تتوالى الفضائح داخل أروقة الفعاليات الرسمية التي تنظمها السلطة لتجميل صورتها المتآكلة، حيث تتحول المنصات الاقتصادية الكبرى إلى مجرد استعراضات إعلامية فارغة تستهلك ملايين الجنيهات دون تقديم حلول حقيقية للأزمات المعيشية الطاحنة.
وتتجسد أحدث هذه الوقائع في شهادة الدكتور أمجد حامد عمارة، عميد كلية التجارة السابق بجامعة المنوفية، الذي خرج من فعاليات منتدى مصر حزيناً وصفر اليدين بعدما أدرك أن دعوة العلماء تستهدف تأثيث المشهد فقط.
كواليس منتدى مصر وتهميش الخبراء
ومن هذا المنطلق، صفع الدكتور أمجد عمارة منظمي المنتدى بخروجه عن الصمت وتوثيقه لحجم الزيف الذي يغلف تلك الجلسات، مؤكداً أن التعامل مع أساتذة الجامعات اقتصر على حصرهم في أدوار الكومبارس لتمرير اللقطة الإعلامية.
وعلاوة على ذلك، تلاقت هذه الصرخة مع شهادة الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق عقب حضوره مؤتمرات سابقة في شهري يناير وفبراير، حيث أكد تجاهل المنظمين لكافة التوصيات العلمية واقتصار الكلمات على شخصيات تردد البيانات الحكومية.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور جوده عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن إدارة الملفات الاقتصادية عبر المؤتمرات الدعائية التي تفتقر للنقاش العلمي الجاد تهدر الموارد العامة وتعمق من جذور الأزمة الهيكلية في البلاد.
وبالإضافة إلى ما سبق، وثق الدكتور رائد سلامة، الباحث في الاقتصاد السياسي، تعرضه لموقف مماثل خلال جلسات الحوار الوطني والمؤتمرات الاقتصادية، موضحاً أن اللجان المنظمة تستبعد عمداً أي أوراق بحثية تصطدم بالتوجهات الرسمية السائدة.
ومن ناحية أخرى، أشار الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير في الشؤون الاقتصادية، في شهادات متكررة خلال شهر مارس إلى أن جدول أعمال هذه الندوات يصاغ داخل غرف مغلقة لمنع المتخصصين من تعرية فشل السياسات النقدية.
وفضلاً عن ذلك، تفرض إدارات هذه المنتديات قيوداً مشددة على المداخلات الحرة داخل القاعات، وتوجه الكاميرات فقط نحو المصفقين، مما يحول المحافل الاقتصادية إلى مسرحيات هزلية تفتقر إلى أبسط معايير المهنية والشفافية.
ونتيجة لهذه الممارسات، شعر نخبة من عمداء الكليات وأساتذة الاقتصاد بإهانة بالغة لكرامتهم الأكاديمية، بعدما استُغل حضورهم كديكور صامت لمنح شرعية زائفة لقرارات اقتصادية مدمرة تم اتخاذها مسبقاً دون الرجوع لأهل الاختصاص.
وبناءً على تلك المعطيات، أعلن المهندس الاستشاري ممدوح حمزة وعدد من الباحثين البارزين في شهر أبريل مقاطعتهم التامة لأي دعوات حكومية مشابهة، رافضين استخدام أسمائهم وتاريخهم العلمي كأدوات ترويجية لتغطية الانهيار المالي المتسارع.
ملايين الجنيهات على استعراضات اللقطة
وفي سياق متصل، تستنزف هذه المهازل الترويجية التي تقام تحت رعاية قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ميزانيات ضخمة، في وقت يعاني فيه المواطنون من غلاء فاحش وتدهور غير مسبوق في الخدمات الأساسية.
وهكذا، تُنفق ملايين الجنيهات من أموال دافعي الضرائب على حجز الفنادق الفاخرة وتجهيز الديكورات الباذخة والحملات الإعلانية، بينما تخرج التوصيات النهائية خاوية من أي مضمون اقتصادي يمكن تطبيقه لإنقاذ العملة المحلية أو كبح الديون.
ومن جهته، يوضح الدكتور عمار علي حسن، الباحث والخبير في علم الاجتماع السياسي، أن هوس السلطة بصناعة اللقطة الإعلامية والاعتماد على الحشود الشكلية يعكس عزلة سياسية عميقة وخوفاً مزمناً من مواجهة الحقائق على الأرض.
وإلى جانب ذلك، شهدت الشهور الماضية وتحديداً في شهري مايو ويونيو توسعاً ملحوظاً في عقد مؤتمرات استعراضية مماثلة، لم تسفر عن جذب أي استثمارات حقيقية، بل زادت من أعباء الخزانة العامة المنهكة أصلاً.
وبالتوازي مع هذا الإنفاق السفيه، تتجاهل الأجهزة التنفيذية كافة التقارير الصادرة عن الكليات المتخصصة والمراكز البحثية الرصينة، مفضلة الاستماع إلى دوائر ضيقة من المنتفعين الذين يزينون الأوهام ويدفنون رؤوسهم في الرمال.
ولذلك، تحولت جلسات الحوار الاقتصادي التي تُبث عبر الشاشات إلى حلقات مفرغة من الكلام المكرر، حيث يُقصى كل صوت يمتلك رؤية علمية لتشخيص الخلل، ويُستبدل بوجوه إعلامية تفتقر للخبرة الاقتصادية.
وعلاوة على هذا، تتطابق شهادة الدكتور أمجد عمارة مع ما رواه أساتذة بجامعة الإسكندرية والمنصورة حول دعوتهم لحضور مؤتمرات وزارية، ليكتشفوا هناك أن المقاعد الأمامية والكلمات الرئيسية محجوزة سلفاً لمن يسبحون بحمد الإنجازات الوهمية.
وبالتالي، تتعمق الفجوة بين الواقع الاقتصادي المرير الذي يعيشه الشارع المصري وبين الصورة الوردية الزائفة التي تحاول ماكينة الدعاية الرسمية تصديرها من داخل قاعات المؤتمرات المكيفة والمنفصلة تماماً عن معاناة الناس.
إقصاء العقول وتفاقم الانهيار الاقتصادي
وعلى صعيد آخر، يدفع الاقتصاد المصري ثمناً باهظاً جراء هذا الإقصاء المتعمد للعقول والكفاءات، حيث تتوالى القرارات العشوائية في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة دون دراسات جدوى حقيقية، مما يسرع من وتيرة الانهيار المالي.
وفي المقابل، تغلق السلطة كافة النوافذ أمام الحلول العلمية التي يطرحها أساتذة الاقتصاد في الجامعات الإقليمية والمركزية، وتتعامل مع أي تشخيص موضوعي للأزمة باعتباره تهديداً يستوجب التهميش والإبعاد الفوري عن المشهد.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، إلى أن تجاهل آراء المتخصصين والاعتماد على سياسات الاقتراض والتوسع في المشروعات الاستعراضية قد أوصل الدين العام إلى مستويات قياسية تهدد الاستقرار المالي للبلاد.
وفضلاً عن تهميش الخبراء، أظهرت المؤشرات المالية خلال شهري يوليو وأغسطس تراجعاً حاداً في القدرة الإنتاجية للمصانع المحلية، نتيجة غياب الرؤية الاقتصادية السليمة التي طالما نادى بها الأكاديميون في أبحاثهم المهملة.
ومن ثم، أثبتت واقعة عميد تجارة المنوفية السابق وما سبقها من شهادات موثقة أن الأزمة لا تكمن في نقص الكفاءات، بل في طبيعة الإدارة التي تخشى الحوار الحقيقي وترفض الاعتراف بفشل مسارها الاقتصادي.
وكذلك، تسببت هذه العقلية الإقصائية في تطفيش الكفاءات الاقتصادية الشابة، التي باتت تدرك خلال شهري سبتمبر وأكتوبر أن الترقي والمشاركة في صنع القرار لا يعتمدان على العلم، بل على مدى القبول بأداء دور الديكور.
وبالإضافة إلى ذلك، تستمر المؤسسات الرسمية في تنظيم فعاليات ترويجية جديدة مع حلول شهري نوفمبر وديسمبر، دون أن تلتفت إلى الغضب المتصاعد بين أوساط الأساتذة الذين يرفضون تحويل علمهم إلى أداة لتجميل الفشل.
ومع استمرار هذا النهج الاستعراضي، تتبدد كل الفرص الممكنة لوقف النزيف الاقتصادي، إذ لا يمكن لأي دولة أن تتجاوز أزماتها المالية عبر مسرحيات هزلية تصادر عقول علمائها وتستبدل البحث العلمي بالتصفيق والهتاف.
وفي نهاية المطاف، تبقى صرخة الدكتور أمجد عمارة وشهادات زملائه الأكاديميين وثيقة إدانة دامغة، تؤكد أن إنقاذ البلاد يبدأ بإنهاء عصر مؤتمرات اللقطة الزائفة، وإعادة الاعتبار للعقل العلمي المستقل في رسم السياسات العامة.

