تتصدر التحركات الدبلوماسية التركية المشهد الليبي وسط تساؤلات جوهرية حول قدرتها على لم الشمل وإنهاء الانقسام الممتد، بالتزامن مع دعوة نائب قائد القيادة العامة ببنغازي صدام حفتر لتوحيد الأراضي الليبية وتجاوز الخلافات.
​
​
وتتجه الأنظار نحو أنقرة التي تستعد لاستضافة مراسم توقيع اتفاق عسكري يجمع صدام حفتر بوزير الدفاع المكلف بحكومة الوحدة الوطنية عبد السلام زوبي، ليبقى التساؤل مطروحا حول نجاح تركيا في توحيد المنظومة العسكرية.
​
​
دلالات دعوة صدام حفتر للتقارب الوطني
​
​
وفي هذا السياق، نشر صدام حفتر تدوينة عبر حسابه الرسمي على المنصات الإلكترونية يوم الجمعة بمناسبة ذكرى يوم التحرير، أكد فيها أن الوفاء لهذه الذكرى يتطلب الارتقاء فوق الخلافات وتجميع ما فرقته سنوات الانقسام.
​
​
وعلاوة على ذلك، شدد نائب قائد القيادة العامة في تدوينته على ضرورة إعادة وحدة المؤسسات الوطنية الليبية، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل الأساس الحقيقي لبناء دولة مستقرة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين في مختلف المناطق.
​
​
ومن جهة أخرى، حرص صدام حفتر على تهنئة المواطنين الليبيين بذكرى التحرير، موضحا أن شهر أكتوبر يحمل في طياته تطلعات كبيرة لابتداء مرحلة جديدة تطوي صفحات الانقسام المأساوية وتفتح أبواب التوافق الوطني الشامل بين الجميع.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، اعتبر أن المرحلة الراهنة تهدف إلى إعادة الأمل في الانتقال السلس نحو مستقبل تتوحد فيه الإرادة الوطنية الليبية، وتلتقي فيه كافة الجهود المخلصة لإنهاء الأزمة المستمرة منذ سنوات طويلة في البلاد.
​
​
وفضلا عن ذلك، أشار صدام حفتر إلى إدراكه العميق لحجم الأمانة الملقاة على عاتقه وثقل الالتزامات النابعة من موقع المسؤولية، وهو ما يحتم التحرك الفوري والجاد لإنقاذ البلاد من حالة التشظي المؤسسي والسياسي السائدة حاليا.
​
​
كما أكد أن هذه المرحلة الدقيقة تتطلب إرادة صادقة وحكمة بالغة في اتخاذ المواقف، إلى جانب شجاعة حقيقية في إصدار القرارات المصيرية لتجاوز العقبات التي عطلت مسار التسوية الشاملة في ليبيا طوال الفترة الماضية.
​
​
وإلى جانب ذلك، شدد على أهمية الانفتاح الكامل على كل جهد وطني أو إقليمي يجمع الأطراف الليبية المختلفة على طاولة واحدة، تمهيدا لصياغة رؤية مشتركة تنهي حالة الاستقطاب الحاد بين معسكري الشرق والغرب الليبي.
​
​
ومع ذلك، أوضح صدام حفتر أن الأيدي ستظل ممدودة باستمرار لكل من يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار ضيق، سعيا لتغليب لغة الحوار والتفاهم على حساب الصراعات التي أرهقت الدولة الليبية ومؤسساتها الحيوية.
​
​
وبناء على هذا الموقف، علل نائب قائد القيادة العامة دعوته بكون الوطن أكبر من كافة الخلافات السياسية والعسكرية، وأعز من أن يبقى رهينة للانقسامات الحادة، مؤكدا أن الانتماء لليبيا حق أصيل لا ينتقص منه الاختلاف.
​
​
ترتيبات أنقرة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية
​
​
وفي موازاة هذه التصريحات، ترتب وزارة الدفاع التركية لاستضافة اللقاء المرتقب ومراسم توقيع الاتفاق العسكري التاريخي بين صدام حفتر وعبد السلام زوبي، في خطوة تعكس ثقل الدور التركي في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء.
​
​
ومن ناحية أخرى، يتضمن الاتفاق العسكري المزمع توقيعه في الجمهورية التركية توزيع الصلاحيات العسكرية بشكل متوازن بين الأطراف الفاعلة في الشرق والغرب، بما يضمن إنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري التي عانت منها البلاد طويلا.
​
​
وعلاوة على ذلك، ينص الاتفاق المرتقب على تأسيس غرفة قيادة عسكرية مشتركة تجمع ممثلي الطرفين، لتكون بمثابة النواة الفعلية لتوحيد الجهود الميدانية والعملياتية تحت مظلة وطنية موحدة تنهي حالة الانقسام المسلح في الأراضي الليبية.
​
​
وبالإضافة إلى تلك البنود، يشمل الاتفاق إعادة النظر في منصب ومهام القيادة العامة التي استحدثها مجلس النواب عام 2015، والتي أولى بموجبها خليفة حفتر قائدا عاما لها، بهدف دمجها ضمن هيكلية عسكرية متفق عليها.
​
​
وفي السياق ذاته، تتضمن التفاهمات العسكرية الجارية إعادة النظر في صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة التي يتولاها المجلس الرئاسي حاليا، وذلك لضبط الصلاحيات القيادية العليا ومنع أي تنازع مستقبلي في الاختصاصات بين السلطات الليبية.
​
​
ومن جانب آخر، تشير الترتيبات التركية الجارية إلى احتمال عقد لقاء رفيع المستوى يجمع عبد السلام زوبي وصدام حفتر بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لمنح هذا الاتفاق زخما سياسيا وضمانات إقليمية تدعم تنفيذه الفعلي.
​
​
كما تتضمن هذه التحضيرات الدبلوماسية إمكانية مشاركة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في مراسم التوقيع الرسمية، وهو ما يعزز من فرص نجاح الوساطة التركية في جمع كافة الأطراف الفاعلة تحت سقف واحد.

وجدير بالذكر أن هذه التحركات المتسارعة تأتي عقب خطوة لافتة تمثلت في إقرار مجلس النواب الليبي يوم الثلاثاء للاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا والجمهورية التركية عام 2019، ما مهد الطريق لتقارب غير مسبوق مع أنقرة.
​
​
وبفضل هذا الإقرار البرلماني، نجحت الدبلوماسية التركية في كسر الجمود التاريخي مع معسكر الشرق الليبي، ليتحول الخلاف السابق حول ترسيم الحدود البحرية إلى أرضية مشتركة تفتح الباب أمام رعاية أنقرة لمسار توحيد المؤسسة العسكرية.
​
​
حراك سياسي بطرابلس لحسم المناصب السيادية
​
​
وعلى صعيد متصل، نسقت الترتيبات الجارية لزيارة مرتقبة يجريها رئيس مجلس النواب الجديد الصالحين عبد النبي إلى العاصمة طرابلس منتصف الأسبوع المقبل، في خطوة تعكس انتقال مفاعيل التقارب من المستوى العسكري إلى المسار السياسي.
​
​
وخلال هذه الزيارة، يلتقي الصالحين عبد النبي برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، لبحث آليات توحيد المؤسسات التنفيذية والتشريعية وإنهاء حالة القطيعة السياسية المستمرة بين الشرق والغرب.
​
​
وتكتسب هذه الخطوة أهمية تاريخية بالغة، إذ تعد الزيارة المرتقبة هي الأولى من نوعها لرئيس مجلس النواب إلى العاصمة طرابلس منذ تشكيل المجلس عام 2014، ما يؤشر على تحول جذري في طبيعة العلاقات البينية.
​
​
وفي هذا الإطار، يركز الاجتماع الثلاثي المرتقب في طرابلس على بحث ملف المناصب السيادية الحساسة، بما فيها المؤسسة القضائية وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، لإنهاء حالة الانقسام الإداري والرقابي التي أضعفت أداء الدولة الليبية.
​
​
ووفقا للترتيبات القانونية، تختص السلطتان التشريعيتان المتمثلتان في مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ببحث وحسم هذه المناصب السيادية، وذلك استنادا إلى بنود اتفاق الصخيرات الموقع عام 2015 والمنظم للعملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية.
​
​
واستكمالا لهذه التفاهمات المتسارعة، قرر مجلس النواب بالتوافق الكامل مع المجلس الأعلى للدولة إقالة محافظ المصرف المركزي يوم الخميس وتكليف بديل عنه، في خطوة عملية أولى تبرهن على جدية التوافق السياسي والاقتصادي الجديد.
​
​
وفي سياق متصل، استقبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يوم الأربعاء النائب الأول لرئيس مجلس النواب طارق الأشتر، المنتخب حديثا ضمن هيئة رئاسة المجلس الجديدة برئاسة الصالحين عبد النبي، لتعزيز قنوات التواصل المباشر.
​
​
ومن جانبه، أوضح المكتب الإعلامي لحكومة الوحدة الوطنية أن الجانبين بحثا مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية، وسبل تعزيز التنسيق المشترك لمعالجة التحديات المالية الراهنة وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وتطوير المسار السياسي لإنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات.
​
​
ويأتي هذا الانفراج الواسع بعد مرحلة طويلة من الخلافات الحادة بين مجلس النواب والقيادة ببنغازي وحكومة الوحدة، والتي تفاقمت عقب سحب الثقة من الحكومة في سبتمبر 2021 واستمرار التباين طوال فترة رئاسة عقيلة صالح للمجلس.