تعيد واقعة صعود ديانا حمزة أبو سحلي إلى البرلمان فتح ملف توريث الحصانة في مصر، بعدما حلت مكان والدتها الراحلة أماني أبو سحلي عبر نظام القوائم، في مشهد أثار استهجاناً واسعاً داخل الشارع السياسي.

 

وفي هذا السياق، يتجاوز المشهد فكرة الصدفة الإجرائية ليجسد نمطاً مستقراً يفرغ الحياة النيابية الممتدة لنحو 160 عاماً من جوهرها، حيث تحولت المقاعد العامة إلى حصص يجري تداولها داخل الدوائر الضيقة دون احتكام حقيقي لإرادة الناخبين.

 

 

هندسة القوائم الانتخابية وتكريس المقاعد المغلقة

 

وبناءً على ذلك، فإن اعتماد آلية القائمة المطلقة المغلقة شكل حجر الزاوية في بناء مشهد برلماني أحادي، إذ يجبر الناخب على قبول باقة حزبية كاملة أو إسقاطها، مما يجعل التنافس الحقيقي غائباً تماماً عن الصناديق.

 

وعلاوة على ذلك، تكرس القوائم المغلقة نظاماً صارماً يرتب البدلاء بطريقة تلغي الكفاءة لصالح العلاقات المباشرة، فعند شغور أي مقعد يصعد المرشح الاحتياطي المناظر فوراً دون أي فرز شعبي إضافي أو مراجعة لثقل المرشح الجديد.

 

ومن هذا المنطلق، يوضح الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن التحالفات المصنوعة تعيد إنتاج الهيمنة وتغلق المجال العام أمام التعددية، محولة البرلمان إلى مجرد واجهة إجرائية تصادق على قرارات السلطة التنفيذية.

 

ويضيف الأكاديمي المتخصص في شؤون النظم الحزبية أن فرض القوائم المطلقة يعطل الدورة الطبيعية لتجديد النخب، ويعزل المؤسسة التشريعية عن نبض المجتمع وتطلعاته، ما يحرم القوى المجتمعية المستقلة من ممارسة دورها الدستوري والرقابي المفترض.

 

وبالرجوع إلى التاريخ، عرفت مصر تجربة القوائم الحزبية النسبية في دورتي 1984 و1987، وحينها وضعت نسبة حسم قدرها 8%، فكانت تلك الآلية تجير أصوات القوى الصغيرة لصالح الحزب الحاكم بصورة أثارت جدلاً سياسياً حاداً.

 

ومقارنة بتلك الحقبة، كان إعداد قوائم الاحتياط يشكل مأزقاً حقيقياً للأحزاب التقليدية لعلم الجميع باستحالة تصعيدهم، بينما تحولت القوائم المعاصرة إلى ترتيبات مضمونة مسبقاً، تضمن للعائلات النافذة الاحتفاظ بمقاعدها التشريعية تحت مظلة التوافقات الأمنية الحاكمة.

 

في المقابل، لم يعد الصراع محتدماً بين برامج حزبية متباينة، بل انحصر في سباق محموم على حجز المواقع داخل القائمة الموحدة، حيث تدفع أموال طائلة لضمان المقعد الأصلي وبديله في آن واحد دون رقابة فعلية.

 

ونتيجة لهذا المسار، تلاشت تماماً فرص المنافسة المتكافئة، ووجد المرشحون المستقلون أنفسهم معزولين أمام ماكينة مالية وإدارية موحدة، تفرض مرشحيها على الدوائر الانتخابية وتغلق الباب أمام أي حراك برلماني شعبي يعبر عن الواقع المعاش.

 

من هنا، تكرست حالة الاستياء في الشارع الذي يرى البرلمان ينفصل تدريجياً عن وظيفته الأساسية في المساءلة، ليتحول إلى ساحة ترضيات بين أجهزة تدير المشهد ومصالح ضيقة تتقاسم مقاعد الغرفتين بلا أي اعتبار للإرادة الشعبية.

 

 

إهدار مبادئ العدالة والمساواة بنصوص محصنة

 

على صعيد متصل، شهدت مصر سابقاً صدور أحكام تاريخية من المحكمة الدستورية العليا قضت ببطلان برلماني 1987 و1990، مستندة إلى إخلال النظام الانتخابي بمبدأ تكافؤ الفرص وحرمان المستقلين من التنافس العادل مع مرشحي الأحزاب.

 

وتكرر المشهد ذاته، بعد ثورة يناير 2011 حين أسقطت المحكمة الدستورية برلمان الثورة للعلة نفسها المتمثلة في مزاحمة الحزبيين للمستقلين على المقاعد الفردية، وهو العوار الذي يعاد إنتاجه اليوم بأشكال أكثر فجاجة وتحصيناً من الرقابة.

 

وتأسيساً على ذلك، يؤكد عصام الإسلامبولي، المحامي بالنقض والفقيه الدستوري، أن النصوص الحالية صُممت لتحصين النظام الانتخابي من الطعن القضائي، ما يعطل جوهر الرقابة الدستورية ويجعل التمييز بين المواطنين أمراً واقعاً محاطاً بسياج تشريعي صلب.

 

ويفصل الفقيه الدستوري رؤيته موضحاً أن مساواة المراكز القانونية وتكافؤ الفرص يمثلان روح الدستور وروابط العدالة الغائبة، بينما يؤدي الانحياز المطلق للقوائم المغلقة إلى مصادرة حق الناخب الدستوري في اختيار ممثليه بحرية وتجريد صوته من فاعليته.

 

وفي ضوء ذلك، يرى متابعون للشأن القضائي أن تحصين القوانين الانتخابية يخلق مفارقة كبرى، تجعل نصوص القوانين تتصادم مع المبادئ الدستورية العالمية، وتمنع القضاء من ممارسة دوره التاريخي في حماية التعددية وتصويب مسار العملية الانتخابية.

 

ومن جانب آخر، أدى اتساع الدوائر الفردية إلى إرهاق مادي للمرشحين، إذ يتطلب خوض المعركة ميزانيات ضخمة تعجز عنها الكفاءات الوطنية المستقلة، ما يفتح الباب واسعاً أمام رأس المال السياسي لشراء المواقع والنفوذ بالكامل.

 

وبالتوازي مع هذا، فإن تدخلات الإدارة لإعادة بعض الدوائر الفردية لم تكن سوى محاولة لتهدئة احتقان داخلي بين الأجهزة المتنافسة على الحصص، ولم تكن إطلاقاً انحيازاً لقواعد النزاهة أو استجابة حقيقية للمطالب الشعبية بالإصلاح.

 

بناءً عليه، يدرك المتابعون أن التعويل على حل البرلمان قضائياً يظل وهماً في ظل هندسة تشريعية حصنت نفسها بدقة متناهية، تضمن بقاء المجلس لإكمال دورته التشريعية كاملة بمعزل تام عن أي ضغوط قانونية أو شعبية.

 

إضافة إلى ذلك، تفرز هذه الهندسة واقعاً تشريعياً غريباً، يسلب الناخبين إرادتهم في تقرير مصير ممثليهم، ويجعل من فكرة التمثيل الديمقراطي مجرد طقس شكلي مفرغ من القدرة على التغيير أو مساءلة السلطة التنفيذية في سياساتها.

 

 

تحول التمثيل النيابي إلى ملكيات عائلية

 

ومما يثير الانتباه، أن ظاهرة التوريث الحالية تختلف جذرياً عن موروثات الريف القديمة؛ إذ كانت العمودية والوجاهة تخضعان لقواعد اجتماعية وتنافس عائلي معلن، بينما تحول مقعد البرلمان اليوم إلى ملكية شخصية تنتقل داخل البيت الواحد.

 

ففي عقود سابقة، كان التوريث يحترم جلال الفقد أو يمر عبر صناديق الاقتراع، حتى أظهرت انتخابات سنة 2000 تحت الإشراف القضائي تراجع نفوذ العائلات التقليدية وصعود وعي جديد أربك حسابات الحزب الوطني الحاكم آنذاك تماماً.

 

وفي التاريخ القريب، استند أنور السادات إلى شبكة تحالفات مع عائلات الصعيد الكبرى، مثل بيت عبد الآخر في سوهاج وأبو سحلي في قنا، مكافئاً إياهم بحقائب وزارية ومناصب نيابية لدورهم في دعمه وإيوائه زمن ملاحقته.

 

وعلى خلاف تلك التحالفات، لم يعد الصعود اليوم رهناً بثقل اجتماعي أو تاريخي للعائلة، بل بات محكوماً بالتسويات المالية والأمنية المباشرة التي تقرر أسماء القائمة وتضمن انتقال المقعد بالوراثة الآلية بين أفراد الأسرة دون عناء.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن إعادة إنتاج التوريث تعكس تراجع مفهوم الدولة الحديثة لصالح بنى تقليدية وعصبيات مصلحية، يتم توظيفها لإحكام السيطرة بدلاً من إرساء المواطنة.

 

ويستطرد الباحث الأكاديمي مؤكداً أن تحويل المقعد النيابي إلى تركة خاصة يلغي وظيفة البرلمان كمنبر للتعبير عن المجتمع، ويصنع طبقة نيابية مغلقة تدين بالولاء لمن صمم القائمة وضمن لها الحصانة، وليس للمواطن الذي أدلى بصوته.

 

وبناءً على تلك المعطيات، باتت وقائع تصعيد الأبناء والبنات عقب وفاة النواب تكريساً لثقافة الاستحواذ العائلي، حيث يجري حجز المقعد الاحتياطي للوريث سلفاً كشرط لدخول القائمة، في صفقة مدفوعة الأجر تتجاوز كل الأعراف النيابية.

 

وغدا المشهد العام مشحوناً برفض شعبي واسع يمتد حتى إلى قواعد الموالاة التقليدية، التي لم تعد تتقبل هذا الاحتكار الفج للمواقع العامة، وتعتبر تحويل المجالس النيابية إلى ملكيات أسرية إهداراً كاملاً لمفهوم المؤسسات الدستورية.

 

وفي المحصلة النهائية، يضع هذا النمط البرلماني الدولة أمام مفترق طرق حقيقي، إذ يعيد تنظيم الحياة السياسية وفق منطق العشيرة والوراثة الجينية، مجرداً التجربة التشريعية المصرية من دلالاتها التاريخية ومفرغاً إياها من أدنى معايير الشفافية الديمقراطية.