يصطدم مسار التسوية الليبية مجددًا بجدار الخلاف المؤسسي، بعدما تحولت التفاهمات التي خرج بها اجتماع «4+4» في 30 أغسطس من بوابة لفتح الطريق الانتخابي إلى مادة جديدة للصراع بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وتتسع فجوة الخلاف مع انتقال النزاع من تفسير الاتفاق إلى شرعية تنفيذه، بعدما أقر مجلس النواب تعديلات انتخابية وقرارات مؤسسية، بينما اعتبر المجلس الأعلى للدولة أن المسار يحتاج توافقًا قانونيًا ودستوريًا بين المؤسستين.
اتفاق أغسطس يصطدم بخلاف الشرعية
وفي 30 أغسطس، وقّع أعضاء الاجتماع المصغر اتفاقًا برعاية أممية تناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة نقاط عالقة في الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات الوطنية.
كما نص الاتفاق على العمل نحو انتخابات متزامنة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا، في ظل سلطة تنفيذية واحدة، بما يربط موعد الاقتراع مسبقًا بإنهاء الانقسام التنفيذي والمؤسسي القائم.
لكن مجلس النواب تحرك لاحقًا لتحويل التفاهم إلى تشريعات وقرارات نافذة، فأصدر في أواخر سبتمبر حزمة شملت إعادة تشكيل مجلس المفوضية وتعديلات على قواعد انتخابات الرئاسة والبرلمان.
وفي المقابل، رفض المجلس الأعلى للدولة تلك الخطوات، مؤكدًا أن الاتفاق السياسي لا يكتسب صفة الإلزام الكامل قبل استكمال مساره المؤسسي والقانوني عبر الآليات المشتركة المتفق عليها.
ومن هنا، عاد الخلاف القديم حول الجهة المخولة بصياغة القواعد الانتخابية، إذ يتمسك مجلس الدولة بالتعديل الدستوري الثالث عشر ومسار لجنة «6+6» باعتبارهما أساسًا لأي تعديل جوهري.
بينما يستند مجلس النواب إلى صلاحياته التشريعية وإلى اتفاق 30 أغسطس الذي أيده لاحقًا، ويرى أن القرارات الأخيرة تستهدف تحويل التفاهمات السياسية إلى قواعد عملية قابلة للتنفيذ.
القوانين الانتخابية تشعل صراع الصلاحيات
وفي 28 سبتمبر، صدر القانون رقم 4 لسنة 2026 لتعديل قواعد انتخاب رأس الدولة، متضمنًا إجراء انتخابات الرئاسة والبرلمان بصورة متزامنة خلال 24 شهرًا من تشكيل سلطة تنفيذية واحدة.
كما أبقى القانون الباب مفتوحًا أمام ترشح مزدوجي الجنسية، بشرط التخلي عن الجنسية الأخرى بعد الفوز وقبل أداء اليمين، وأتاح للعسكريين الترشح مع اشتراط الاستقالة قبل تولي المنصب.
وفي المقابل، وصف المجلس الأعلى للدولة القانون بأنه مخالف للإطار الدستوري، معتبرًا أن تعديل شروط الترشح والتوقيتات والقواعد الجوهرية لا ينبغي أن يتم بإجراء منفرد من مجلس النواب.
ومن جهة أخرى، أصدر مجلس النواب القانون رقم 3 لسنة 2026، الذي جمّد قانون انتخاب مجلس الأمة الصادر في 2023، وأعاد العمل بقانون انتخاب مجلس النواب لسنة 2014.
كما أصدر المجلس قانونًا آخر لتعديل بعض أحكام إنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب قرار بإعادة تشكيل مجلسها وتسمية رئيس وستة أعضاء جدد لتولي إدارة الاستحقاقات المقبلة.
وبذلك، تحولت المفوضية نفسها من أداة يفترض أن تدير الانتخابات إلى محور نزاع إضافي، بعدما ربط مجلس الدولة قبول التشكيل الجديد باستكمال الإجراءات التوافقية بين المؤسستين.
وفي الوقت ذاته، ترى البعثة الأممية أن إعادة تشكيل المفوضية وتسوية الإطار الانتخابي يمثلان أول خطوتين ضروريتين في خارطة الطريق، ودعت بقية الأطراف الليبية إلى دعم الاتفاق وتنفيذه.
لكن الترحيب الدولي لم يمنع تصاعد الاعتراض الداخلي، إذ أكد مجلس الدولة أن الدعم الخارجي لا يحل محل الإجراءات الدستورية المحلية، ولا يمنح أي طرف حق تجاوز المسارات التشاركية.
ومن ناحية ثانية، أعاد الخلاف حول العسكريين ومزدوجي الجنسية إحياء إحدى أكثر القضايا حساسية منذ تعثر انتخابات 2021، بعدما ظلت شروط الترشح سببًا متكررًا للاشتباك القانوني والسياسي.
كما أن السماح للعسكري الفائز بالاستقالة بعد إعلان النتيجة، بدلًا من اشتراط مغادرة المؤسسة العسكرية قبل الترشح، يظل نقطة خلاف قانونية وسياسية مع اعتراض مجلس الدولة على تعديل شروط المنافسة منفردًا.
الانتخابات رهينة توحيد المؤسسات
وبالتوازي، يزيد ربط الانتخابات بسلطة تنفيذية واحدة من تعقيد المشهد، لأن ليبيا ما تزال تعاني انقسام المؤسسات ومراكز النفوذ، وهو واقع يجعل توحيد الجهة المشرفة على الاقتراع شرطًا أساسيًا.
وفي الجانب الأمني، تبقى هشاشة الترتيبات الميدانية عاملًا لا يقل خطورة عن الخلاف القانوني، خصوصًا مع استمرار الحاجة إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وضمان ترتيبات مستقرة لحماية الانتخابات.
كما أن أي انتخابات بلا ضمانات أمنية متفق عليها قد تنقل الصراع من مرحلة التشريع إلى مرحلة الاعتراض على النتائج، وهي مخاوف تناولتها توصيات الحوار الأمني بشأن نزاهة الاقتراع وقبول مخرجاته.
وفي هذا السياق، شددت الأمم المتحدة على أن الانتخابات تحتاج مؤسسات موحدة وقواعد مقبولة على نطاق واسع، وهو ما يجعل نجاح اتفاق أغسطس مرتبطًا بقدرته على اجتياز اختبار القبول الداخلي.
لكن اجتماع المتابعة الذي عقد في تونس يوم 20 سبتمبر أظهر استمرار الرهان الأممي على الاتفاق، إذ جدد أعضاؤه التزامهم بالتنفيذ واتفقوا على توسيع الاتصالات مع الأطراف المحلية لكسب دعم أكبر.
وفي المقابل، جاء رفض مجلس الدولة في 29 سبتمبر للإجراءات التي اتخذها مجلس النواب ليؤكد أن مساحة التوافق تقلصت سريعًا، وأن النزاع انتقل من الملاحظات السياسية إلى مواجهة قانونية صريحة.
ومن هنا، تبرز مخاطر الطعون القضائية إذا مضت المؤسسات في مسارات متوازية، لأن أي اقتراع يستند إلى قواعد مختلف على شرعيتها قد يواجه أزمة اعتراف حتى قبل فتح صناديق التصويت.
وفي المحصلة، لا يبدو أن المشكلة الليبية تتركز في غياب خرائط الطريق، بل في عجز المؤسسات المتنافسة عن تحويلها إلى قواعد مشتركة تحظى بقبول كافٍ سياسيًا وقانونيًا وأمنيًا.
ولذلك، يظل اتفاق «4+4» معلقًا بين دعم دولي واضح واعتراضات محلية مؤثرة، بينما يتوقف تقدمه على قدرة مجلسي النواب والدولة على منع الخلاف حول الشرعية من إطاحة المسار الانتخابي.
وفي النهاية، تعود الأزمة إلى عقدتها الأساسية المتمثلة في توحيد المؤسسات قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، لأن انتخابات تُجرى فوق انقسام تشريعي وتنفيذي وأمني قد تنتج نزاعًا جديدًا بدل إنهائه.

