حذرت أحزاب سياسية في جنوب ليبيا من ترتيبات انتخابية تخشى أن توسع نفوذ الاعتبارات القبلية والمناطقية على حساب التنافس الحزبي، مطالبة بضمان حضور القوى السياسية وقوائمها في الاستحقاقات المقبلة، بدل حصر المنافسة في الأفراد.


 
وصعّدت هذه القوى مطالبها خلال لقاءات مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه والسفير الفرنسي تييري فالا، معتبرة أن تهميش الأحزاب يهدد بإعادة إنتاج برلمان تحكمه الروابط المحلية والاجتماعية، ويضعف فرص التنافس على البرامج والمواقف الوطنية.


 
أحزاب الجنوب تواجه مخاوف التهميش


 
ففي لقاءات امتدت على مدار أسبوع، طرح ممثلو أحزاب مسجلة في الجنوب اعتراضاتهم على مسار سياسي وتشريعي يرون أنه يضيق مساحة التنظيمات السياسية، ويمنح الانتماءات الاجتماعية والمناطقية وزنًا أكبر في تشكيل المؤسسات المقبلة.


 
وأوضح القيادي بحزب «التنمية والسلم»، أحمد حسن، أن المشاركين نقلوا تحذيرًا من تجاهل الأحزاب ونظام القوائم الحزبية، مؤكدًا أن الاعتراض يعبر عن موقف مشترك بين القوى التي حضرت اللقاءات، وليس عن حزبه وحده.


 
كما ربط حسن توسيع المشاركة الحزبية بالقدرة على الحد من هيمنة الاعتبارات المحلية والقبلية، وفتح المجال أمام منافسة تتناول قضايا المواطنة والبرامج، بدل أن تصبح الروابط الاجتماعية العامل الأبرز في اختيار الممثلين.


 
وفي المقابل، تخشى هذه القوى أن يقود تراجع دور الأحزاب إلى تكريس منافسة تعتمد على قدرة الأفراد على تعبئة محيطهم الاجتماعي، بينما تتراجع فرص بناء تنظيمات سياسية تعرض مواقف معلنة وتتحمل مسؤوليتها أمام الناخبين.


 
وتزداد حساسية هذا الجدل في جنوب ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات القبلية والمناطقية مع التوازنات السياسية والأمنية، ما يجعل قواعد التمثيل مسألة مؤثرة في توزيع النفوذ، وليست مجرد تفاصيل إجرائية لتنظيم الاقتراع.


 
كذلك يكتسب موقف حسن دلالة إضافية مع انتمائه إلى قبيلة «أولاد سليمان»، إذ يطرح اعتراضًا على هيمنة الاعتبارات القبلية من داخل بيئة اجتماعية تقوم فيها هذه الروابط بدور بارز في الحياة العامة.


 
ومن ثم، فإن الاعتراض المعلن ينصب على جعل الانتماء الاجتماعي أساسًا لتوزيع السلطة، فيما تسعى الأحزاب إلى تثبيت منافسة سياسية تمنح الناخب فرصة المفاضلة بين برامج، وتتيح مساءلة أصحابها عن التزامات محددة.


 
ولهذا، يتجاوز الخلاف عدد المقاعد التي قد تحصل عليها التنظيمات السياسية، ليصل إلى طبيعة المؤسسة المنتخبة نفسها، وقدرتها على إنتاج كتل متماسكة تحمل مشروعات وطنية، بدل تجمعات يصعب تحديد التزاماتها المشتركة.


 
لقاءات دولية لنقل المطالب الحزبية


 
وفي 24 سبتمبر الماضي، التقت تيتيه ممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا، حيث أعرب المشاركون عن قلقهم من تقلص دور الأحزاب، وطالبوا البعثة الأممية بإثارة المسألة مع الأطراف المعنية.


 
وبعد أسبوع، عقد السفير الفرنسي لقاءً مع ممثلي الأحزاب المسجلة في الجنوب، ضمن حوار قالت السفارة إنه يشمل مختلف الأطراف الليبية، بما فيها منطقة فزان التي أشارت إلى علاقاتها التاريخية والودية مع فرنسا.


 
وخلال اللقاء، طلب ممثلو الأحزاب دعم مطالبهم في مداخلة فرنسا بجلسة مجلس الأمن المقبلة بشأن ليبيا، مع التركيز على ضمان المشاركة الحزبية وعدم قصر التنافس السياسي على المرشحين الأفراد، وفق تصريحات حسن.


 
وبذلك، تحاول هذه القوى نقل اعتراضاتها إلى الجهات الدولية المنخرطة في الملف الليبي، بعدما باتت ترى أن ضمان موقعها في الترتيبات المقبلة يحتاج إلى طرح مطالبها خارج دائرة النقاش المحلي أيضًا.


 
غير أن انعقاد اللقاءات لا يعني تبني الأمم المتحدة أو فرنسا للمطالب المطروحة، إذ لا تتضمن المعلومات المقدمة تعهدًا بتعديل القواعد الانتخابية أو التزامًا بدعم نسبة محددة لتمثيل الأحزاب داخل المؤسسات المقبلة.


 
وعليه، تبقى قيمة التحرك مرتبطة بما سيترتب عليه من نقاشات ومواقف عملية، خصوصًا أن مخاوف الأحزاب تتصل بالترتيبات المنظمة للمنافسة، وليس فقط بإتاحة مساحة للاستماع إلى اعتراضاتها خلال الاجتماعات واللقاءات الدبلوماسية.


 
وفي الوقت نفسه، يضع هذا المسار الأطراف الليبية المعنية أمام سؤال التمثيل السياسي، ومدى استعدادها للاستجابة إلى مطالب القوى الحزبية التي تحذر من إضعافها في القواعد المنظمة للانتخابات، ثم مطالبتها بإثبات حضورها.


 
خلاف انتخابي يفتح معركة التمثيل


 
أما خلفية الاعتراضات، فتعود إلى اتفاق لجنة «4+4» الموقع نهاية أغسطس الماضي، والذي ترى أحزاب أنه يعيد العمل بإطار انتخابي جرت على أساسه انتخابات مجلس النواب الحالي، ويعتمد بصورة أساسية على انتخاب الأفراد.


 
وبالمقارنة، تقول هذه القوى إن قانون الانتخابات المعدل في 2023، والمعد ضمن مخرجات لجنة «6+6» المشتركة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، كان يتيح للأحزاب مساحة أوسع للمشاركة في العملية الانتخابية المقبلة.

 

لكن جوهر الخلاف، كما تطرحه القيادات الحزبية، يتجاوز طريقة ترشيح المتنافسين إلى قدرة البرلمان المقبل على تشكيل كتل سياسية متماسكة، يمكن التعرف على برامجها ومواقفها ومحاسبتها، بدل تغليب الحسابات المحلية والاجتماعية.


 
وفي هذا السياق، قال حسن إن ممثلي الأحزاب سبق أن التقوا أعضاء بلجنة «4+4»، وسمعوا منهم طرحًا يعتبر الأحزاب الليبية ضعيفة، وهو تبرير يراه مثيرًا للتساؤل عن كيفية تقوية الأحزاب مع تقليص مشاركتها.


 
إذ يضع هذا الطرح المسار السياسي أمام تناقض يحتاج إلى إجابة، فالحكم على ضعف التنظيمات لا يوضح كيف ستكتسب الخبرة والحضور إذا ضاقت أمامها فرص المنافسة بقوائمها وبرامجها والعمل داخل المؤسسات المنتخبة.


 
ولذلك، سبق أن طالبت أحزاب بضمان تمثيل حزبي لا يقل عن 80% من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، في مطلب يعكس رغبتها في جعل التنظيمات السياسية المكون الغالب داخل المؤسستين التشريعيتين المقترحتين.


 
وبالتوازي، لوحت هذه القوى باللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في أي تشريع أو ترتيب انتخابي يحرمها من المشاركة عبر قوائمها ومؤسساتها وبرامجها المعتمدة، بما يفتح احتمال انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة قضائية.


 
وأخيرًا، تطرح اعتراضات أحزاب الجنوب اختبارًا لطبيعة المرحلة المقبلة، بين قواعد توسع التنافس البرامجي وقواعد تخشى هذه القوى أن تعيد توزيع النفوذ اجتماعيًا ومناطقيًا، بينما تبقى استجابة الأطراف المعنية لمطالبها غير محسومة.