فتحت الهجمات المتزامنة التي شنتها قوات الحوثي صباح الخميس على جبهات متعددة في تعز مرحلة أكثر خطورة من التصعيد، بعدما امتدت المواجهات من أطراف المدينة إلى محاور جنوبية وغربية وشرقية واسعة.
وتدفع شدة القتال وتزامنه مع غارات جوية وتحركات إقليمية جديدة إلى التساؤل عن اتجاه الحرب، بينما تتسع كلفة النزوح وتتزايد المخاوف من تحول جبهات تعز وباب المندب إلى مركز مواجهة أطول.
هجوم واسع يضغط جبهات تعز
وفي الميدان، أفادت مصادر محلية بأن الحوثيين شنوا هجمات متتابعة على الجبهات الشرقية والشمالية والغربية لمدينة تعز، وامتدت الاشتباكات إلى الكدحة وسامع وحيفان والأثاور ومناطق أخرى في الريف.
وبحسب القوات الحكومية، استمرت المواجهات على أكثر من محور مع محاولات لمنع تقدم الحوثيين، بينما لم تتوافر حصيلة مستقلة وموثقة للخسائر البشرية للطرفين مع استمرار القتال وتغير خطوط الاشتباك ميدانيًا.
وفي المقابل، شنت طائرات حربية ست غارات على مواقع حوثية في مديرية حيفان جنوبي تعز، واستهدفت مواقع في الأكبوش وتبة السنترال والجبل المطل على الخزجة وجبل قمل، وفق المعلومات الميدانية المتاحة.
كما شهدت جبهة الكدحة ومحيطها خلال سبتمبر مواجهات وُصفت بأنها من الأعنف منذ سنوات، مع امتداد القتال إلى مناطق مقبنة وجبل حبشي، بما يؤكد أن التصعيد الحالي ليس حادثًا معزولًا.
ومن ناحية أخرى، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 468 عملية استهداف ضد عناصر وعتاد حوثي في الجبهة الشرقية والبيضاء وجبهة المنصورة بالوازعية، وقالت إن العمليات أدت إلى خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات.
وفي الوقت نفسه، قال المتحدث العسكري إن قواته استهدفت مخازن أسلحة شرقي صعدة تضم ذخائر وصواريخ حرارية مضادة للدبابات وقذائف مدفعية، ضمن سلسلة عمليات قال إنها اعتمدت على الرصد والمتابعة الدقيقة.
وفوق ذلك، جاء التصعيد بعد أسابيع من تحولات ميدانية واسعة على الساحل الغربي وباب المندب، ما جعل تعز حلقة مركزية بين خطوط القتال الداخلية والممر البحري الذي يكتسب أهمية إقليمية ودولية كبيرة.
وبالتالي، فإن استمرار الهجمات على هذا النطاق يرفع احتمالات اتساع العمليات إلى مناطق جديدة، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج اقتراب حسم عسكري، خصوصًا مع تعدد القوى المحلية وتداخل الحسابات الإقليمية.
ومع استمرار تبادل الهجمات، تبقى صورة السيطرة الميدانية سريعة التغير، لذلك تظل البيانات الصادرة من أطراف القتال بحاجة إلى التحقق المستقل، خصوصًا ما يتعلق بالخسائر البشرية وحجم المواقع التي انتقلت السيطرة عليها.
تنسيق الرياض وأبوظبي تحت الاختبار
وفي البعد الإقليمي، جاءت زيارة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض يوم 29 سبتمبر، وليس الخميس، تلبية لدعوة من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وسط تصاعد القتال اليمني.
وخلال اللقاءات، تناول الجانبان العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك، إضافة إلى تطورات الأوضاع الإقليمية، من دون إعلان رسمي عن اتفاق خاص باليمن أو خطة عمليات عسكرية مشتركة بين البلدين.
وفي المقابل، يمنح توقيت الزيارة الملف اليمني وزنًا واضحًا في قراءة المشهد، خصوصًا بعد سنوات من التباين بين الرياض وأبوظبي بشأن القوى المحلية وترتيبات الجنوب وشكل الدولة ومسارات إدارة الصراع.
كما تشير تحليلات حديثة إلى أن الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن خرجت خلال 2026 إلى مستوى أكثر وضوحًا، بعدما دعمت الدولتان قوى محلية مختلفة وتباينت رؤيتهما للترتيبات السياسية والعسكرية في الجنوب.
ومن جهة أخرى، أعاد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي والتهديدات المحيطة بباب المندب طرح الحاجة إلى تنسيق أوسع بين القوى المناهضة لهم، وسط ضغوط لمنع الانقسامات المحلية من إضعاف خطوط المواجهة.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تسمح باعتبار زيارة منصور بن زايد إعلانًا لعودة إماراتية مباشرة إلى الحرب، كما لا يوجد بيان معلن يتحدث عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة جديدة.
وبناء على ذلك، يبقى الأثر الحقيقي للزيارة مرتبطًا بما إذا كانت ستنتج ترتيبات قابلة للقياس على الأرض، مثل تنسيق عسكري أو تفاهم بين القوى اليمنية المدعومة من الرياض وأبوظبي.
وفي الوقت نفسه، فإن أي تفاهم إقليمي لا يدمج الفاعلين اليمنيين في مسار سياسي وعسكري منظم قد يخفف التنافس بين الحلفاء، لكنه لن يعالج وحده جذور النزاع أو الانقسامات المؤسسية المتراكمة.
المدنيون يدفعون كلفة التصعيد
وفي الجانب الإنساني، أدى تصاعد القتال منذ بداية سبتمبر إلى موجة نزوح كبيرة داخل اليمن، إذ تجاوز عدد النازحين 130 ألف شخص خلال أسابيع قليلة وفق تقديرات أممية صدرت في سبتمبر.
وبعد ذلك، أشارت تقديرات أحدث إلى تجاوز عدد النازحين 145 ألفًا مع استمرار المعارك، بينما فر آلاف آخرون عبر البحر الأحمر، في مؤشر واضح على اتساع نطاق الأزمة الإنسانية.
كما تستضيف محافظة تعز جزءًا كبيرًا من النازحين، وهو ما يضاعف الضغط على المناطق التي تستقبل الأسر الفارة، خصوصًا مع تراجع الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول المنتظم إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
ومن ناحية أخرى، يهدد استمرار القتال حول الطرق الحيوية بزيادة عزلة بعض المناطق، خاصة مع تقارير عن تفجير أجزاء من طريق يربط تعز بعدن، ما دفع مسافرين إلى استخدام مسارات بديلة.
وفوق ذلك، يضيف التصعيد الجديد أعباء إلى بلد يعاني أصلًا من سنوات الحرب وتراجع الاقتصاد وضعف المؤسسات، ما يجعل أي موجة نزوح إضافية أكثر صعوبة على المجتمعات المضيفة والمنظمات الإنسانية.
وفي المقابل، يظل حماية المدنيين والمنشآت المدنية التزامًا على جميع الأطراف، ولا تمنح شدة المعارك أي طرف مبررًا لاستهداف السكان أو تعطيل طرق الإغاثة أو تعريض البنية الأساسية لأضرار غير متناسبة.
ومن ثم، فإن مستقبل الجولة الحالية لن يُقاس فقط بعدد المواقع التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، بل أيضًا بقدرة الأطراف على منع توسع الكارثة الإنسانية وفتح مسارات آمنة للمساعدات.
وفي النهاية، يعيد تصعيد تعز واليمن عمومًا حقيقة أن الحسم العسكري ظل بعيدًا رغم سنوات الحرب، بينما تبقى التسوية السياسية والمؤسسات الموحدة الطريق الأكثر قدرة على تقليص الخسائر ومنع تجدد الصراع.

