حسم حزب العدالة والتنمية المغربي موقعه خارج الحكومة الجديدة، معلنًا تمسكه بالمشاركة البرلمانية لدعم الشعب المغربي وكمراقبين على أداء الحكومة وليس جزءا منها بعد نتائج انتخابات سبتمبر، في خطوة تفصل بين حضوره الانتخابي المتجدد وبين أي مشاركة مباشرة في الائتلاف الحكومي المقبل.
ويضع قرار الحزب، الذي أقره مجلسه الوطني بإجماع الحاضرين، حدًا للتكهنات بشأن دخوله مشاورات توزيع الحقائب، بينما يؤكد عبد الإله بن كيران أن التواصل السياسي وتعلية مصلحة المغرب لا يعني التفاوض على موقع داخل الحكومة.
مراقبة الحكومة ومحاسبتها خيار سياسي محسوم
وفي 26 سبتمبر، أعلن المجلس الوطني للحزب اختياره الاصطفاف في مصلحة الوطن بالدورة البرلمانية، مستندًا إلى صلاحياته التنظيمية الداخلية، ومحددًا دوره المقبل في الرقابة والترافع عن القضايا التي تخدم المجتمع داخل مجلس النواب.
كما دخل العدالة والتنمية مرحلة تشكيل الحكومة بموقف معلن مسبقًا، إذ قال بن كيران إن الحزب غير معني بالمشاركة، وإن قراره السياسي يتعلق بالبقاء في المعارضة دون قطع قنوات التواصل المؤسساتي.
ومن جانبه، قدم بن كيران الخيار باعتباره بداية لعمل برلماني وصفه بأنه سيكون قويًا ومعقولًا وغير شعبوي، مؤكدًا أن موقف الحزب من الحكومة الجديدة سيُبنى على ما ستقدمه من سياسات ونتائج.
ولهذا يفصل موقف الحزب بين الحوار السياسي وبين الدخول في الائتلاف، وهي صيغة تمنحه موقعًا واضحًا منذ البداية بدل إبقاء احتمالات المشاركة مفتوحة خلال المفاوضات الجارية لتشكيل الأغلبية الجديدة.
وفي الوقت نفسه، يضع هذا القرار الحزب أمام مسؤولية مختلفة، لأن البقاء خارج الحكومة يعني أن أداءه سيُقاس بفاعلية أدواته البرلمانية وقدرته على طرح بدائل ومساءلة القرارات والسياسات.
كما يمنح الحسم المبكر الناخبين صورة واضحة عن موقع العدالة والتنمية داخل الخريطة الجديدة، بدل انتقاله بين احتمالات المشاركة والمعارضة وفق نتائج المفاوضات أو توزيع الحقائب الوزارية.
ومن جهة أخرى، يحمل اختيار المعارضة تحديًا سياسيًا للحزب نفسه، إذ لن يكون كافيًا الاعتراض على قرارات الأغلبية، بل سيصبح مطالبًا بتقديم تصورات اقتصادية واجتماعية وتشريعية قابلة للنقاش داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، أكد المجلس الوطني أن موقع المعارضة سيُستخدم لممارسة الأدوار الدستورية والسياسية والترافع عن مطالب المواطنين، وهو التزام ستظهر قيمته العملية مع انطلاق الولاية البرلمانية ومناقشة البرنامج الحكومي.
عودة انتخابية تعيد ترتيب المشهد
وفي انتخابات 23 سبتمبر، حصل العدالة والتنمية على 54 مقعدًا، ليحل رابعًا بعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وفق النتائج النهائية الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية المغربية.
كما مثلت النتيجة عودة انتخابية كبيرة مقارنة بانتخابات 2021، بعدما ارتفع تمثيل الحزب من 13 مقعدًا إلى 54 مقعدًا، بزيادة 41 مقعدًا خلال دورة انتخابية واحدة.
وبينما تصدر الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعدًا، جاء التجمع الوطني للأحرار ثانيًا بـ66 مقعدًا والاستقلال ثالثًا بـ65، ما جعل تشكيل الأغلبية بحاجة إلى تحالف بين أكثر من قوة حزبية.
ومن زاوية التوازن البرلماني، تمنح المقاعد الـ54 العدالة والتنمية كتلة أوسع بكثير من ولايته السابقة، وهو ما يزيد مساحة حضوره في الأسئلة واللجان ومناقشة التشريعات والسياسات الحكومية خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، لا تعني هذه الزيادة امتلاك الحزب قدرة منفردة على تعطيل قرارات الأغلبية، لأن حجم تأثير المعارضة سيظل مرتبطًا كذلك بشكل التحالف الحكومي وبمدى التنسيق بينها داخل البرلمان.
كما ستتحدد قوة الحزب من خلال قدرته على تحويل الزيادة الانتخابية إلى نشاط تشريعي ورقابي منتظم، بدل الاكتفاء باعتبار النتائج استعادة لمكانته بعد التراجع الحاد الذي سجله في انتخابات 2021.
ومن ناحية أخرى، ستراقب الساحة المغربية علاقته ببقية قوى المعارضة، لأن اختلاف توجهاتها قد يحد من التنسيق بينها، بينما يمكن للاتفاق حول ملفات محددة أن يمنح تحركاتها البرلمانية وزنًا أكبر.
وفي الجهة المقابلة، تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة تشكيل الحكومة بعد تعيينها في 29 سبتمبر، إثر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدًا من أصل 395 مقعدًا.
وبذلك يدخل العدالة والتنمية المرحلة الجديدة من موقع مختلف جذريًا عن الولاية السابقة، مستندًا إلى زيادة واضحة في التمثيل النيابي، مع بقائه خارج مسار التفاوض على الحقائب والمشاركة في الأغلبية.
خلاف المكان وحدود المشاورات
وفي الأيام التالية للتعيين، انتقل الجدل إلى مكان لقاء محتمل بين المنصوري وبن كيران، بعدما أبدى الأخير ترحيبه بالتواصل لكنه رفض التوجه إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة في الرباط.
كما أوضح بن كيران أن المبادرة إلى اللقاء جاءت من المنصوري، ولذلك أبدى استعداده لاستقبالها، مؤكدًا أن قيادة العدالة والتنمية لن تتوجه إلى مقر الأصالة والمعاصرة وفق الصيغة المقترحة.
ومن جانبه، شدد بن كيران على أن الخلاف بين الطرفين سياسي وليس عداوة شخصية، وأن موقفه من مكان الاجتماع لا يعني رفض التواصل مع المكلفة بتشكيل الحكومة.
وفي المقابل، قالت المنصوري إن مشاوراتها تشمل الأحزاب الممثلة في البرلمان، وإن لكل حزب حرية قبول اللقاء ومكان انعقاده، مع تأكيدها أن الحوار يظل عنصرًا أساسيًا في العمل السياسي.
وبذلك أخذ مكان الاجتماع رمزية سياسية تتجاوز التفاصيل التنظيمية، خصوصًا أن العدالة والتنمية حسم مسبقًا عدم المشاركة، بينما كانت اللقاءات الجارية مرتبطة أساسًا بمشاورات تشكيل الحكومة والاتصالات بين القوى البرلمانية.
لكن من زاوية أخرى، يظل الخلاف على المقر منفصلًا عن القرار الأهم، وهو أن العدالة والتنمية لن يدخل الحكومة، بعدما حسم مجلسه الوطني هذا الاختيار قبل اكتمال مشاورات تشكيل الأغلبية.
وفي تجربته السابقة، استعاد بن كيران ما فعله عقب انتخابات 2011، عندما أجرى لقاءات مع شخصيات تولت مسؤوليات حكومية وقيادات حزبية، مستدلًا بذلك على أهمية التواصل رغم الاختلافات السياسية.
ومن هذا المنطلق، يقدم بن كيران موقفه الحالي باعتباره فصلًا بين التواصل وبين المشاركة، فلا يرفض الحوار مع المنصوري، لكنه يؤكد أن موقع الحزب في المعارضة نهائي وغير مطروح لإعادة التفاوض.
كما ستتحدد دلالة هذا الخيار عندما تبدأ مناقشة البرنامج الحكومي والموازنة والتشريعات، وتظهر قدرة كتلة العدالة والتنمية على تحويل مقاعدها إلى مساءلة منتظمة ومقترحات واضحة داخل المؤسسة التشريعية.
وفي المقابل، ستتحمل الأغلبية المقبلة مسؤولية تنفيذ برنامجها أمام البرلمان، بينما سيقع على المعارضة اختبار تقديم رقابة وبدائل سياسية دون تحويل المنافسة الحزبية إلى قطيعة تعطل الحوار المؤسساتي.
ولهذا تدخل السياسة المغربية مرحلة أكثر وضوحًا بين أغلبية يجري تشكيلها ومعارضة أعلن العدالة والتنمية اختياره الانضمام إليها، فيما سيظل تقييم الطرفين مرتبطًا بما يقدمانه فعليًا خلال الولاية البرلمانية الجديدة.

