أعلن مجلس النواب الليبي موافقته الرسمية بالإجماع على مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا عام 2019، وذلك بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في مياه البحر المتوسط.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يمثل هذا التصويت البرلماني تحولًا لافتًا في موقف المجلس الذي ظل لسنوات يرفض الاتفاقية ويطعن في شرعيتها، وسط خلافات سياسية داخلية عميقة واعتراضات إقليمية واسعة، خصوصًا من جانب اليونان.

 

تفاصيل التصويت البرلماني وإلغاء القرارات السابقة

 

وفي هذا السياق، قال الناطق الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق إن المجلس صوّت بالإجماع خلال جلسة مغلقة عقدها في مدينة بنغازي شرقي البلاد، على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع الحكومة التركية.

 

وعلاوة على ذلك، شمل التحرك البرلماني الجديد إلغاء 2 من القرارات السابقة التي أصدرها المجلس خلال عام 2020، والتي كانت تقضي برفض المصادقة على الاتفاقيات المبرمة مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها.

 

ومن جهة أخرى، أوضح عبد الله بليحق أن عملية التصويت تضمنت إلغاء القرار رقم 1 لسنة 2020، والذي نص حينها على رفض المصادقة على مذكرتي التفاهم البحرية والأمنية الموقعتين بين حكومة الوفاق وتركيا.

 

وفي سياق متصل، أسفرت الجلسة المغلقة في بنغازي عن إلغاء القرار رقم 6 لسنة 2020، وهو القرار البرلماني السابق الذي كان يتعلق بقطع كافة العلاقات السياسية الرسمية مع الجمهورية التركية بسبب الخلافات السابقة.

 

وبموجب هذا التصويت، يكون مجلس النواب الليبي قد تراجع رسميًا عن موقف سياسي اتخذه قبل أكثر من 6 سنوات، عندما رفض الاتفاقيات المبرمة بين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج والجانب التركي.

 

وبالعودة إلى الخلفية التاريخية، كانت حكومة الوفاق الوطني وتركيا قد وقعتا في يوم 27 نوفمبر 2019 على 2 من مذكرات التفاهم، وذلك في ذروة الانقسام السياسي والعسكري الحاد الذي شهدته الساحة الليبية آنذاك.

 

وتوضيحًا لمضمون الاتفاقيتين، تتعلق المذكرة رقم 1 بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، فيما تتناول المذكرة رقم 2 أطر التعاون الأمني والعسكري المشترك بين البلدين، مما أثار حينها جدلًا واسعًا داخل ليبيا.

 

ونتيجة لتلك الخلافات، اعتبر مجلس النواب الذي يتخذ من شرق البلاد مقرًا له في يناير 2020 أن حكومة الوفاق تجاوزت صلاحياتها الدستورية، عبر إبرام اتفاقيات دولية دون الحصول على موافقة السلطة التشريعية.

 

وعلى الصعيد الفني، تنص المذكرة البحرية المعتمدة على تحديد مناطق الصلاحية البحرية وفق إحداثيات جغرافية متفق عليها، بما يشمل ترسيم حدود الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة المرتبطة بحقوق استكشاف واستغلال النفط والغاز.

 

رفض يوناني قاطع وتمسك تركي بالاتفاقية

 

وفي مقابل الخطوة الليبية، سارعت العاصمة اليونانية أثينا يوم الثلاثاء إلى إعلان رفضها القاطع للقرار الصادر عن مجلس النواب الليبي، معتبرة أن هذا التصويت البرلماني يفتقر تمامًا إلى أي أثر قانوني دولي.

 

وفضلًا عن ذلك، قالت وزارة الخارجية اليونانية في بيان رسمي إن مذكرة التفاهم البحرية تنتهك القانون الدولي للبحار، كما أنها تمس بشكل مباشر الحقوق السيادية المشروعة لدول المنطقة المشاطئة للبحر المتوسط.

 

واستنادًا إلى الرؤية اليونانية، أكدت خارجية أثينا أن تركيا وليبيا لا تتقابل سواحلهما البحرية ولا تتجاور جغرافيًا، وهو الأمر الذي لا يبرر قانونيًا إجراء أي ترسيم مباشر للحدود البحرية المشتركة بينهما.

 

وتأسيسًا على هذا الموقف، دعت أثينا السلطات الليبية إلى الامتناع الفوري عن اتخاذ أي خطوات أحادية من شأنها تقويض دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة شرق البحر المتوسط خلال المرحلة الراهنة.

 

وإلى جانب هذه الدعوات، أشارت الحكومة اليونانية إلى أنها أبلغت شركاءها الدوليين وحلفاءها الإقليميين بتفاصيل موقفها الرافض، مؤكدة أنها ستتخذ كافة التدابير الدبلوماسية والقانونية المناسبة لحماية حقوقها السيادية في المياه الإقليمية.

 

ومنذ توقيع الاتفاق عام 2019، تعارض اليونان هذه المذكرة بشدة لأنها ترى فيها تجاهلًا صريحًا للحقوق البحرية الخاصة بالجزر اليونانية، ولا سيما جزيرة كريت، فضلًا عن تعارضها مع قواعد القانون الدولي للبحار.

 

وفي المقابل تمامًا، تتمسك العاصمة التركية أنقرة ببنود الاتفاق المبرم مع الجانب الليبي وتدافع بقوة عن قانونيته الدولية، مؤكدة حرصها الكامل على صون حقوقها البحرية والاقتصادية المشروعة في منطقة شرق المتوسط.

 

وبالتزامن مع هذا الجدل، تستمر الخلافات الدبلوماسية بين ليبيا واليونان بشأن ملف ترسيم الحدود البحرية ومناطق استكشاف النفط والغاز والتنقيب عنهما، خصوصًا في المناطق الواقعة جنوب جزيرة كريت المتنازع على صلاحياتها.

 

وعلى صعيد التعاون النفطي، كانت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية قد وقعتا في شهر يونيو 2025 مذكرة تفاهم مشتركة، وذلك لإجراء دراسات ومسوح جيولوجية وجيوفيزيائية في عدة مناطق بحرية ليبية.

 

وانطلاقًا من تلك الاتفاقية، عكست خطوة يونيو 2025 استمرار التعاون الوثيق بين الطرفين الليبي والتركي في قطاع الطاقة، بالتوازي مع تصاعد التوتر الدبلوماسي بين طرابلس وأثينا حول الموارد الطبيعية جنوب جزيرة كريت.

 

تقارب سياسي متزايد وأبعاد المرحلة الجديدة

 

وانتقالًا إلى المشهد السياسي، يأتي تصويت مجلس النواب الليبي في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين تركيا والسلطات في شرق ليبيا تقاربًا متزايدًا، وذلك عقب سنوات طويلة من التوتر والقطيعة السياسية.

 

وفي إطار هذا الانفتاح، شهدت الفترة الماضية سلسلة من اللقاءات المباشرة والاتصالات المكثفة التي جمعت بين مسؤولين أتراك بارزين وقيادات سياسية وعسكرية فاعلة في منطقة شرق ليبيا، لطي صفحة الخلافات الماضية.

 

وعلى المستوى الإعلامي، حظي قرار مجلس النواب الليبي باهتمام واسع النطاق في مختلف وسائل الإعلام التركية، التي سارعت إلى نشره وتداوله باعتباره تطورًا استراتيجيًا مهمًا في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

ومن زاوية أخرى، ركزت التغطيات الإعلامية في أنقرة على أهمية هذا الاعتماد البرلماني الليبي في تعزيز الموقف القانوني والسياسي المتعلق بملف ترسيم مناطق الصلاحية البحرية المشتركة في منطقة شرق البحر المتوسط.

 

ورغم شمولية التصويت الأخير، فإن إلغاء القرار رقم 1 لعام 2020 المتعلق برفض المذكرتين البحرية والأمنية اقترن بتفصيل دقيق في إعلان الناطق الرسمي عبد الله بليحق عقب انتهاء جلسة مدينة بنغازي.

 

وتوضيحًا لهذا التفصيل، نص إعلان عبد الله بليحق صراحة على اعتماد المذكرة المتعلقة بتحديد الصلاحيات البحرية الموقعة عام 2019، دون الإعلان عن إجراء تصويت برلماني مستقل لاعتماد مذكرة التعاون الأمني والعسكري.

 

وبغض النظر عن ذلك، يمثل القرار الصادر يوم الثلاثاء تحولًا جوهريًا في موقف المؤسسة التشريعية الليبية تجاه العاصمة التركية أنقرة، وذلك بعد مرور أكثر من 6 سنوات من المعارضة السياسية والقانونية.

 

وعطفًا على ما تقدم، يفتح هذا التطور البرلماني مرحلة جديدة كليًا في طريقة التعامل مع ملف الاتفاقية البحرية الليبية التركية، بما يمنحها غطاءً تشريعيًا موحدًا يتجاوز اعتراضات عام 2020 السابقة.

 

وختامًا لهذه التطورات المتسارعة، تبرز أهمية هذه الخطوة في ظل استمرار الانقسام السياسي الداخلي في ليبيا، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي والدولي على مناطق النفوذ وموارد الطاقة الغنية في حوض البحر المتوسط.