تتسع الفجوة بين الحديث الرسمي عن التصنيع وبين قدرة المصانع على تحويل هذا التوسع إلى وظائف مستقرة، بينما تظل قطاعات واسعة من الشباب أمام سوق عمل يضيف وظائف، لكنه لا يضمن دائمًا أجورًا كافية أو مسارًا مهنيًا منتجًا.

 

وتتراجع قيمة أي خطة صناعية عندما يبقى التشغيل نتيجة جانبية لا هدفًا مركزيًا، لأن الاقتصاد يحتاج مصانع تستوعب العمالة وتنتج مكونات محلية، لا مجرد استثمارات ترفع أرقام الإنتاج دون بناء سلاسل توريد وتدريب وتمويل متماسك.

 

 

البطالة المنخفضة لا تحكي القصة

 

وفي الأرقام الرسمية، بلغ معدل البطالة 5.8% خلال الربع الثاني من 2026، لكن البطالة بين النساء وصلت إلى 14.4%، بما يوضح أن تحسن المؤشر العام لا يعني توزيعًا متوازنًا لفرص العمل بين الفئات المختلفة.

 

كما ارتفعت قوة العمل إلى نحو 35.6 مليون فرد، بينما تجاوز عدد المشتغلين 33.5 مليونًا، غير أن السؤال الأهم يظل متعلقًا بنوعية هذه الوظائف ومدى استقرارها وإنتاجيتها وقدرتها على توفير دخل يواكب تكاليف المعيشة.

 

ويحذر الدكتور مدحت نافع، خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، من اختزال سوق العمل في معدل البطالة وحده، مؤكدًا أن الرقم لا يوضح استقرار الدخل أو ساعات العمل أو الأجور الحقيقية أو مدى الاستفادة من مهارات العاملين.

 

وبحسب تحليل نافع، قد ينخفض معدل البطالة مع استمرار وظائف مؤقتة أو موسمية أو منخفضة الإنتاجية، كما قد يخرج بعض الباحثين المحبطين من قوة العمل أصلًا، فتبدو الصورة الإحصائية أفضل من الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الأفراد.

 

وفي تركيب سوق العمل نفسه، تستحوذ الصناعة التحويلية على نحو 13.5% من المشتغلين وفق بيانات عرضها نافع، بينما تتوزع نسب أكبر على الزراعة والتجارة، وهو ما يضع حدودًا أمام قدرة الصناعة الحالية على امتصاص الداخلين الجدد.

 

ومن جهة أخرى، تشير البيانات الحكومية إلى أن الصناعة التحويلية تمثل قرابة 16% من الناتج المحلي و14% من القوى العاملة، وهي فجوة تفتح سؤالًا مباشرًا حول مقدار الوظائف التي يولدها كل توسع صناعي مقارنة بحجمه الاقتصادي.

 

ولذلك لا تكمن المشكلة في غياب الصناعة وحده، بل في نوع الصناعة التي يجري توسيعها، ومدى اعتمادها على العمالة المحلية، وقدرتها على خلق وظائف فنية مستقرة بدلًا من أنشطة أقل إنتاجية تستوعب العمالة بصورة مؤقتة.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح الصناعات الغذائية والملابس الجاهزة والغزل والنسيج والصناعات الهندسية والمغذية مرشحة لخلق وظائف واسعة، لكن فائدتها تتوقف على سياسات تقلل تكلفة التشغيل وتربط التدريب الفني باحتياجات المصانع الفعلية.

 

ومع ذلك، يظل انخفاض البطالة خبرًا إيجابيًا في حد ذاته، لكنه لا يصلح منفردًا للحكم على نجاح سياسة التشغيل، لأن جودة الوظائف والأجور الحقيقية والإنتاجية والمشاركة الاقتصادية مؤشرات موازية لا تقل أهمية عن الرقم الرئيسي.

 

 

التمويل يضغط على المصانع الصغيرة

 

وفي قلب الأزمة الصناعية تقف تكلفة التمويل ورأس المال العامل، لأن المصنع لا يستطيع زيادة التوظيف بينما يواجه صعوبة في شراء الخامات أو تمويل دورة الإنتاج أو تحمل أسعار فائدة مرتفعة تقلص هامش التوسع والاستثمار.

 

كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي يفترض أن تكون الحلقة الأسرع في خلق الوظائف، تواجه مشكلة أشد حساسية عندما تتآكل قدرتها على شراء مستلزمات الإنتاج، فتبدأ بتقليص الكميات أو تأجيل التوسع قبل التفكير في تعيين عمال جدد.

 

ويقول المهندس علاء السقطي، رئيس اتحاد مستثمري المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إن مصانع عديدة واجهت ضغوطًا حقيقية بسبب ارتفاع تكلفة المواد الخام والشحن ونقص السيولة، بما انعكس على الإنتاج ودفع بعض المنشآت إلى دائرة التعثر.

 

وفي تقديره، لا يكفي الحديث عن تمويل متاح إذا كانت الحدود الائتمانية لا تواكب ارتفاع تكلفة الخامات، لأن المصنع قد يحصل على القرض نفسه اسميًا لكنه يشتري به كمية أقل كثيرًا من مستلزمات التشغيل.

 

ولهذا طالب السقطي بتوسيع الائتمان الموجه للصناعة وخفض تكلفة الفائدة وتسريع الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وهي مطالب تعكس مشكلة أعمق تتمثل في أن بقاء المصنع عاملًا صار أولوية تسبق الحديث عن خلق وظائف إضافية.

 

وفي المقابل، أطلقت الدولة مبادرات تمويلية للقطاعات الصناعية ذات الأولوية بقيمة تصل إلى 30 مليار جنيه وبعائد مخفض، كما توسعت برامج تمويل المشروعات الصغيرة، لكن أثر التمويل يظل مرهونًا بسهولة الوصول إليه واستمرارية التشغيل.

 

وبينما تستهدف خطة 2025/2026 توجيه نحو 252.8 مليار جنيه استثمارات للصناعة التحويلية، تستحوذ الاستثمارات الخاصة على أكثر من 83% منها، ما يجعل بيئة التمويل والتراخيص والطاقة والخامات عاملًا حاسمًا في تحويل الأموال إلى مصانع عاملة.

 

ومن ثم فإن أي توسع صناعي كثيف العمالة يحتاج حماية دورة الإنتاج نفسها من الانقطاع، لأن مصنعًا يتوقف بسبب خامة أو تمويل أو إجراء إداري لا يخسر إنتاجًا فقط، بل يهدد أيضًا وظائف قائمة ويغلق باب وظائف جديدة.

 

كذلك فإن المشكلة لا تنتهي عند منح قرض أو أرض صناعية، فالمشروع الصغير يحتاج مشتريًا مستقرًا وإدارة وتكنولوجيا وجودة معتمدة، وإلا بقي كيانًا منفصلًا يبيع في سوق محدود ولا يتحول إلى مورد داخل سلسلة صناعية كبيرة.

 

وفي هذا السياق، يصبح ربط المصانع الكبرى بالموردين الصغار أهم من زيادة عدد السجلات التجارية، لأن التشغيل المستدام ينشأ حين يحصل المشروع الصغير على طلب متكرر يبرر الاستثمار في المعدات والعمالة والتدريب وتحسين الجودة.

 

 

سلاسل الإنتاج المحلية ما زالت ناقصة

 

وفي جانب آخر من الأزمة، لا تزال سلاسل الإنتاج المحلية أقل عمقًا من المطلوب، ما يدفع مصانع كثيرة إلى الاعتماد على مكونات وخامات مستوردة، فتتحول تقلبات العملة والشحن والإفراجات إلى ضغوط مباشرة على الإنتاج والتوظيف.

 

كما أن زيادة الإنتاج النهائي دون تصنيع المدخلات محليًا تعني بقاء جزء معتبر من القيمة المضافة خارج الاقتصاد، بينما تضيع فرص تشغيل كان يمكن خلقها في الورش والمصانع المغذية إذا جرى توطين المكونات بصورة منظمة.

 

وترى الدكتورة يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن الاقتصاد يحتاج قاعدة إنتاجية أقوى وانتقالًا من نموذج يقوده الاستهلاك والإنفاق إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على الإنتاج والتصدير والقطاعات الأعلى قيمة مضافة.

 

وفي رؤيتها، يتطلب تحسين التنافسية تطوير سلاسل الإمداد المحلية وربط الصناعة بالبحث العلمي والابتكار، كما يحتاج التخطيط للمناطق الصناعية إلى اتصال مباشر ببرامج التدريب وبناء المهارات حتى تتحول الاستثمارات إلى وظائف فعلية.

 

ومن هنا تظهر أزمة التعليم الفني باعتبارها جزءًا من أصل المشكلة، فوجود مدارس ومراكز تدريب لا يضمن توفير عمالة مطلوبة ما لم تتحدد المناهج والتخصصات وفق خرائط احتياجات المصانع في كل محافظة ومنطقة صناعية.

 

وبالتوازي، يشير البنك الدولي إلى أن معظم الوظائف الجديدة خلال العقدين الماضيين تركزت في قطاعات أقل قيمة مضافة وغير قابلة للتجارة، مثل البناء والتجزئة والنقل، بينما تمتلك الصناعة غير النفطية فرصًا أكبر للنمو والإنتاجية.

 

ولذلك يصبح التحدي الحقيقي هو تغيير نوع النمو لا مجرد رفع معدله، عبر توجيه الاستثمار إلى صناعات تصنع مكونات محلية وتصدر وتستخدم عمالة ماهرة، بدل الاعتماد على توسعات لا تنتج سلاسل قيمة طويلة داخل الاقتصاد.

 

وفي النهاية، لن تتحول الصناعة إلى ماكينة تشغيل واسعة ما لم تتكامل سياسات التمويل والطاقة والأراضي والتراخيص والتدريب والتجارة، لأن تفكيك الأزمة إلى مبادرات منفصلة يترك المصنع محاصرًا بين تكلفة مرتفعة وعمالة غير مؤهلة ومدخلات مستوردة.

 

ومع استمرار هذه الفجوات، يبقى معيار النجاح أبعد من عدد المصانع أو قيمة الاستثمارات المعلنة، ويتمثل في عدد الوظائف المستقرة التي أضيفت، ونسبة المكون المحلي، وحجم الموردين الصغار الذين دخلوا سلاسل الإنتاج بالفعل.