د. محمد الهندي

نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي

 

ورثت الولايات المتحدة دور بريطانيا العظمى في الهيمنة ونهب ثروات العالم، وفي الحفاظ على أمن وقوة وتفوق وهيمنة إسرائيل التي تمثل مشروع الغرب وذراعه في استمرار الهيمنة ونهب ثروات الشرق الأوسط ومنع استقلال أي من أقطاره استقلالا حقيقيا.

 

وقد تبوأت إسرائيل مكانة مرموقة في العلاقة مع الولايات المتحدة تم بناؤها وتطويرها وتأكيدها على مدار 75 عاما منذ نشأة دولة الكيان في عام 1948. وقد بدأت بالاعتراف بإسرائيل وضمان وجودها والدفاع عنها وإمدادها بالسلاح والمساعدات، ثم إسناد دور إستراتيجي لها وإتاحة المجال أمامها لاتخاذ مبادرات كبرى في الإقليم.

 

وقد تأسست هذه العلاقة الإستراتيجية وتطورت بفعل عوامل متعددة وفي مقدمتها المنفعة والمصالح المشتركة، ثم الثقافة المشتركة، خاصة ثقافة المذهب البروتستانتي والإنجيليين على وجه الخصوص، وكذلك صورة إسرائيل الراسخة كواحة للديمقراطية تعكس صورة الغرب في شرق همجي ومتخلف.

 

إضافة إلى قوة وتأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والذي يتم تسخيره لمعالجة أي انتكاسة في العلاقة أو محاولة الإدارة الأمريكية الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات مطلوبة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة بالمنطقة. وقد تكرر ذلك مع إدارة الرؤساء نيكسون وبوش وأوباما.

 

وقد أثبتت إسرائيل قدرتها وبمساعدة اللوبي الصهيوني على تجاوز ضغوط الإدارة الأمريكية في فترات مختلفة، خاصة أثناء المفاوضات المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد أو المفاوضات بخصوص القضية الفلسطينية، حيث كانت أولوية الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة إنجاز معاهدة سلام مع العرب تضمن استقرار المنطقة في الحضن الأمريكي.

 

فيما كانت إسرائيل تماطل وتتجنب أي انسحاب لا يلائمها، وبذلك لا يمكن اعتبار إسرائيل مجرد تابع أو وكيل للولايات المتحدة فقط.

 

فقد رفضت إسرائيل أن تُستخدم لخدمة المصالح الأمريكية إذا لم تكن تحقق مصالحها هي أيضا، كما قاومت الضغوط الأمريكية للانسحاب من الأراضي المحتلة عندما صممت الولايات المتحدة على الدفع باتجاه حل سلمي، ثم تراجعت الولايات المتحدة أمام تصلب إسرائيل في مفاوضات كامب ديفيد مع مصر، التي كادت أن تفشل، وكذلك في مفاوضات كامب ديفيد الثانية مع الفلسطينيين.

 

وقد تأكد دور إسرائيل كحليف قوي للولايات المتحدة في مواجهة النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، عندما أخضعت الرئيس عبد الناصر في عام 1967، وكذلك عندما أخرجت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعد اجتياح بيروت في عام 1982.

 

وبعد سقوط شاه إيران في عام 1979، ترسخت مكانة إسرائيل بوصفها الرصيد الإستراتيجي الوحيد في المنطقة والذي يمكن الاعتماد عليه، ويملك الإرادة والتماسك القوي، وقدرة تكنولوجية، وعصبا عسكريا.

 

مرت العلاقات بين الطرفين بمحطات مختلفة، وتراوحت بين الرصيد الإستراتيجي الذي يؤدي خدمات جليلة، وبين التبعية والاعتماد الكامل على المساعدات والمدد الأمريكي، حسب تطورات الأوضاع والأزمات والحروب في المنطقة والعالم.

 

ولكن بشكل عام، كان منحنى العلاقات في تصاعد نحو تأكيد أهمية ودور إسرائيل في الإقليم وامتداده إلى مناطق أخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

وقد اعتُبرت إسرائيل رصيدا إستراتيجيا للولايات المتحدة بداية في مواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، ثم في مواجهة ما سمي التطرف الإسلامي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في عام 1991، وأخيرا في مواجهة نفوذ إيران أو ما أطلق عليه التهديد الشيعي لحلفاء أمريكا السنة المعتدلين في المنطقة العربية.

 

ورغم أن دور إسرائيل كحليف قوي ورصيد إستراتيجي للولايات المتحدة قد تضرر كثيرا على إثر حرب أكتوبر 1973 مع مصر وسوريا، كذلك تم تحجيمه عند غزو صدام حسين للكويت وما تبعه من غزو أمريكي للعراق، وكذلك أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987، بيد أن إسرائيل سرعان ما استعادت مكانتها وتأكد دورها وأعطيت صلاحيات في المنطقة في مرحلة ما أطلق عليه اتفاقات السلام، سواء مع الفلسطينيين في أوسلو أو مع العرب في وادي عربة، ثم اتفاقية أبراهام التي شملت في موجتها الأولى أربع دول عربية (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب)، وقفزت عن القضية الفلسطينية إلى ترتيب مستقبل المنطقة أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وكانت المنطقة تتهيأ لتسيد إسرائيل الكامل وتحكمها في طرق نقل البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر موانئها على شاطئ المتوسط.

 

وفي هذا السياق تم تضخيم خطر إيران وتهديداتها لدول المنطقة، كما كانوا يضخمون دور الاتحاد السوفياتي في فترة الحرب الباردة ويعظمون من نشاطاته في العالم العربي، وهم بذلك يتجاهلون قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية للتوتر في المنطقة والتي من شأنها تسهيل نفوذ إيران، خاصة عندما يتخلى العرب عنها ويديرون ظهورهم لها ويتسابقون إلى التطبيع مع إسرائيل.

 

وأصبحوا يصنفون المقاومة الفلسطينية الممتدة جذورها في فلسطين منذ قرن، ويصنفون حلفاء إيران العرب بأنهم مجرد أذرع لإيران، كما كانوا يصنفون حلفاء موسكو بأنهم أدوات، وذلك بهدف تضخيم دور إسرائيل الإستراتيجي في التصدي لهذا النفوذ، مع تعطيل الديناميات التي قد تؤدي إلى انسحابات من غزة أو لبنان أو سوريا.

 

إن تعظيم مخاطر إيران المفترضة وتسويقها بأنها محور الشر وعدو للمنطقة، يقابله تقليل خطر إسرائيل القائم بالفعل وتسويقها حليفا للمعتدلين العرب، وظيفتها حمايتهم من خطر إيران، في محاولة مكشوفة لتجاهل القضية الفلسطينية واختزال دورها في المنطقة ودمجها في المخاطر القادمة من إيران.

 

في هذا التوقيت الرباني الذي تتهيأ فيه المنطقة العربية للدخول الطوعي إلى المرحلة الإسرائيلية، انفجر الطوفان على غير توقع من أحد، ليصيب جميع العوامل التي تؤثر في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الصميم.

 

صحيح أن بعض هذه العوامل مثل الانقلاب القضائي أصابها التغيير قبل الطوفان، ولكن الطوفان أظهرها بشكل سافر لتتحول من اعتبارها فتورا سياسيا عارضا إلى تحول إستراتيجي في المصالح.

 

نستعرض بشكل سريع أهم العوامل التي أصابها الطوفان في محاولة لفهم الدلالة الإستراتيجية لها ضمن فهمنا العام لطبيعة وديناميكية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

 

وكما أوضحنا فإن مكانة إسرائيل كحليف إستراتيجي للولايات المتحدة نابعة أساسا من دورها في الدفاع عن مصالح الغرب من جانب، ومن التزامها بقيم الغرب ومبادئه وثقافته من جانب آخر.

 

لذلك نرصد هنا التغيرات التي طرأت بفعل طوفان الأقصى ومدى تطابق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط مع مطالب إسرائيل وكذلك تصور نظرة الداخل الأمريكي إلى إسرائيل ومطالب الداخل الأمريكي وتأثيرها في مكانة إسرائيل في الإستراتيجية الأمريكية.

 

أولا: التغيرات التي طرأت على الثقافة والقيم المشتركة ونظرة الداخل الأمريكي إلى إسرائيل

 

منذ نشأة إسرائيل وحتى طوفان الأقصى، حافظت إسرائيل على صورة نمطية في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص بأنها دولة القانون وحقوق الإنسان وحرية الإعلام، دولة علمانية على شكل دول أوروبا تشترك مع الغرب في كل مبادئه، تمثل نظاما ديمقراطيا مستقرا، سلوكها قابل للتنبؤ، يسودها إجماع موال للغرب وأمريكا على وجه الخصوص.

 

هذه الصورة انقلبت رأسا على عقب بعد الطوفان، رغم أن هذا التغيير بدأ قبل الطوفان في الانقلاب القضائي، وفي انتشار وتوسع الصهيونية الدينية المسيحانية والتي أصبحت في مركز التأثير والحكم على حساب العلمانية.

غير أن الطوفان عصف بورقة التوت وترك إسرائيل عارية تماما من أكثر الدول تنكرا لحقوق الإنسان وحرية الإعلام والقضاء المستقل، ولا تقيم وزنا للقانون الدولي وتمارس جرائمها جهارا نهارا ضد الإنسانية، وقادتها ملاحقون بتهم الإبادة الجماعية في محاكم دولية ويتبدد الإجماع الذي يربطها بالغرب وأمريكا وتسمع وزراء داخل حكومة نتنياهو يجاهرون بأن إسرائيل ليست جمهورية موز أو ليست الولاية الـ51 للولايات المتحدة، وصولا إلى التوتر مع بريطانيا وإغلاق قنصليتها في القدس ضمن إجراءات عقابية أخرى، وذلك ردا على فرضها عقوبات على استيراد بضائع من مستوطنات الضفة الغربية وكأن من يتخذ هذه القرارات أعمى لا يرى مقدار التغيرات التي طرأت في العالم.

 

ونتنياهو بكل تطرفه وجرائمه أصبح يقف في منتصف الخارطة السياسية الإسرائيلية، وعلى يمينه يصطف وزراء من كافة الأحزاب الدينية الكهانيون الشعبويون من أمثال سموتريتش وبن غفير الذين يمارسون طقوسهم التلمودية علنا، كما يقف على يمين نتنياهو كل قادة أحزاب الائتلاف وجميع قادة المعارضة في إسرائيل بلا استثناء، بينيت ولابيد وليبرمان وآيزنكوت وغانتس، وتصنيف المعارضة له علاقة بشخص وممارسات نتنياهو وليس له علاقة بالقضايا السياسية خاصة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

 

فهناك إجماع صهيوني بين أحزاب الائتلاف وأحزاب المعارضة حول القضايا الرئيسية خاصة لعدم قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة وأن إسرائيل دولة لليهود والقدس الموحدة عاصمة أبدية لها.

 

وباختصار فإن الخطاب الإسرائيلي بشأن القيم والمبادئ وحقوق الإنسان ومقاومة الإرهاب والدفاع عن قيم الغرب ومصالحه أصبح متعجرفا ورخيصا ومستهترا على يد نتنياهو وطابور من وزرائه المعتوهين الغارقين في أساطيرهم، وكلما توغلت إسرائيل في جرائمها كلما ازدادت عزلة على المستوى الدولي.

 

هذا من جانب إسرائيل، ومن جانب آخر فإن الولايات المتحدة شهدت تغيرات موازية عميقة في نظرة الجمهور الأمريكي لإسرائيل، فعلى الجانب الجمهوري ظهرت "حركة ماغا" التي حملت ترمب إلى البيت الأبيض على يمين الحزب الجمهوري مع شعار نجعل أمريكا عظيمة مجددا وإعطاء الأولوية دائما للمصالح الأمريكية.

 

سرعان ما اكتشفت قيادات وازنة في حركة (ماغا) وعلى رأسهم الصحفي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون أنه إذا تضاربت المصالح الأمريكية مع مصالح إسرائيل فإنه يتم تقديم مصالح إسرائيل وسياساتها وحروبها على حساب المصالح الأمريكية، سواء في إدارة ترمب أو بين أعضاء الكونغرس الذين حملهم دعم اللوبي الصهيوني إلى مقاعد البرلمان.

 

وترتب على ذلك انقسام حركة ماغا وخروج أهم رموزها منها وانتقادهم الحاد للإدارة الأمريكية وسياساتها وارتهانها لمصالح إسرائيل وتشكيكهم في دوافع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران بأنها لا تخدم سوى مصالح إسرائيل كما كان الحال عليه في العدوان الأمريكي على العراق.

 

وعلى جانب الحزب الديمقراطي، فمع انحياز بايدن وإدارته اللامحدود لإسرائيل ودعمها وتبرير جرائمها في غزة ارتفعت أصوات الديمقراطيين المعارضين للإدارة في الجامعات الأمريكية، وبين أعضاء الكونغرس أمثال رشيدة طليب وإلهان عمر وتوعدوا بإسقاط بايدن ثم نائبته هاريس في الانتخابات وأن حسابهم مع إدارة بايدن سيكون في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

 

وبالفعل فقد أغلقوا هذا الحساب، ومنذ ذلك الوقت فإن يسار الحزب الديمقراطي يتعاظم تأثيره ويحقق مزيدا من النجاحات، وقد ظهر ذلك مع فوز عمدة نيويورك ممداني وفوز معظم مرشحيه واكتساحهم الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للانتخابات النصفية للكونغرس في مواجهة الأعضاء المحسوبين على إسرائيل والمدعومين بسخاء من اللوبي الصهيوني.

 

وبرزت رموز شابة لليسار الديمقراطي أمثال الطبيب المصري الأصل عبدول السيد، وهذا بدوره أدى إلى تراجع تأثير إيباك في أكثر مرشحي الانتخابات النصفية ورفض تمويلها للحملات الانتخابية بعد فشل غالبية أعضاء الحزب الديمقراطي الممولين من إيباك في الانتخابات التمهيدية.

 

يضاف إلى ذلك تراجع تأثير الإعلام التقليدي والمؤسسات الإعلامية المدعومة من إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة في التلاعب بالرأي العام رغم زيادة ميزانياتها، أمام الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي وصور الدمار والقتل المروعة التي تبث من غزة لتغزو البيوت والجامعات وتنعكس في مظاهر قوية تؤيد فلسطين وتهتف بالحرية لها أمام تراجع حاد في تأييد إسرائيل.

 

كما تنعكس في استطلاعات الرأي العام الناقد لأداء ترمب وسياساته بحيث يتراجع التأييد لأداء الرئيس ترمب إلى حدود 34% في أدنى مستوى لتأييد الرئيس، وما زالت هذه العوامل تتفاعل خاصة داخل الجامعات الأمريكية وجيل الشباب (زد) الذي سئم التضليل وغسل الأدمغة الذي تمارسه المؤسسات ووسائل الإعلام المؤيدة لإسرائيل.

 

وباختصار، بدأت المواقف الأمريكية بخصوص العلاقة مع إسرائيل تتأرجح بعد أن كانت ثابتة. أما خطاب الإدارة الأمريكية ورموز اليمين الصهيوني المؤيد لإسرائيل بشأن القيم والمبادئ والحقوق، فقد أصبح رخيصا ومستهترا، ومرتهنا بدرجة كبيرة لقوة الروابط الدينية والمصالح المادية وتأثير الجالية اليهودية، ولا يقنع أحدا.

 

وفي كل الأحوال، يتصاعد الانقسام داخل الولايات المتحدة حول حقيقة تمثيل إسرائيل للقيم الأمريكية الأساسية.

 

ثانيا: التغيرات التي طرأت على المصالح الإستراتيجية المشتركة

 

فمنذ الساعات الأولى لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، ظهرت إسرائيل عاجزة عن حماية نفسها، فضلا عن قدرتها على الدفاع عن مصالح الغرب وحماية حلفائه في الإقليم.

 

وسقطت أسطورة الاستخبارات الإسرائيلية التي حِيكت حولها قصص وروايات لا حصر لها، كما تبددت صورة إسرائيل القوية والجيش الذي لا يُقهر منذ الساعات الأولى للطوفان، وحلّت محلها صورة الجندي المرعوب الذي يُسحب من دبابته جاثيا على ركبتيه أمام مجاهد فلسطيني شبه أعزل.

 

وتوالت على مدار عامين صور دبابات الميركافا 4 المدمرة بإمكانات متواضعة مصنّعة محليا، في مقابل شجاعة وإقدام منقطعي النظير وروح معنوية لا تنكسر.

 

وأظهرت المواجهة في غزة إفراطا في تقدير قوة إسرائيل المعنوية وتماسكها الداخلي، ولا يزال قادتها، حتى اليوم، يتقاذفون الاتهامات حول الفشل المريع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

 

وبعيدا عن التصريحات العلنية لقادة الغرب، التي تعبّر غالبا عن الصورة التي يرغبون في تقديمها لتبرير مواقفهم ومساندتهم لإسرائيل وادعاء حقها في الدفاع عن نفسها ومواجهة الإرهاب، فإن وراء هذه التصريحات حقيقة ثابتة تتجاوز كل هذه المواقف السطحية، وهي أن إسرائيل عاجزة عن حماية نفسها.

 

لقد تمزقت هيبة إسرائيل في العالم وفي الإقليم، بعد أن كانت تتهيأ للتتويج على الإقليم وبسط هيمنتها وسيطرتها على المنطقة، والتحكم بطرق إمداد الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا. وأصبحت إسرائيل في وضع إستراتيجي أكثر ارتهانا للولايات المتحدة، في بقائها في شرق أوسط تتوالد فيه كل يوم مخاطر جديدة، ولم يهدأ أو يستقر منذ طوفان الأقصى.

 

  • فبعد أن كانت إسرائيل حليفا يدّعي حماية الدول السنية المعتدلة من مخاطر إيران الشيعية وما يُسمى بالهلال الشيعي، أصبح المحور السني، حسب زعمهم، يشكل تهديدا محتملا لها لا يقل عن تهديد إيران.

 

  • وبعد أن كانت تدّعي حماية حلفاء أمريكا في الإقليم، فإذا بها تستهدف العاصمة القطرية الدوحة وتقصفها بالطائرات الأمريكية، وتعتبرها طرفا معاديا.

 

  • وبعد أن سنحت أمامها فرصة لاتفاق أمني مع سوريا تحترم بموجبه اتفاق في عام 1974، يدفعها خوفها وعجزها لاستباحة الأراضي السورية والأمن السوري والشعب السوري، في محاولة لاستباق الزمن واستعادة الهيبة الضائعة.

 

  • وفي لبنان، تبدو هناك فرصة مهدورة لاتفاق أمني يفضي إلى اتفاق سياسي مع حكومة خاضعة تماما للإدارة الأمريكية.

 

والسؤال هنا: هل تتوافق هذه المواقف السياسية الإسرائيلية، التي تعكس مصالح إسرائيل، مع المصالح الأمريكية في استقرار منطقة الشرق الأوسط ضمن هيمنة الولايات المتحدة وتحت مظلتها؟

 

هذا الإقليم الذي يخضع إلى حد كبير لموازين القوى الدولية، هل بوسع الإدارة الأمريكية أن تحول دون وقوع المحتوم، وخاصة أن هذه التغيرات تأتي في سياق مناخ دولي يتجه إلى تحويل العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، بعيدا عن الهيمنة الأمريكية المطلقة، مع احتدام الصراع الغربي مع روسيا، والصين التي تزحف وتراكم نفوذها في الشرق الأوسط على حساب نفوذ الولايات المتحدة؟

 

وقد خُدشت الهيبة الأمريكية بعد فشل مغامرة نتنياهو-ترمب في إسقاط النظام الإيراني والسيطرة على مقدرات إيران وإنهاء نفوذها في الإقليم. كما أظهرت المواجهة مع إيران إفراطا في تقدير قوة إسرائيل العسكرية والاستخباراتية، وأثارت شكوكا في قدرتها على مواصلة التصدي لتحديات مشابهة.

 

ونسجل هنا أن المصالح الأمريكية بدأت تفترق عن مصالح إسرائيل في ظل مناخ دولي وإقليمي شديد التعقيد، وأن منحنى صعود مكانة إسرائيل بدأ يعكس اتجاهه، حتى في ظل أكثر الإدارات الأمريكية انحيازا إلى إسرائيل.

 

ومن مظاهر هذا الافتراق أن الولايات المتحدة، التي كانت تنحاز تلقائيا أو تتكيف مع مواقف إسرائيل فيما يخص الشرق الأوسط، وكانت مرتهنة إلى حد مؤثر للضغوط التي يمارسها اللوبي الصهيوني، خاصة بين أعضاء الكونغرس، باعتبار أن إسرائيل تقدم خدمات للولايات المتحدة لا تُقدّر بثمن في التصدي للنفوذ السوفياتي، ثم للتطرف الإسلامي، وأخيرا في الخلاصة للخطر الإيراني، قد بدأت تتخفف -بفعل التغيرات الناشئة- من هذا الارتهان، وفقدت إسرائيل إلى حد واضح استقلالية قرارها السياسي، وأصبحت تتكيف مع ضغوط الولايات المتحدة -الحامية لها- ومع تقلبات السياسة الأمريكية.

 

وأصبح رئيس وزرائها نتنياهو ينتظر موقف الإدارة الأمريكية والرئيس ترمب، وأحيانا يسمع بموقف الرئيس ترمب عبر تغريدة على منصة إكس، كما حدث أكثر من مرة في مسألة استئناف الضربات على إيران. وأصبحت إسرائيل أكثر ارتهانا للولايات المتحدة، المساندة لها على مختلف المستويات.

 

والسؤال هنا: هل حالة الارتهان والتبعية هذه في مصلحة أي منهما؟ هل من مصلحة إسرائيل أن تبقى تحت الحماية الأمريكية الكاملة، فتفقد قدرتها على المناورة مع الصين وروسيا والإقليم في عالم متغير؟ وهل من مصلحة الولايات المتحدة أن تواصل تحمل تكاليف هذا الارتهان ومحاولات تفلت إسرائيل، في ظل تصاعد التدافع الدولي وتغير المناخ الداخلي الأمريكي؟

 

وهل يستدعي هذا الوضع إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، وتحويل المساعدات الأمريكية إلى مشاريع مشتركة، أو تحويل الإمداد العسكري إلى مشاريع للصناعات العسكرية المشتركة؟

 

وقد كانت إسرائيل تتمتع بهامش واسع ودور كبير في السياسة الإقليمية، كما في لبنان منذ في عام 1982، وفي الضفة الغربية وغزة بعد أوسلو، وكانت تتهيأ للعب دور محوري في أمن المنطقة وما بعدها، وكانت تعترض في هذا الإطار على تسليح الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة بالأسلحة والتكنولوجيا الحديثة، مثل اعتراضها على تزويد السعودية والإمارات بطائرات إف-35، بحجة عدم استقرار المنطقة والخوف من وقوع الأسلحة في الأيدي الخطأ.

 

إلا أن إدارة الرئيس ترمب تجاوزت هذا الفيتو وقررت بيع طائرات إف-35 للسعودية، وهو ما يفتح الباب أمام بيعها لدول أخرى في الإقليم.

 

وبعد أن تخلت الولايات المتحدة والغرب عموما ودول الإقليم عن الانشغال بالملف الفلسطيني، وتركت لإسرائيل وحدها معالجة القضية الفلسطينية وفق مصالحها، عادت بعض الدول الأوروبية -بعد الطوفان- تتحدث بصوت مرتفع عن حل الدولتين، بعد أن تأكد للجميع أنه لا يمكن تجاوز حل القضية الفلسطينية، التي تمثل مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

وليس من المستبعد مستقبلا أن يتغير هذا الأمر بالنسبة للإدارة الأمريكية، وتبحث عن حلول، ولو جزئية، تساعد في استقرار المنطقة.