بدأت أزمة دفعة الإمام حسن العطار تتجاوز حدود شكاوى فردية، بعدما قال مستبعدون إن سنوات الاختبارات العلمية والشرعية واللغوية انتهت عند ميزان الوزن أو إعفاء طبي لا يعطل أداء المنبر.

 

وتضع الوقائع وزارة الأوقاف والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أمام سؤال مباشر عن معنى الجدارة، بعدما استهدفت المسابقة ألف وظيفة، بينما أثار سؤال برلماني حديث ملف تعيين نحو 255 فقط واستبعاد 179 آخرين.

 

 

الوزن يتحول إلى بوابة استبعاد

 

وفي هذا السياق، قال مستبعدون إنهم اجتازوا اختبارات حفظ القرآن والعلوم الشرعية واللغة والمقابلات والفحوص، قبل أن تتوقف رحلتهم عند مرحلة كشف الهيئة لأسباب لم تظهر في الإعلان الأصلي.

 

كما أوضح عدد منهم أن زيادة تراوحت بين ثلاثة وخمسة كيلوجرامات فوق الوزن المثالي كانت كافية لإغلاق باب التعيين، رغم أن الوظيفة المعلن عنها إمام وخطيب ومدرس وليست وظيفة قتالية.

 

وفي المقابل، شملت شكاوى أخرى متقدمين حصلوا سابقًا على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية، مع تأكيدهم أن الإعفاء لا يمنعهم صحيًا أو مهنيًا من أداء الصلاة والخطابة والتدريس داخل المساجد.

 

وبحسب إعلان المسابقة في 2024، كان الهدف التعاقد مع ألف إمام وخطيب ومدرس لصالح الوزارة ومديرياتها، بينما تركزت الشروط المنشورة على المؤهل والسن والسيرة والاختبارات ومتطلبات شغل الوظيفة.

 

وفوق ذلك، ينص قانون الخدمة المدنية على أن التعيين يقوم على الكفاءة والجدارة عبر إعلان يتضمن شروط شغل الوظيفة بما يكفل تكافؤ الفرص، مع اشتراط اللياقة الصحية بشهادة من المجلس الطبي المختص.

 

ومن ثم، يصبح السؤال القانوني متعلقًا بمدى جواز تحويل معيار بدني تفصيلي غير معلن منذ البداية إلى بوابة حاسمة بعد عبور المتقدمين مراحل طويلة من التقييم والاختبارات.

 

وفي تطبيقات مشابهة على وظائف مدنية، قال محمد سيد، الباحث بوحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن اشتراطات الوزن واللياقة ينبغي أن ترتبط بطبيعة الوظيفة نفسها لا بمعايير منفصلة عنها.

 

كما اعتبر سيد، في تناوله لاستبعاد معلمين من مسابقات حكومية، أن تقديم الوزن على الخبرة والكفاءة يضيف حاجزًا لا يخدم جوهر المهنة، وهي حجة تكتسب دلالة أوضح عندما يتعلق الأمر بالإمامة والخطابة.

 

 

اختبار العلم ينتهي أمام الميزان

 

ومن ناحية أخرى، لا تبدأ المشكلة عند لحظة الاستبعاد وحدها، بل عند المسافة الواسعة بين طبيعة ما اختُبر فيه المتقدمون طوال المسابقة وطبيعة السبب الذي أُغلق به المسار أمامهم.

 

فقد خاض المتقدمون، وفق السؤال البرلماني وشهادات المستبعدين، اختبارات علمية وتخصصية وشرعية ولغوية، إلى جانب حفظ القرآن والمقابلات والفحوص، بما جعل معيار الوزن اللاحق يبدو منفصلًا عن جوهر المنافسة.

 

ومع ذلك، لم تقدم الجهات المعنية حتى الآن تفسيرًا علنيًا تفصيليًا يبين العلاقة المهنية المباشرة بين زيادة محدودة في الوزن وبين القدرة على الإمامة أو إلقاء الخطبة أو تدريس العلوم الشرعية.

 

وفي الوقت نفسه، يزيد الإعفاء الطبي من التجنيد الجدل تعقيدًا، لأن الإعفاء قد يصدر لأسباب متفاوتة، ولا يعني تلقائيًا أن صاحبه غير قادر على أداء وظيفة مدنية ذات مهام دعوية وتعليمية.

 

وعلى الجانب الآخر، تقول وزارة الأوقاف إن التأهيل داخل الأكاديمية العسكرية يهدف إلى بناء شخصية الإمام علميًا وبدنيًا ووطنيًا، وإن أعداد الدفعات ترتبط بالتقييم والاحتياجات والدرجات المالية المتاحة.

 

لكن هذا التفسير لا يحسم وحده سؤال الشروط غير المعلنة، لأن المتقدم يستطيع الاستعداد لمعيار معروف سلفًا، بينما يفقد حقه في المنافسة العادلة عندما يظهر معيار حاسم بعد عبور مراحل المسابقة.

 

وفي هذا الإطار، وصف الداعية الإسلامي عصام تليمة إلحاق الأئمة والدعاة بالأكاديمية العسكرية بأنه مسار لا يرتبط، من وجهة نظره، بجوهر التأهيل العلمي للداعية أو بطبيعة الرسالة الدينية.

 

كما طرح تليمة تساؤلات حول سبب إخضاع الدعاة لهذا النوع من التأهيل، وهي تساؤلات تزداد ثقلاً مع تحول معايير بدنية داخل هذا المسار إلى أسباب قادرة على إسقاط مرشحين ناجحين علميًا.

 

وبالتالي، تصبح القضية أكبر من خمسة كيلوجرامات زائدة، لأنها تمس تعريف الإمام المطلوب للدولة: هل الأولوية للمعرفة والقدرة على التواصل والسلوك، أم لمواصفات بدنية لم تظهر بوضوح عند فتح باب التقديم؟

 

 

ألف وظيفة وربع العدد تقريبًا

 

وفي جانب آخر من الأزمة، أعاد السؤال البرلماني فتح ملف العدد المستهدف، بعدما كان الإعلان الأصلي يتحدث عن ألف وظيفة إمام وخطيب ومدرس، بينما دار الحديث لاحقًا عن تعيين نحو 255 فقط.

 

كما أفادت وزارة الأوقاف في يونيو 2026 بأن إحدى دفعات الأئمة المتخرجة من الأكاديمية العسكرية ضمت 259 إمامًا، وهو رقم يظل بعيدًا عن العدد الذي أعلنت عنه المسابقة الأصلية.

 

وفي المقابل، بررت الوزارة تفاوت أعداد الدفعات بتوافر الدرجات المالية والاحتياجات الفعلية ونتائج التقييم، لكن بقاء مئات الوظائف خارج نطاق التسكين يعيد السؤال عن جدوى استبعاد ناجحين مستوفين لبقية المتطلبات.

 

وبينما يفترض أن يكون سد احتياجات المساجد أحد أهداف المسابقة، فإن استبعاد مرشحين اجتازوا مراحلها بسبب معايير محل نزاع يبدد جزءًا من المخزون البشري الذي جرى اختباره وتأهيله.

 

وفي قراءة أوسع لهذا المسار، يرى سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن توسع الأكاديمية العسكرية في تأهيل موظفين مدنيين يعكس انتقال معايير الانضباط العسكري إلى مجالات وظيفية مدنية متعددة.

 

كما يرى صادق أن هذه السياسة تعيد تشكيل الموظف وفق نموذج شديد المركزية والانضباط، وهو تصور يضع أزمة الأئمة ضمن سياق أوسع يتجاوز وزارة الأوقاف إلى فلسفة اختيار موظفي الدولة.

 

ومن الناحية الدستورية، تنص المادة 14 على أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة ودون محاباة أو وساطة، وهو مبدأ يجعل وضوح المعايير وثباتها عنصرين أساسيين في عدالة المنافسة.

 

كذلك يقرر قانون الخدمة المدنية أن الإعلان عن الوظيفة يجب أن يتضمن شروط شغلها، وأن تثبت اللياقة الصحية عبر جهة طبية مختصة، بما يربط الصحة بمتطلبات الوظيفة لا بصورة جسمانية مجردة.

 

ولهذا، فإن أي معيار إضافي يحتاج إلى سند واضح وعلاقة مباشرة بالمهام الفعلية، وإلا تحولت المسابقة من مفاضلة مهنية معلنة إلى سلسلة أبواب يمكن إغلاقها بمعايير لا يعرفها المتقدم مسبقًا.

 

وفي النهاية، يضع طلب إعادة فحص المستبعدين الحكومة أمام اختبار بسيط ومحدد: نشر معايير الاستبعاد كاملة، وبيان سندها، وإتاحة تظلم جدي لمن اجتازوا العلم والاختبارات قبل أن يتوقف مستقبلهم على الميزان.