دخلت الحرب على غزة عامها الثالث فيما لا تزال الأسئلة التي بدأت بها المواجهة حاضرة دون إجابات حاسمة؛ فلم تختف المقاومة، ولم يتحقق التهجير الشامل، ولم تستعد إسرائيل حالة الأمن التي وعدت بها مجتمعها عند بداية الحرب.

 

وبعد ثلاث سنوات من القصف والدمار والحصار، تحولت غزة إلى واحدة من أقسى ساحات الصراع في المنطقة، بينما تجاوزت المواجهة حدود العمليات العسكرية إلى معركة ممتدة على الأرض والسكان والقدرة على البقاء.

 

كما تحولت الحرب التي بدأت إسرائيليًا تحت عنوان تحقيق أهداف عسكرية وأمنية واسعة إلى مسار مفتوح، تتراكم داخله الخسائر البشرية والسياسية دون أن تظهر حتى الآن صورة النهاية التي تحدثت عنها القيادة الإسرائيلية في بداية المواجهة.

 

وفي المقابل، أصبح بقاء الفلسطينيين داخل قطاع غزة رغم الدمار الواسع عنصرًا أساسيًا في قراءة نتائج السنوات الثلاث، بعدما ظلت محاولات دفع السكان إلى الرحيل تصطدم بتمسك قطاعات واسعة منهم بأرضهم رغم الظروف الإنسانية القاسية.

 

 

ثلاث سنوات والحسم لم يتحقق

 

دخلت إسرائيل الحرب وهي ترفع مجموعة من الأهداف الكبرى، بينها إنهاء القدرات العسكرية لحركة حماس، واستعادة الأسرى، ومنع تكرار هجوم السابع من أكتوبر، وإعادة صياغة الواقع الأمني في قطاع غزة.

 

لكن مرور ثلاث سنوات دون إغلاق ملف الحرب يكشف حجم المسافة بين الأهداف المعلنة والواقع الذي أنتجته العمليات العسكرية، إذ استمرت المواجهة وتحولت إلى حرب استنزاف طويلة بدل الوصول السريع إلى الحسم.

 

كما لم يؤد حجم الدمار الكبير الذي أصاب القطاع إلى إنهاء المقاومة بصورة كاملة، بينما ظلت الحاجة إلى عمليات عسكرية متكررة مؤشرًا على أن القوة النارية وحدها لم تستطع إنتاج الواقع الذي أرادته إسرائيل.

 

وأصبحت القيادة الإسرائيلية أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فاستمرار الحرب يحمل مزيدًا من الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية، بينما إنهاؤها دون تحقيق كامل الأهداف المعلنة يفتح داخليًا سؤالًا حول نتيجة ثلاث سنوات من القتال.

 

ومن هنا تحولت الحرب من مشروع قُدم في بدايته باعتباره طريقًا لاستعادة الردع إلى مأزق سياسي وأمني مفتوح، بعدما أصبحت إسرائيل مطالبة بتفسير ما تحقق فعليًا مقارنة بحجم الخسائر والدمار والوقت الذي استهلكته المواجهة.

 

 

تدمير شروط الحياة في غزة

 

ولم تتوقف الحرب عند الضربات العسكرية المباشرة، فقد أصابت تداعياتها مختلف تفاصيل الحياة اليومية داخل غزة، من الغذاء والمياه إلى السكن والمستشفيات والبنية الأساسية ووسائل الحصول على الاحتياجات الضرورية.

 

كما أدى الدمار واسع النطاق إلى جعل مجرد استمرار الحياة تحديًا يوميًا لملايين الفلسطينيين، بعدما فقدت أسر مساكنها ومصادر دخلها وأصبحت تعتمد على المساعدات لتلبية جانب كبير من احتياجاتها.

 

وتحول النزوح المتكرر داخل مساحة جغرافية محدودة إلى أحد أبرز ملامح السنوات الماضية، حيث انتقلت عائلات بين مناطق القطاع بحثًا عن أماكن أقل تعرضًا للخطر، بينما تقلصت المساحات القادرة على استيعاب السكان.

 

وفي الوقت نفسه، جعل تعطيل عمليات الإعمار وإصابة البنية الأساسية حياة الفلسطينيين مرتبطة بأزمة ممتدة لا تنتهي بمجرد توقف الغارات، لأن إعادة بناء ما دمرته الحرب تحتاج إلى سنوات وموارد ضخمة.

 

وبذلك لم تعد المواجهة مرتبطة بمن يسيطر عسكريًا على منطقة أو شارع، وإنما بقدرة المجتمع الفلسطيني نفسه على الاستمرار والحفاظ على وجوده فوق أرض تعرضت لقدر هائل من الدمار.

 

 

البقاء يتحول إلى معركة

 

وأمام هذه الظروف، أصبح بقاء الفلسطينيين داخل غزة عنصرًا سياسيًا بحد ذاته، لأن مغادرة السكان بصورة جماعية كانت ستغير طبيعة القضية ومستقبل القطاع بصورة يصعب عكسها لاحقًا.

 

لكن ثلاث سنوات من الحرب لم تنتج ذلك المشهد، وظل مئات الآلاف ينتقلون داخل غزة بدل الخروج منها، رغم الخسائر وظروف النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية.

 

ومن هنا اكتسب التمسك بالأرض بعدًا يتجاوز الصمود الإنساني، إذ أصبح رفض الرحيل أحد أهم عناصر المواجهة مع أي تصور يقوم على إعادة تشكيل القطاع من خلال دفع سكانه إلى خارجه.

 

فالجيش يستطيع هدم المنازل وتدمير أحياء والسيطرة على مساحات من الأرض، لكنه لا يستطيع وحده صناعة قبول فلسطيني بالتخلي النهائي عن المكان.

 

ويكشف ذلك أحد حدود القوة العسكرية؛ إذ يمكنها فرض وقائع ميدانية وإحداث دمار واسع، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير ارتباط مجتمع كامل بأرضه أو إنهاء قضية سياسية ممتدة منذ عقود.

 

 

الحرب تضرب صورة إسرائيل عالميًا

 

ولم تبق تداعيات السنوات الثلاث محصورة داخل حدود غزة وإسرائيل، إذ انتقلت المعركة إلى الجامعات والشوارع والمحاكم والمنظمات الدولية، وأصبحت طريقة إدارة الحرب موضوعًا لنقاش عالمي واسع.

 

كما حولت مشاهد القتلى والجرحى والدمار والنزوح غزة إلى قضية حاضرة بصورة مستمرة في الرأي العام الدولي، ووسعت مساحة الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بشأن حجم القوة المستخدمة وتأثيرها في المدنيين.

 

ومع استمرار الحرب، أصبحت صورة إسرائيل نفسها جزءًا من كلفة المواجهة، لأن العمليات العسكرية لم تعد تُناقش فقط من زاوية أهدافها الأمنية، وإنما كذلك من زاوية آثارها الإنسانية والقانونية والسياسية.

 

كما اتسع الجدل بشأن مدى قدرة التفوق العسكري على توفير شرعية سياسية طويلة المدى، خصوصًا عندما تمتد الحرب لسنوات دون إنتاج تسوية تنهي أسباب الصراع أو تفتح مسارًا سياسيًا جديدًا.

 

وبذلك تحولت الرواية إلى ساحة معركة موازية، يحاول كل طرف من خلالها تثبيت تفسيره لما جرى وما إذا كانت السنوات الماضية تمثل انتصارًا عسكريًا أم أزمة طويلة لم تحقق نهايتها.

 

 

القوة العسكرية تصطدم بالسياسة

 

وتكشف السنوات الثلاث كذلك أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على صياغة مستقبل القطاع، لأن السؤال حول الجهة التي ستدير غزة بعد الحرب ظل واحدًا من أكبر الملفات تعقيدًا.

 

فإزالة قوة من المشهد تحتاج إلى بديل قادر على الإدارة وامتلاك الشرعية وقبول السكان، وهي معادلة لم تنتج الحرب حتى الآن حلًا مستقرًا لها.

 

كما أن استمرار العمليات دون تصور سياسي واضح يجعل كل تقدم عسكري قابلًا للتحول إلى واقع مؤقت، لأن الفراغ الناتج عن تدمير مؤسسات أو انسحاب قوات يحتاج في النهاية إلى جهة تديره.

 

ويعيد ذلك الصراع إلى نقطته الأساسية؛ فالقضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، وبالتالي لا يمكن إنهاؤها بمجرد عمليات عسكرية مهما اتسع نطاقها أو استمرت مدتها.

 

ومن هنا أصبح السؤال بعد ثلاث سنوات أقل ارتباطًا بقدرة إسرائيل على التدمير، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار، وهي نتيجة لا تزال بعيدة عن الوضوح.

 

 

ما بعد الحرب معركة أخرى

 

وحتى إذا توقفت العمليات العسكرية، فلن تعني تلك اللحظة نهاية الصراع، لأن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح معركة جديدة بشأن الإعمار والحكم والحدود والأمن وعودة النازحين ومستقبل المقاومة.

 

كما ستكون الذاكرة نفسها إحدى ساحات المواجهة، إذ سيحاول كل طرف تقديم روايته عن السنوات الثلاث وتحديد معنى ما جرى للأجيال المقبلة.

 

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، ستبقى الخسائر البشرية والدمار جزءًا لا يمكن فصله عن أي قراءة للحرب، بينما سيصبح الحفاظ على الهوية والأرض وإعادة بناء المجتمع تحديات لا تقل صعوبة عن سنوات القتال نفسها.

 

أما إسرائيل، فستواجه سؤالًا داخليًا طويلًا بشأن ما إذا كانت سنوات الحرب قد أنتجت أمنًا أكبر فعلًا، أم أنها فتحت مرحلة أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا من الصراع.

 

وبعد ثلاث سنوات على طوفان الأقصى، لا تبدو النهاية التي تصورها أي من أطراف الحرب مكتملة؛ غزة تعرضت لدمار هائل وخسائر لا يمكن اختزالها، لكنها لم تختف ولم يرحل سكانها جماعيًا ولم تُغلق قضية المقاومة.

 

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن التفوق العسكري يستطيع تغيير شكل الأرض وتدمير البنية المادية، لكنه لا يستطيع وحده حسم صراع سياسي وتاريخي؛ فبعد ثلاث سنوات من النار، بقي الفلسطيني فوق أرضه، وبقي السؤال عن مستقبل غزة مفتوحًا.