظام التدريب، رغم أننا أهملناه في الليلة السابقة لمشاهدة التلفاز.
ونلجأ أحيانًا إلى عبارات فضفاضة مثل «أبذل ما أستطيع في حدود الوقت المتاح» أو «أحاول بجدية كبيرة في الفترة الأخيرة». لكن هذه العبارات نادرًا ما تستند إلى قياسات دقيقة، وغالبًا ما تكون أعذارًا مريحة تخفف شعورنا بالتقصير تجاه أهداف لم نحقق تقدمًا ملموسًا نحوها. ويعترف كلير بأنه وقع هو نفسه في هذا السلوك مرات عديدة.
فلماذا تمثل هذه الأكاذيب الصغيرة مشكلة؟
لأنها تحرمنا من الوعي الذاتي. للمشاعر والأحاسيس أهميتها ومكانها، لكن عندما نعتمد على عبارات تبعث على الارتياح لتقييم تقدمنا في الحياة، فإننا قد نخدع أنفسنا بشأن ما نفعله بالفعل.
وكما أتاحت السماعة الطبية للأطباء أداة مستقلة تساعدهم على تشخيص ما يحدث داخل أجسام المرضى، يمكننا استخدام أدوات مماثلة لفهم واقع حياتنا وتقييم سلوكنا بموضوعية.
أدوات عملية لتعزيز الوعي الذاتي
إذا كنت جادًا في تطوير مهارة أو تحسين جانب من حياتك، فإن إحدى الخطوات الأولى تتمثل في معرفة موقعك الحالي بدقة ووضوح. فلا يمكنك تحقيق التطور الذاتي قبل أن تدرك حقيقة وضعك الراهن.
ويستعين كلير بعدد من الأدوات والممارسات لتعزيز وعيه الذاتي، من بينها تسجيل التمارين الرياضية، والمراجعات السنوية، وتقارير الالتزام بالقيم الشخصية، وأدوات تتبع الوقت.
فمنذ نحو خمس سنوات، يستخدم كلير دفترًا لتسجيل كل تمرين رياضي يؤديه. ورغم أنه يجد متعة في مراجعة التدريبات القديمة وملاحظة تطوره، فإنه يرى أن الفائدة الأكبر تظهر عند مراجعة السجل أسبوعيًا. فعندما يذهب إلى صالة الألعاب الرياضية في الأسبوع التالي، يراجع الأوزان التي رفعها في الأسبوع السابق، ويحاول زيادتها قليلًا.
وتساعده هذه الطريقة البسيطة على تجنب إهدار الوقت في صالة الرياضة دون خطة واضحة، وتمنحه فرصة لإحراز تقدم محدد في كل أسبوع.
كما يجري كلير مراجعة سنوية في نهاية كل عام، يلخص خلالها ما حققه في مجالات العمل والصحة والسفر وغيرها من جوانب الحياة. ويخصص وقتًا كل ربيع لإعداد تقرير عن النزاهة الشخصية، يختبر فيه مدى التزامه بقيمه الأساسية من خلال البحث عن أدلة ملموسة على تطبيقها.
وتتيح له هاتان الممارستان متابعة الجوانب الأقل قابلية للقياس في حياته. فقد يصعب التأكد من مدى نجاحنا في العيش وفق قيمنا، لكن تسجيل هذه الجوانب ومراجعتها بانتظام يجبرنا على تقييمها بدلًا من الاكتفاء بانطباعات عامة عنها.
ويستخدم كلير أيضًا أداة «RescueTime» لتتبع كيفية قضائه ساعات العمل كل أسبوع. ويوضح أنه كان يفترض لفترة طويلة أنه شخص منتج إلى حد معقول، لكنه اكتشف حقائق مختلفة عندما بدأ قياس أدائه الفعلي.
فقد وجد أنه يقضي نحو 60% من وقته الأسبوعي في مهام منتجة، بينما استهلكت مواقع التواصل الاجتماعي 9% من ساعات عمله خلال الشهر السابق لكتابة المقال. ويؤكد أنه كان سيخطئ كثيرًا في تقدير هاتين النسبتين لو اعتمد على التخمين قبل استخدام الأداة.
وأصبح لديه الآن تصور واضح عن كيفية استثمار وقته، ما يساعده على إجراء تحسينات محسوبة وقابلة للقياس.
قِس تقدمك أولًا.. ثم اعتمد على حدسك
يرى كلير أن تغيير الحياة باستمرار يصبح صعبًا للغاية إذا لم نكن ندرك ما نفعله فعلًا. ومحاولة بناء عادات أفضل دون وعي ذاتي تشبه إطلاق السهام في الظلام؛ إذ لا يمكنك توقع إصابة مركز الهدف إذا كنت لا تعرف موقعه من الأساس.
ويشير إلى أنه نادرًا ما صادف أشخاصًا يلتزمون بالسلوك الصحيح بصورة طبيعية دون أن يقيسوا سلوكهم في مرحلة ما. فعلى سبيل المثال، يعرف عددًا قليلًا من الأشخاص الذين يحافظون على عضلات بطن بارزة دون القلق كثيرًا بشأن ما يأكلونه، لكن كل واحد منهم سبق أن وزن طعامه وقاس كمياته في مرحلة من حياته.
وبعد أشهر من حساب السعرات الحرارية وقياس الوجبات، اكتسب هؤلاء القدرة على تقدير الكميات المناسبة من الطعام.
وبعبارة أخرى، ساعدهم القياس على مواءمة وعيهم الذاتي مع الواقع. ويمكن للإنسان أن يعتمد على حدسه بعد أن يقيس الأمور ويفهمها. فبمجرد أن يدرك حقيقة ما يحدث، يصبح قادرًا على اتخاذ قرارات دقيقة بالاستناد إلى إحساسه الداخلي، لأن هذا الإحساس يستند حينها إلى معرفة واقعية.
ويختتم كلير مقاله بدعوة بسيطة ومباشرة: ابدأ بقياس شيء ما.
فبدلًا من الاكتفاء بالقول إنك تحاول تحسين صحتك أو زيادة إنتاجيتك أو تعلم مهارة جديدة، اختر مؤشرًا واضحًا يمكنك تسجيله ومراجعته بانتظام. قد يكون عدد التدريبات التي أنجزتها، أو الساعات التي خصصتها للتعلم، أو الصفحات التي كتبتها، أو الوقت الذي قضيته بعيدًا عن مصادر التشتيت.
لا تكمن أهمية القياس في تحويل الحياة إلى أرقام فحسب، بل في مساعدتنا على رؤية أنفسنا بوضوح، واكتشاف ما يحتاج إلى تغيير، واتخاذ خطوات واقعية نحو أهدافنا. فالوعي الذاتي لا يبدأ بما نتمنى أن نكون عليه، بل بما تكشفه أفعالنا بالفعل.
How to Stop Lying to Ourselves: A Call for Self-Awareness

