تلتهم موجات الغلاء المتلاحقة آخر ملاذات البروتين الرخيص على موائد المصريين، بعدما قفز سعر كيلو البلطي متجاوزا حاجز 100 جنيه، ووصل البوري إلى 250 جنيها، فيما سجل الجمبري 1200 جنيه بالأسواق المحلية.

 

وبالإضافة إلى ذلك، تحرم هذه القفزات السعرية ملايين الأسر من تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، لتتحول وجبة السمك المعتادة إلى عبء مالي ثقيل يستنزف الدخل المحدود، ويدفع المواطنين نحو تقليص الكميات أو إزاحتها تماما.

 

الشعبة توضح دوافع قفزات الأسعار

 

ومن جانبه، يربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بالغرفة التجارية، في تصريح له، بين اشتعال الأسعار وتراجع المعروض، نتيجة تضخم تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل وتقلبات الإنتاج بالمزارع ومواسم الصيد.

 

وعلاوة على ذلك، تفتقر الأسواق إلى آليات ضبط حقيقية تمنع تضخم الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك، مما يفاقم الفجوة السعرية ويجعل المواطن وحده ضحية لتراكم الأعباء التشغيلية وفوضى التسعير الممتدة من المزرعة حتى التجزئة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عبد التواب بركات، الأستاذ المساعد بمركز البحوث الزراعية ومستشار وزير التموين الأسبق، أن السياسات الاقتصادية الراهنة دمرت منظومة الأمن الغذائي عبر ترك مستلزمات الإنتاج رهينة لاحتكارات المستوردين وتهاوي العملة.

 

وكذلك، يتحمل المستهلك الصغير فاتورة انسحاب الدولة من دورها التنظيمي والرقابي، بعدما فشل رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي في حماية صغار المربين من جنون أسعار الأعلاف والوقود، ليتحول الغذاء الشعبي إلى سلعة للأثرياء فقط.

 

ومن ناحية أخرى، تتبدد وعود الاكتفاء الذاتي أمام واقع الأسواق الشعبية في شهر أكتوبر الجاري، حيث يقف رب الأسرة المكونة من 5 أفراد عاجزا أمام توفير وجبة سمك واحدة تتطلب مئات الجنيهات مع الأرز والخضراوات.

 

ولذلك، يشدد عبد الحليم على ضرورة التحرك المتكامل عبر دعم الإنتاج السمكي وخفض تكاليف مدخلاته وتحسين كفاءة النقل وتقليل الفاقد، مع تفعيل منافذ البيع المباشر بأسعار معلنة وجودة مضمونة لتقليص سطوة الوسطاء بالأسواق.

 

ومع ذلك، تصطدم هذه المقترحات بغياب البيانات الدقيقة حول حركة التداول الفعلية وفروق الأسعار بين الجملة والتجزئة، مما يعرقل أي مساع جادة لكبح جماح الغلاء دون الإضرار بصغار المنتجين أو تحميل التجار أعباء إضافية.

 

وبناء على ذلك، تواصل الأسعار صعودها القياسي منذ شهر يناير الماضي دون رادع حكومي يحفظ توازن السوق، لتتسع الهوة يوميا بين القدرة الشرائية للمواطنين وتكلفة الحصول على الحد الأدنى من البروتين البحري الضروري.

 

عسكرة البحيرات وتدمير الإنتاج المحلي

 

وعلى صعيد متصل، يرجع الدكتور صقر النور، خبير علم الاجتماع الريفي والباحث في السياسات الزراعية، جذور الأزمة إلى هيمنة المؤسسات السيادية على البحيرات الطبيعية والمزارع السمكية الكبرى، وتهميش الصيادين التقليديين لصالح مشروعات استثمارية تهدف للجباية.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، أدى ردم مساحات شاسعة من البحيرات الشمالية وتلوث مياهها، كما حدث في بحيرة المنزلة مؤخرا من نفوق كميات كبيرة، إلى تقليص المصايد الحرة التي كانت تغذي الأسواق الشعبية بأسماك رخيصة.

 

ونتيجة لذلك، تراجعت حصة المواطن من الإنتاج السمكي المحلي رغم الدعاية الرسمية حول المشروعات القومية، لأن إدارة هذه المشروعات تخضع لمنطق الربح التجاري والتصدير للخارج، دون مراعاة للاحتياجات الغذائية الأساسية لملايين الأسر الفقيرة بالداخل.

 

وفضلا عن ذلك، تفرض الجهات المشرفة على المسطحات المائية رسوما باهظة وقيودا أمنية مشددة تخنق حركة الصيد الحر، مما يجبر آلاف الصيادين على هجر المهنة أو بيع حصيلتهم بأسعار مرتفعة لتغطية تكاليف التشغيل المتضاعفة.

 

ومن ثم، تتكامل حلقات الجباية الرسمية على الطرق ومنافذ التوزيع لتضيف أعباء مالية جديدة على كل كيلوجرام ينتقل من الموانئ والمزارع إلى المحافظات، ليجد المستهلك نفسه في مواجهة أسعار فلكية لا تتناسب مع دخله.

 

وبالتالي، يفقد البلطي والبوري صفتهما التاريخية كبديل آمن وميسور التكلفة عن اللحوم الحمراء والدواجن، بعدما تحولت ثروات البلاد المائية إلى أصول استثمارية مغلقة لا يلمس المواطن أثرها في طبقه اليومي أو ميزانيته المنهكة.

 

علاوة على ذلك، يتجاهل صناع القرار التحذيرات المتكررة منذ شهر يوليو الماضي بشأن انهيار منظومة الاستزراع السمكي الأهلي، الذي ينتج نحو 80% من احتياجات السوق، تاركين أصحاب المزارع يواجهون شبح الإفلاس والإغلاق.

 

وهكذا، تتهاوى القدرة الإنتاجية للمزارع الخاصة تحت وطأة الديون وارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والأدوية البيطرية، لتتقلص الكميات المطروحة بالأسواق تدريجيا، ويصبح الغلاء نتيجة حتمية لسياسات الإفقار وتجفيف منابع الإنتاج الشعبي المستقل.

 

تآكل الميزانية وغياب البدائل الغذائية

 

ومن جهة أخرى، يحذر الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، من التداعيات الكارثية لحرمان الأسر المصرية من البروتين البحري، في ظل تآكل الأجور الحقيقية وارتفاع معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة.

 

وبالتزامن مع ذلك، تضطر الأسر التي تضم 4 أو 6 أفراد إلى استبدال الأسماك بأطعمة نشوية فقيرة القيمة الغذائية، مما يهدد بانتشار أمراض سوء التغذية والتقزم والأنيميا بين الأطفال نتيجة غياب البدائل البروتينية المتاحة.

 

وعلى النقيض من ذلك، تروج البيانات الحكومية لمؤشرات نمو وهمية تتجاهل حقيقة عجز المواطن عن شراء 2 كيلوجرام من البلطي بسعر يتجاوز 200 جنيه، ناهيك عن اقتراب كيلو البوري من 250 جنيها والجمبري من 1200 جنيه.

 

ولهذا السبب، يعكس اختفاء الأسماك من موائد الطبقتين المتوسطة والفقيرة عمق الأزمة الاقتصادية الناتجة عن توجيه الموارد العامة نحو مشروعات خرسانية غير منتجة، مع فرض ضرائب ورسوم مستمرة ترفع تكلفة الطاقة والنقل والتداول.

 

وبالمثل، يؤدي غياب الرقابة الفعلية على سلاسل الإمداد وكبار المستوردين إلى تفاقم الأزمة منذ شهر مارس الماضي، حيث تترك الحكومة الحبل على الغارب لاحتكار مدخلات الإنتاج، بينما تكتفي بحملات دعائية لا تطعم جائعا.

 

وإلى جانب ذلك، يفاقم التضخم المستمر في أسعار الزيوت والأرز والخضراوات من تكلفة إعداد وجبة السمك داخل المنزل، لتتجاوز تكلفتها الإجمالية قدرة الموظف أو العامل الذي يتقاضى أجرا لا يكفي لتغطية نفقات السكن والعلاج.

 

وبناء عليه، يغدو الحديث عن خفض الأسعار دون تغيير جذري في السياسات الاقتصادية والزراعية مجرد مسكنات عابرة، طالما استمرت قبضة الجباية والاحتكار متحكمة في مفاصل الإنتاج والتوزيع من المنبع وحتى مائدة المستهلك النهائي.

 

وفي النهاية، تبقى أزمة أسعار الأسماك شاهدا حيا على السياسات التي حولت الغذاء الأساسي للمصريين إلى حلم بعيد المنال، بعدما تضافرت قرارات الجباية مع إهمال المنتجين لتجريد الأسرة من حقها في وجبة متكاملة وآمنة.