ضرب هجوم مسلح جديد محافظة حمص بعدما استهدف مجهولون حافلة مدنية تقل موظفين وعمالًا في شركة كهرباء، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين في واقعة أعادت ملف الأمن الداخلي إلى الواجهة.

 

وتضع الحادثة السلطات السورية أمام اختبار جديد، خصوصًا أنها جاءت بالتزامن مع انفجارات استهدفت بنية الطاقة، وبعد سلسلة تفجيرات طالت حافلات ومواقع مدنية وأمنية خلال الشهور الماضية في دمشق وريفها.

 

 

هجوم حمص يفتح ملف الأمن

 

وفي التفاصيل، تعرضت الحافلة لإطلاق نار على جسر مصياف في ريف حمص الغربي، بينما كانت تقل موظفين عائدين من عملهم، قبل أن تتدخل فرق الإسعاف وتنقل المصابين والضحايا إلى مستشفيات المحافظة.

 

وبحسب المعلومات الأولية، كان بين ركاب الحافلة مهندسون وعمال يعملون في شركة كهرباء خاصة، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تحدد السلطات حتى الآن دوافع المنفذين أو هوياتهم.

 

وفي المقابل، باشرت قوى الأمن الداخلي تطويق موقع الهجوم وفتح تحقيق جنائي لتحديد المتورطين، بينما بقيت المعلومات المتاحة محدودة بشأن مسار الملاحقة أو وجود مشتبه بهم مرتبطين بالهجوم حتى الساعات الأولى التالية للحادث.

 

ومن ناحية أخرى، تكتسب الواقعة خطورتها من استهداف حافلة مدنية لموظفين، وهو نمط يوسع دائرة القلق من الهجمات التي لا تقتصر على منشآت رسمية أو نقاط أمنية، بل تمتد إلى طرق التنقل اليومية.

 

كما أن اختيار طريق حيوي في ريف حمص لتنفيذ الهجوم يضيف عبئًا أمنيًا جديدًا على منطقة تتقاطع فيها طرق تربط وسط البلاد بالساحل وريف حماة، ما يزيد حساسية أي اختراق أمني هناك.

 

وفوق ذلك، يأتي الهجوم في توقيت تسعى فيه السلطات إلى تثبيت صورة الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، بينما تظل الهجمات المتفرقة قادرة على إعادة المخاوف بسرعة إلى المدن والطرق الرئيسية.

 

وفي السياق نفسه، لا تسمح المعطيات المتاحة حتى الآن بإسناد الهجوم إلى تنظيم بعينه، وهو ما يجعل أي ربط مباشر بجهة محددة سابقًا لأوانه إلى حين ظهور نتائج التحقيقات أو إعلان رسمي موثق.

 

وبالتالي، يبقى البعد الأخطر في الواقعة هو قدرة المهاجمين على الوصول إلى حافلة موظفين وتنفيذ إطلاق نار قاتل ثم الانسحاب، بما يطرح أسئلة عملية حول تأمين الطرق وجمع المعلومات وتحرك الدوريات.

 

 

تفجيرات الطاقة تضاعف الضغوط الأمنية

 

وقبيل هجوم حمص، وقع انفجار في خط غاز قرب إحدى محطات توليد الكهرباء المهمة في ريف دمشق، وأدى الحادث إلى حريق واسع وخروج ثلاث محطات كهرباء من الخدمة وفق المعلومات الرسمية المتاحة.

 

وكان ذلك بعد يومين من انفجار آخر بخط غاز في شرق سوريا، قالت السلطات إنه نجم عن عمل تخريبي، ما أدى إلى توقف تدفق الغاز من منشأة الجبسة باتجاه محطات توليد الكهرباء.

 

وفي ضوء ذلك، يضيف تزامن استهداف البنية التحتية للطاقة مع الهجوم على عمال الكهرباء مستوى آخر من التعقيد، من دون وجود دليل معلن حتى الآن يثبت ارتباط الحوادث بعضها ببعض.

 

ومن جهة أخرى، تمثل خطوط الغاز ومحطات الكهرباء أهدافًا شديدة الحساسية في بلد ما زالت بنيته التحتية تعاني آثار الحرب الطويلة، ولذلك يحمل أي تعطيل جديد آثارًا تتجاوز الجانب الأمني إلى الخدمات اليومية.

 

كما أن توقف إمدادات الغاز عن محطات التوليد يمكن أن يفاقم أزمة الكهرباء ويزيد فترات الانقطاع، في وقت تحتاج فيه شبكات الطاقة إلى استثمارات وإصلاحات واسعة لاستعادة جزء من قدرتها التشغيلية السابقة.

 

وفي المقابل، يجعل تكرار الاعتداءات على منشآت الطاقة من حماية البنية التحتية مهمة أمنية واقتصادية في آن واحد، لأن أي خلل ممتد ينعكس مباشرة على الصناعة والنقل والمستشفيات والخدمات الأساسية.

 

ومن ثم، فإن التحقيق في انفجارات خطوط الغاز لا يقل أهمية عن التحقيق في هجوم الحافلة، لأن الفاصل الزمني القصير بين الحوادث يفرض تدقيقًا في احتمالات التنسيق أو الاستغلال المتزامن للثغرات الأمنية.

 

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات موثقة تسمح بالقول إن هجوم حمص وانفجارات خطوط الغاز نفذتها جهة واحدة، ولذلك يبقى الربط بينها احتمالًا يحتاج إلى أدلة وليس استنتاجًا نهائيًا.

 

 

سلسلة هجمات تثير قلقًا متزايدًا

 

وفي أغسطس الماضي، أصيب عدد من عناصر قوى الأمن الداخلي بانفجار عبوة استهدفت حافلة كانت تقلهم على طريق معرونة التل في ريف دمشق، بينما فتحت الجهات المختصة تحقيقًا لتحديد المنفذين.

 

وقبل ذلك بأسابيع، شهدت مدينة جرمانا انفجار عبوة داخل حافلة لنقل الركاب، وأسفر الهجوم عن إصابة أربعة عشر شخصًا، بينهم حالات احتاجت إلى تدخلات جراحية، من دون تسجيل وفيات وفق الحصيلة النهائية.

 

وفي يوليو، هز انفجاران وسط دمشق قرب فندق كان يقيم فيه إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى سوريا، وأوقعت التفجيرات إصابات ودفعت قوات الأمن إلى إغلاق طرق ورفع مستوى الإجراءات الأمنية.

وبحسب ما أعلنته السلطات لاحقًا، نسبت التحقيقات مسؤولية التفجيرين إلى خلية مرتبطة بتنظيم داعش، بينما شكلت الواقعة مؤشرًا على استمرار قدرة مجموعات مسلحة على تنفيذ هجمات داخل مناطق شديدة الحساسية.

 

وفي موازاة ذلك، تواجه الأجهزة الأمنية تحديًا مركبًا يجمع بين تعقب الخلايا المسلحة، وتأمين المنشآت الحيوية، ومراقبة الطرق، ومنع انتقال العنف إلى مناطق مدنية مكتظة قد ترفع كلفة أي هجوم جديد.

 

كما تزيد التوترات المحلية السابقة في بعض المناطق، ومنها جرمانا، من صعوبة المشهد الأمني، إذ شهدت المدينة في أبريل 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من أبناء الطائفة الدرزية.

 

وفي المقابل، يجعل تعدد دوافع العنف المحتملة من التسرع في تفسير كل حادث تحت عنوان واحد أمرًا مضللًا، لأن بعض الهجمات قد ترتبط بخلايا منظمة، بينما قد تنشأ أخرى عن نزاعات محلية.

 

ومن هذا المنطلق، تبدو الأولوية أمام السلطات في نشر نتائج التحقيقات بوضوح وتحديد المسؤوليات بالأدلة، لأن استمرار الغموض بعد كل هجوم يفتح المجال أمام الشائعات والاستقطاب والتفسيرات المتضاربة بين السكان.

 

وفي النهاية، يعيد هجوم حمص التأكيد أن الانتقال من إسقاط السلطة السابقة إلى بناء استقرار فعلي لا يتحقق بإعلانات سياسية وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات أمنية قادرة على حماية المدنيين والبنية التحتية باستمرار.

 

وبينما تستمر التحقيقات، تبقى حصيلة سبعة قتلى وأربعة مصابين تذكيرًا بثمن أي فراغ أمني، وبأن نجاح المرحلة الجديدة سيقاس أيضًا بقدرة الدولة على تقليص الهجمات ومنع تكرارها ومحاسبة مرتكبيها.