تتراجع أوراق القاهرة في القرن الأفريقي واحدة تلو الأخرى، بينما تتحول الأهداف الإثيوبية التي ظلت لسنوات موضع اعتراض مصري إلى وقائع على الأرض، من اكتمال سد النهضة إلى الاقتراب من منفذ تجاري على البحر عبر الأراضي الصومالية.
وتضع هذه التطورات السياسة المصرية أمام حصيلة ثقيلة، بعدما أخفقت سنوات التفاوض في إنتاج اتفاق قانوني ملزم بشأن السد، ثم انتهت المواجهة الإثيوبية الصومالية إلى مصالحة أعادت فتح الطريق أمام أديس أبابا نحو البحر.
السد اكتمل والاتفاق غائب
فقد تمسكت القاهرة طوال سنوات بالحصول على اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل سد النهضة ويضمن حقوق دول المصب، لكن إثيوبيا واصلت تنفيذ مشروعها حتى اكتمل السد وافتتح رسميًا في 9 سبتمبر 2025.
وفي المقابل، بقي الهدف المصري الأساسي بلا تحقق، إذ استمرت القاهرة حتى سبتمبر 2026 في إعلان رفض الإجراءات الإثيوبية الأحادية والتمسك بحقوقها المائية دون الوصول إلى الاتفاق الذي قدمته باعتباره مطلبًا لا غنى عنه.
وبالتالي، انتقلت إثيوبيا من التخطيط إلى البناء ثم الملء والتشغيل والافتتاح، بينما ظلت السياسة المصرية تدور حول البيانات والمفاوضات والاعتراضات التي لم تغير النتيجة النهائية على الأرض.
كما أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في اكتمال المشروع، وإنما في الفارق بين هدفين معلنين، إذ أرادت أديس أبابا إنشاء السد وتشغيله، بينما أرادت القاهرة إخضاعه لاتفاق ملزم، فتحقق الأول وبقي الثاني غائبًا.
ولذلك، يصبح تقييم السياسة الخارجية مرتبطًا بما أنجزته بالفعل، لا بعدد الاجتماعات أو قوة التصريحات، لأن الدول لا تُحاسب استراتيجيًا على النوايا وإنما على النتائج التي تمكنت من تثبيتها.
الصومال خرج من المواجهة
وفي مطلع 2024، بدت الأزمة بين الصومال وإثيوبيا فرصة أمام القاهرة لبناء ورقة ضغط جديدة، بعدما فجرت مذكرة التفاهم بين أديس أبابا وأرض الصومال مواجهة سياسية حادة بشأن الوصول الإثيوبي إلى البحر.
كما اقتربت مصر سريعًا من مقديشو، وأعلنت دعم وحدة الأراضي الصومالية وسيادتها، ثم وقعت معها بروتوكول تعاون عسكري في أغسطس 2024، ووسعت برامج التدريب والتسليح والتعاون الأمني.
وبدا التحرك حينها وكأنه يضع القاهرة داخل جبهة إقليمية تواجه التمدد الإثيوبي، غير أن هذه السياسة ارتبطت بخصومة قائمة بين دولتين أكثر مما ارتبطت ببناء مصالح دائمة تجعل النفوذ المصري عنصرًا يصعب تجاوزه.
لكن الصومال وإثيوبيا لم تستمرا في المواجهة، إذ اتجه الطرفان إلى المصالحة، بل شارك حسن شيخ محمود في افتتاح سد النهضة داخل إثيوبيا في سبتمبر 2025، في إشارة سياسية يصعب فصلها عن التحولات الإقليمية.
ومن ثم، انقلبت المعادلة التي راهنت القاهرة على استمرارها، لأن الدولة التي ظهرت قبل عامين باعتبارها جبهة محتملة لمواجهة إثيوبيا بدأت تعيد بناء علاقتها معها وفق حساباتها ومصالحها الخاصة.
أنقرة تعيد رسم المعادلة
وفي ديسمبر 2024، نجحت تركيا في جمع حسن شيخ محمود وآبي أحمد داخل أنقرة، وانتهى اللقاء بإعلان أكد احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه مع الاعتراف في الوقت نفسه بإمكانية استفادة إثيوبيا من الوصول إلى البحر.
كما اتفق الجانبان على العمل للوصول إلى ترتيبات تجارية تتيح لأديس أبابا منفذًا موثوقًا وآمنًا ومستدامًا إلى البحر تحت السيادة الصومالية، قبل انتقال الملف إلى مفاوضات فنية بدأت في فبراير 2025.
وبذلك، نقلت الوساطة التركية الأزمة من صدام سياسي حاد إلى مسار تفاوضي قائم على المصالح، بينما لم تتخل إثيوبيا عن هدفها، ولم تعد الصومال متمسكة بموقع المواجهة الذي بنت عليه القاهرة جانبًا من تحركها.
وفي أكتوبر 2026، أصبح التحول أكثر وضوحًا، بعدما أعلن حسن شيخ محمود أن العلاقات مع إثيوبيا جيدة وأن بلاده لا تعارض حصولها على منفذ تجاري بحري، مع استعداد مقديشو لإتاحة ميناءين أو ثلاثة للتجارة الإثيوبية.
ولذلك، لم تعد القضية اتهام الصومال بتغيير موقعه، لأن مقديشو تتحرك وفق مصالحها، وإنما السؤال عن سبب عجز القاهرة عن بناء شبكة مصالح تجعل استمرار التعاون معها أكثر فائدة من تجاوزها.
الدعم لم يتحول إلى نفوذ
وفي الواقع، لا يمثل دعم الصومال في ذاته خطأً، إذ يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من سياسة مصر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما أن العلاقات والتنسيق بين القاهرة ومقديشو لم ينقطعا.
لكن الأزمة تبدأ عند مقارنة حجم التحرك السياسي والعسكري بالعائد الذي تحقق، وهل أنتج هذا الدعم اقتصادًا صوماليًا مرتبطًا بمصر أو وجودًا استثماريًا وتجاريًا ومينائيًا يمنح القاهرة نفوذًا طويل الأجل.
كما يظل السؤال مطروحًا بشأن قدرة التعاون العسكري على إنتاج تأثير سياسي في القرارات الكبرى، أو تحويل الوجود المصري إلى ورقة تستطيع تغيير الحسابات الإثيوبية بشأن النيل أو البحر الأحمر.
غير أن الوقائع الواردة في المقال لا تظهر حتى الآن تحقق هذه النتائج، بينما اقتربت إثيوبيا من أهدافها دون أن تتمكن القاهرة من بناء شبكة مصالح تجعل تجاوز دورها أكثر كلفة.
ومن هنا، يبدو الفارق بين الوجود والنفوذ واضحًا، لأن النفوذ لا يُقاس بالمذكرات والزيارات والمساعدات، وإنما بمدى ارتباط مصالح الدولة الأخرى بك وقدرتك على التأثير في قراراتها عندما تتغير الظروف.
إثيوبيا تثبت أهدافها وتتحرك
وفي المقابل، حافظت أديس أبابا على استمرارية أهدافها الرئيسية المتعلقة بالمياه والوصول إلى البحر وتوسيع النفوذ الإقليمي، حتى مع تغيير الأدوات والتكتيكات المستخدمة للوصول إليها.
ففي ملف النيل، استمرت حتى تحول السد إلى واقع قائم، بينما انتقلت في ملف البحر من الصدام مع مقديشو إلى التفاوض والمصالحة دون التخلي عن هدف الوصول التجاري إلى الساحل.
كما تظهر هذه السياسة قدرة على تثبيت الهدف وتعديل الوسيلة، وهو ما منح إثيوبيا مساحة أكبر للمناورة مقارنة بسياسة مصرية بدت في كثير من المراحل وكأنها تنتقل من التعامل مع أزمة إلى أخرى.
ولذلك، تصبح المقارنة شديدة القسوة، فقد أرادت إثيوبيا السد فأكملته، وأرادت الوصول إلى البحر فتحركت نحوه، بينما لم تحقق القاهرة الاتفاق الملزم ولم تنجح تحركاتها في القرن الأفريقي في تغيير المسار الإثيوبي جذريًا.
وفي النهاية، لا تحتاج الخسارة الاستراتيجية إلى وثيقة استسلام، بل يكفي أن تحدد الدولة هدفًا ثم تعجز عن تحقيقه بينما ينجح الطرف المقابل في تثبيت هدفه أو الاقتراب منه.
كما أن الاعتراف بهذه النتيجة لا يعني انتهاء أوراق مصر أو إغلاق كل الخيارات، لكنه يفرض مراجعة السياسة التي جعلت القاهرة في مواقع عدة تتعامل مع نتائج صنعها الآخرون بدل أن تكون شريكًا أساسيًا في تشكيلها.
وتبقى الأسئلة معلقة حول أدوات مصر الاقتصادية في القرن الأفريقي، وحجم استثماراتها الاستراتيجية، وشبكة المصالح التي تجعل التحالف معها ضرورة، والخطة التي تربط أمن مياه النيل بأمن البحر الأحمر ضمن سياسة واحدة.
ومن سد النهضة إلى موانئ الصومال، لا تكمن الأزمة في أن إثيوبيا والصومال وتركيا تحركت كل منها وراء مصالحها، وإنما في أن السياسة المصرية مطالبة بتفسير ما الذي حققته بعد سنوات من التفاوض والتحالفات والتحركات الإقليمية.
وفي المحصلة، يصبح السؤال الأكثر قسوة ليس ماذا تخطط إثيوبيا بعد ذلك، بل لماذا استطاعت أديس أبابا تحويل جانب كبير من أهدافها إلى وقائع، بينما ظلت القاهرة تطارد خريطة إقليمية تتغير أمامها أسرع من قدرتها على التأثير فيها.

