أثار قرار تحميل المواطنين تكلفة استبدال عدادات الكهرباء القديمة استياءً شعبيًا في مصر، بعدما أعلن الوزير محمود عصمت تحمل المشتركين ثمن تغيير العدادات التي مر على تركيبها عشر سنوات، مع إتاحة السداد بالتقسيط.

 

وأعاد الإعلان وضع جيوب الأسر في مواجهة مباشرة مع قرارات الوزارة، إذ يقدم التقسيط بوصفه تيسيرًا بينما يبقى أصل العبء كاملًا، ويتصدر الجدل سؤال مسؤولية المرفق عن تكلفة تجديد أدوات قياس الاستهلاك.

 

 

التقسيط يجمّل فاتورة تثقل الأسر

 

وبحسب تصريحات عصمت المنشورة في 16 أكتوبر، تتحمل شركات التوزيع تغيير العدادات التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات عند ثبوت أعطال تستدعي ذلك، فيما يدفع المواطن تكلفة استبدال العداد بعد عشر سنوات.

 

غير أن التصريحات نفسها لا توضح القاعدة المطبقة على العدادات الواقعة بين خمس وعشر سنوات، ما يترك المشترك أمام مساحة غموض تمس أمواله، ويستوجب إعلان ضوابط مكتوبة بدل الاكتفاء بالتوجيهات الإعلامية.

 

وفي المقابل، قد يخفف التقسيط ضغط السداد الفوري، لكنه لا يسقط أصل التكلفة، ويظل المبلغ المستحق على الأسرة كاملًا، يزاحم احتياجاتها الشهرية ويضاف إلى ما تدفعه مقابل استهلاك الكهرباء داخل منزلها.

 

وبحسب التغطية المنشورة في 19 أكتوبر، تقوم آلية التقسيط المطروحة على خصم الأقساط من رصيد الشحن، وبذلك تتوزع الأموال التي يضعها المواطن لإضاءة منزله بين الاستهلاك وثمن الجهاز الجديد المفروض عليه.

 

ومن ثم، إذا واصلت الأسرة شحن المبلغ المعتاد مع استقطاع قسط جديد منه، فسيتبقى رصيد أقل للاستهلاك، وهو أثر حسابي مباشر لا تمحوه العبارات الرسمية عن تيسير الدفع وتخفيف الأعباء المالية.

 

وعلى مستوى العدالة الاجتماعية، يستقطع المبلغ نفسه نسبة أكبر من دخل الأسرة الأفقر، ولذلك فإن تعميم التكلفة دون مراعاة القدرة على الدفع يوسع العبء، حتى عندما تتساوى الأسر في نوع العداد المستخدم.

 

وفوق ذلك، لم تتضمن تصريحات الوزير المنشورة سعرًا تفصيليًا للعداد الجديد أو جدولًا للأقساط، ما يجعل إعلان التكلفة الإجمالية ورسوم التركيب وأي مصروفات مرتبطة بها شرطًا أساسيًا لفهم الالتزام قبل تحصيله.

 

ولهذا، لا يكفي أن تعرف الأسرة عدد الأشهر التي ستدفع خلالها، بل يجب أن تعرف سبب استبدال عدادها، وما إذا كان قابلًا للإصلاح، ومن قرر تحميلها الثمن، وعلى أي أساس تعاقدي.

 

وبذلك، تصبح الحماية الفعلية للمستهلك مرتبطة بتقليل التكلفة غير المبررة ومراجعة استحقاقها، بينما يكتفي التقسيط بإعادة ترتيب التحصيل، ويترك أصل السؤال معلقًا حول عدالة نقل فاتورة الإحلال كاملة إلى المشترك.

 

 

عدادات سليمة تحت ضغط الاستبدال

 

وفي الإسكندرية، سبق الجدل الحالي طلب إحاطة قدمه محمد جبريل، عضو مجلس النواب، ونشرته الشروق في 2 أكتوبر، بشأن وقف شحن عدادات مسبقة الدفع وإلزام أصحابها بشراء أخرى جديدة.

 

وأوضح جبريل أن الشكاوى شملت بشائر الخير بمينا البصل وكرموز ومحرم بك واللبان، وأن عددًا من العدادات لم يتجاوز عشر سنوات ويعمل بكفاءة، متسائلًا عن المبرر الذي يستدعي تغييره.

 

كما حذر عضو مجلس النواب من أن شراء عدادات جديدة من الجهة المصنعة نفسها يضيف أعباء على الأسر، وطالب ببحث استمرار تشغيل الأجهزة السليمة قبل إلزام المواطنين بدفع تكلفة بدائلها.

 

وفي ضوء ذلك، يضع طلب الإحاطة سلامة العداد في قلب الخلاف، فالمواطن الذي ينتظم في السداد يحتاج تفسيرًا محددًا لسحب جهاز يعمل، ولا تكفي عبارة تطوير المنظومة لتبرير مطالبته بشراء بديل.

 

ومن جانبها، نقلت فيتو في 3 أكتوبر عن مصادر بوزارة الكهرباء أن بلوغ العمر الافتراضي لا يفرض الاستبدال تلقائيًا، وأن التعامل مع العداد يرتبط بحالته الفنية ودقة تسجيله للاستهلاك.

 

وعليه، فإن حسم صلاحية العداد يحتاج فحصًا موثقًا يبين سبب الاستبدال، لأن استخدام رقم زمني وحده يختزل المشكلة، ويمنع المشترك من معرفة ما إذا كان المطلوب ضرورة فنية أم إجراءً إداريًا.

 

أما إذا ارتبط التغيير بعيب تصنيع أو خلل في منظومة الشحن، فتبرز ضرورة بحث مسؤولية المورد والشركة عن معالجة السبب، بدل القفز مباشرة إلى جيب المواطن وتحويل مشكلة لم يصنعها إلى التزام مالي عليه.

 

وبالمثل، يجب أن يصاحب أي استبدال بيان واضح بالقراءة النهائية والرصيد المتبقي وتسويته، فانتقال المشترك إلى جهاز جديد لا ينبغي أن يبدد مبالغ سبق دفعها أو يفتح بابًا لنزاع حسابي إضافي.

 

ومن هنا، فإن وقف الشحن قبل شرح أسباب التغيير يضع الأسرة تحت ضغط عملي لقبول التكلفة، لأن الاعتراض يصبح مرتبطًا باستمرار خدمة أساسية، وهو وضع يستدعي رقابة جادة على إجراءات الشركات.

 

 

تطوير المرفق على حساب المشتركين

 

وبالتوازي، تمنح مهلة الشهرين لاستبدال العدادات التالفة والمعطلة الوزارة معيارًا يمكن قياسه، لكن نجاح التنفيذ يجب أن يشمل سرعة معالجة الأعطال ودقة الحساب، ومدى حماية المشتركين من المطالبات المالية غير المبررة.

 

وفي الجانب الفني، أوضح الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة، خلال «حديث القاهرة» في 11 أكتوبر، أن بعض العدادات الميكانيكية القديمة قد تسجل استهلاكًا أقل من الحقيقي، وهو ما يستدعي تغييرها.

 

غير أن ضرورة تغيير عداد فقد دقته لا تحسم وحدها عدالة تحميل المواطن كامل الثمن، إذ يبقى توزيع التكلفة قرارًا يحتاج مبررات مستقلة، وضمانات تمنع تعميم الإحلال على أجهزة سليمة.

 

وفي مسار آخر، أعلن عصمت استهداف تحويل نحو مليون و350 ألف عداد كودي إلى عدادات قانونية خلال أيام، عقب التصالح على أوضاعها، بالتزامن مع العمل على إعادة تفعيل منصة الخدمات.

 

لكن عرض هذه الإجراءات ضمن حزمة واحدة لا يجيب عن سؤال تكلفة الاستبدال، فتقنين أوضاع المشتركين وتطوير الخدمة يحتاجان تقييمًا منفصلًا عن قرار إلزام الأسرة بتمويل جهاز جديد من ميزانيتها.

 

ولذلك، يتعين على الوزارة نشر معايير الإحلال والإصلاح، وحدود مسؤولية الشركات والموردين والمشتركين، بحيث يمكن مراجعة كل مطالبة مالية، بدل ترك المواطن يتلقى القرار والثمن باعتبارهما أمرًا واقعًا لا يقبل المناقشة.

 

وفي هذا الإطار، طالب جبريل بمناقشة طلبه داخل لجنة الطاقة سريعًا وبحث بدائل تراعي ظروف المواطنين، وهي مطالبة تضع البرلمان أمام اختبار تحويل الاعتراضات إلى مساءلة وإجراءات واضحة تحمي المشتركين.

 

وعلى صعيد تخفيف العبء، يمكن توجيه الدعم إلى الأسر الأقل قدرة على السداد، وإلزام المورد بتحمل العيوب التي تثبت مسؤوليته عنها، وإتاحة إصلاح العداد عندما يكون ذلك مجديًا وأقل تكلفة.

 

وقبل تحصيل أي أقساط جديدة، تصبح الشفافية ضرورة تشمل إجمالي السعر ومواعيد الخصم ورصيد الاستهلاك ونتيجة الفحص، حتى لا يتحول كارت الكهرباء إلى وسيلة لتحصيل التزامات لا يفهم المواطن تفاصيلها.

 

وأمام هذا كله، يبقى الاستياء مرتبطًا بحكومة تطلب من المواطن الدفع، بينما تترك تصريحاتها تفاصيل التكلفة غامضة، ولن يبدد الغضب وصف العبء بالتقسيط الميسر، ما دامت مبررات التحصيل وضماناته دون إجابات كافية.