فتح النائب فريدي البياضي مواجهة مباشرة مع وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، واصفًا إياه خلال لقاء إعلامي بـ«المزور»، ومعتبرًا أن ما تقدمه الوزارة تحت لافتة تطوير التعليم ليس سوى «تطوير وهمي»، في اتهامات نقلت الجدل من أداء الوزارة داخل المدارس إلى مؤهلات الوزير نفسه وطريقة إدارة واحد من أخطر ملفات الدولة.

 

وأعاد البياضي إلى الواجهة ملفًا ظل مطروحًا منذ تعيين عبد اللطيف، بعدما أكد أنه سبق وكشف أزمة شهادات الماجستير والدكتوراه، ليضع الحكومة مجددًا أمام سؤال لم يغلقه مرور الوقت وهو كيف تستمر إدارة منظومة التعليم بينما الجدل حول المؤهلات الأكاديمية لصاحب القرار ما زال حاضرًا في البرلمان والإعلام.

 

https://www.youtube.com/shorts/7KWmYNnF4oc

 

شهادات الوزير تعود للواجهة

 

وقال البياضي إن أزمة المؤهلات لم تكن مجرد ضجة عابرة على مواقع التواصل، موضحًا أنه تحرك برلمانيًا منذ عام 2024 بشأن السيرة الذاتية المنشورة لعبد اللطيف، والتي تضمنت الحصول على دكتوراه من «كارديف سيتي» في الولايات المتحدة وماجستير في تطوير التعليم من جامعة لورانس الأمريكية.

 

وأضاف البياضي في ظهوره الأخير أنه يمتلك مستندات ورسائل إلكترونية تتعلق بالبرامج الدراسية محل الجدل، وذهب إلى حد وصف الوزير بـ«المزور»، مؤكدًا أن إحدى الشهادات ترتبط بحسب روايته بجهة غير ذات وجود أكاديمي حقيقي، بينما قال إن الجامعة المنسوب إليها الماجستير لا تقدم البرنامج المذكور أصلًا.

 

وكان البياضي قد قال في سؤاله البرلماني إن «كارديف سيتي» لا تمتلك بحسب ما توصل إليه وجودًا جامعيًا تقليديًا أو هيئة تدريس أو حرمًا جامعيًا، كما أثار تساؤلات بشأن ماجستير جامعة لورانس، معتبرًا أن المعلومات المنشورة عن برامج الجامعة لا تتفق مع الدرجة المذكورة في السيرة الذاتية للوزير.

 

وفي المقابل دافعت الحكومة عام 2024 عن مؤهلات عبد اللطيف، وقال مصطفى مدبولي إن الشهادات «سليمة وموثقة ومعتمدة من جهة إصدارها»، لكنه ميّز في الوقت نفسه بين توثيق الشهادة وبين اعتمادها من المجلس الأعلى للجامعات في مصر، بينما قال عبد اللطيف آنذاك إنه درس الدكتوراه عبر نظام التعليم الإلكتروني.

 

وتظل هذه النقطة ضرورية عند تناول وصف «المزور»، إذ إن المتاح في المصادر التي راجعتها يعرضه باعتباره اتهامًا أطلقه البياضي في سياق سياسي وبرلماني، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا منشورًا يثبت جريمة تزوير، وهو ما يجعل مسؤولية الحكومة أكبر في تقديم إجابات موثقة بدل ترك القضية معلقة بين الاتهام والدفاع.

 

غير أن عودة البياضي إلى الملف بعد أكثر من عامين تكشف أن الرد الحكومي السابق لم ينجح في إنهاء الأسئلة، لأن القضية لم تعد تدور حول لقب أكاديمي فقط، وإنما حول معيار اختيار المسؤول الذي يتولى وزارة يفترض أنها تحرس قيمة العلم والشهادات والانضباط الأكاديمي أمام ملايين الطلاب والمعلمين.

 

تطوير يخاصم واقع المدارس

 

وانتقل البياضي من مؤهلات الوزير إلى حصيلة سياساته، معتبرًا أن الحديث المتكرر عن تطوير التعليم لا ينعكس بالقدر نفسه داخل الفصول، واصفًا مشروع التطوير بأنه «وهمي»، ومشيرًا إلى أن تغييرات مثل نظام البكالوريا ومحاولات الاقتراب من نماذج المدارس الدولية لا تعالج في رأيه جذور الأزمة التعليمية.

 

وشدد على أن الأزمة تبدأ من المعلم الذي يفترض أن يكون أساس أي إصلاح، بينما يجري التعامل معه وفق رؤيته باعتباره بندًا يمكن ضغط تكلفته، وقال إن بعض المعلمين يعملون بنظام الحصة بمقابل يتراوح بين 30 و38 جنيهًا، في وقت تتحدث فيه الوزارة عن خطط ومشروعات ضخمة لتحديث المنظومة.

 

وطرح البياضي هنا سؤال الأولويات بحدة، معتبرًا أن إنفاق مليارات الجنيهات على أدوات مثل أجهزة التابلت لا يمكن تقديمه بوصفه إصلاحًا مكتملًا بينما يبقى المعلم نفسه محاصرًا بضعف الدخل ونقص الاستقرار الوظيفي وغياب الموارد الكافية للتدريب، وهي مفارقة تجعل التكنولوجيا واجهة باهظة لمنظومة تعاني في أساسها البشري.

 

ولا تتوقف المشكلة عند قيمة الحصة أو شراء الأجهزة، لأن جوهر حديث البياضي يضرب مباشرة في فلسفة الإدارة الحالية وهي البدء من الشكل قبل الإنسان، فالفصل الذكي أو النظام الجديد أو الامتحان المعدل لن يصنع تعليمًا قويًا إذا ظل المعلم الذي يدير هذا كله يعمل تحت ضغط اقتصادي ومهني متواصل.

 

ومن هذه الزاوية تصبح عبارة «التطوير الوهمي» التي استخدمها البياضي أوسع من خلاف على نظام دراسي بعينه، فهي اتهام لسياسة كاملة بأنها تبدل أسماء المراحل والأدوات وتضيف منصات وأجهزة، بينما تترك المشكلات الأقدم مثل العجز في المعلمين والكثافات والإنفاق على العنصر البشري بلا حل يوازي حجم الدعاية المصاحبة للتغييرات.

 

تضارب المصالح يعود بقوة

 

وفتح البياضي كذلك ملف علاقة الوزير بقطاع التعليم الخاص، وهو ملف سبق أن وصل إلى البرلمان بعد الجدل حول منصة «أشطر» التعليمية، حيث طالب في فبراير 2025 بالكشف عن ملكية المنصة وعلاقة عبد اللطيف بها، خاصة مع عمل الوزير سابقًا داخل مؤسسات تعليمية خاصة مرتبطة بعائلته.

 

وتشير تقارير منشورة إلى أن منصة «أشطر» كانت مرتبطة بعائلة الوزير، وأن عبد اللطيف عمل مديرًا تنفيذيًا لها قبل دخوله الحكومة، كما أثار البياضي آنذاك تساؤلات بشأن كيفية الجمع بين خطاب رسمي يتحدث عن مواجهة الدروس الخصوصية وبين وجود روابط سابقة بمشروع تجاري يقدم خدمات تعليمية مدفوعة.

 

وعاد البياضي في ظهوره الأخير ليصف الأمر بأنه تضارب مصالح، ضاربًا مثالًا بمسؤول عن قطاع عام يمتلك أو ترتبط أسرته باستثمارات في القطاع نفسه، وهو طرح لا يثبت وحده مخالفة قانونية لكنه يفرض سؤالًا مشروعًا بشأن الإفصاح والشفافية والفصل بين المصلحة الخاصة والقرارات التي تمس سوق المدارس والمنصات التعليمية.

 

ولا يصبح هذا السؤال هامشيًا عندما تكون الوزارة هي الجهة التي تضع القواعد للمدارس الخاصة والدولية والتعليم الإلكتروني والدروس والمنصات، لأن مجرد وجود علاقات تجارية سابقة في المجال يجعل الإفصاح الواضح عن الملكية والمصالح والتخارج والمسؤوليات ضرورة لحماية القرار العام من أي شبهة يمكن أن تلاحقه.

 

وبذلك لا تبدو مواجهة البياضي مع وزير التعليم مجرد سجال شخصي أو حلقة إعلامية ساخنة، بل تجمع ثلاثة ملفات ثقيلة في وقت واحد وهي مؤهلات أكاديمية ما زالت موضع جدل، وسياسات يصفها النائب بأنها تطوير شكلي، وأسئلة تضارب مصالح سبق نقلها رسميًا إلى البرلمان ولم تفقد أهميتها بمرور الوقت.

 

ويبقى الملف في النهاية اختبارًا للحكومة قبل أن يكون اختبارًا للبياضي أو لعبد اللطيف، لأن إدارة التعليم لا تحتمل إجابات رمادية بشأن مؤهلات المسؤول أو مصالحه أو جدوى السياسات التي يطبقها، وحسم هذه الأسئلة لا يكون بالشعارات ولا بتغيير الألقاب وإنما بنشر الوقائع والمستندات والإفصاحات التي تسمح للرأي العام بمعرفة الحقيقة كاملة.