تكشف أزمة سد النهضة مأزق إدارة حكومية طالبت المصريين بالثقة طويلًا، بينما بقي الاتفاق الملزم غائبًا، وانتقلت إثيوبيا إلى التشغيل، تاركة القاهرة أمام فجوة مؤلمة بين صرامة التصريحات ومحدودية النتائج.

 

وتفضح هذه الفجوة جوهر الإخفاق السياسي، فالحكومة التي احتكرت إدارة الملف تتحمل مسؤولية حصيلته، ولا تتحول بيانات الاعتراض إلى إنجاز لمجرد تكرارها، بينما تظل الضمانات التي انتظرها المواطنون خارج متناولهم.

 

 

حصيلة التفاوض تكشف الإخفاق

 

فبدايةً، يقدم أحمد المفتي، المستشار القانوني السابق بوزارة الري السودانية، نقدًا مباشرًا للأسس التفاوضية، إذ اعتبر أنها افتقرت إلى ضمانات كافية لحماية الأمن المائي لمصر والسودان منذ انطلاق العملية.

 

وبحسب تصريحاته المنشورة في أغسطس 2026، فإن المشكلة تتجاوز تفاصيل الملء والتشغيل إلى المرجعيات التي حكمت المحادثات، وهو نقد يضع سلامة الاختيارات التفاوضية نفسها في قلب مساءلة سياسية لا هامشية.

 

ومن هنا، يظهر حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة المصرية، إذ لم تتحول السنوات الطويلة من إدارة الخلاف إلى اتفاق يحدد الالتزامات، بينما تقدمت إثيوبيا بمشروعها حتى أصبح التشغيل واقعًا قائمًا.

 

ثم إن استمرار المطالبة بالاتفاق ذاته بعد هذه الرحلة لا يمثل دليلًا على نجاح السياسة المتبعة، بل يكشف المسافة بين الهدف المعلن والنتيجة المتحققة، مهما ارتفعت نبرة الخطاب المصاحب.

 

وعلاوة على ذلك، فإن وصف الموقف المصري بالثبات لا يجيب عن السؤال المتعلق بفاعليته، فالثبات على مطلب لا يعوض العجز عن تحقيقه، ولا يمنح المسؤولين حصانة من تقييم أدائهم.

 

وفي هذا الإطار، يكتسب تحذير المفتي من تفاوض يطيل الخلاف بدل تسويته دلالة قاسية، لأنه يكشف كيف تتحول العملية التفاوضية إلى مسار مستمر لا ينتج الضمانات التي قامت من أجلها.

 

وبذلك، تصبح حصيلة الملف اتهامًا سياسيًا لطريقة إدارته، فالمواطن الذي سمع طويلًا عن حماية الحقوق لا يملك اتفاقًا واضحًا يحتكم إليه، وإنما يواجه استمرار النزاع وتبادل الاتهامات بين الأطراف.

 

كما أن الاحتماء بتعقيدات الأزمة لا يمحو مسؤولية القرار، لأن إدارة الملفات المعقدة هي أصل وظيفة الحكومة، وليست ظرفًا استثنائيًا يعفيها من المحاسبة عندما تتباعد النتائج عن الأهداف المعلنة.

 

وعليه، فإن الإخفاق هنا لا يقاس بغياب توقيع على ورقة فحسب، بل ببقاء الأمن المائي معلقًا على خلاف مفتوح، بعد سنوات كان عنوانها المعلن الوصول إلى قواعد مستقرة وملزمة.

 

 

التصعيد اللفظي يفضح المأزق

 

بالتوازي، قال البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد في تصريحات منشورة خلال سبتمبر إن بلاده تجاوزت مرحلة النقاش حول قانونية السد، وهو موقف يعكس محاولة إغلاق النقاش السياسي بسلطة الواقع القائم.

 

وفي مواجهته، عادت التصريحات المصرية لتؤكد رفض الأمر الواقع والتمسك بالحقوق، لتظهر المفارقة حادة بين طرف يتحدث من موقع تشغيل السد، وحكومة تعيد إعلان اعتراضها على المسار الذي أوصل إليه.

 

وهكذا، يبدو ارتفاع النبرة جزءًا من أزمة النتائج، فالكلمات تصبح أشد بينما يبقى المطلب الأساسي معلقًا، ولا يحمل التشدد اللفظي في ذاته دليلًا على تغير قدرة القاهرة على التأثير.

 

وفي السياق نفسه، شدد عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، على أهمية القياسات الفعلية للأمطار والإيراد، معتبرًا أن التنبؤات المبكرة لا تكفي لحسم طبيعة الموسم المائي ونتائجه.

 

وانطلاقًا من هذا التمييز الفني، تتضح هشاشة تقييم إدارة الأزمة عبر التصريحات، لأن الأثر المائي تقيسه البيانات، بينما يقاس الإنجاز السياسي بضمانات محددة، ولا تعوض اللغة الحماسية غياب أي منهما.

 

كذلك، فإن التأكيد المتكرر على امتلاك الخيارات يضع الحكومة تحت عبء عباراتها، فالجمهور لا يرى في مجرد إعلان القدرة نتيجة، ولا يلمس في تكرار التحذير تغيرًا تلقائيًا في قواعد التشغيل.

 

ومن ثم، لا تبدو المشكلة نقصًا في التعبير عن الغضب، وإنما عجزًا عن تحويل الموقف المعلن إلى التزام مقابل، وهي فجوة لا تضيق بمجرد إطلاق توصيفات أكثر حدة على السد.

 

فضلًا عن ذلك، فإن الخلط بين الدفاع عن حقوق مصر والدفاع عن أداء حكومتها يحجب المسؤولية السياسية، فالمصلحة الوطنية لا تجعل القرارات فوق النقد، ولا تمنح حصيلة التفاوض صفة النجاح مسبقًا.

 

وبناءً عليه، تتراجع القيمة السياسية للتصريحات حين تنفصل عن نتائج يمكن تحديدها، ويتحول الخطاب إلى عبء على أصحابه، لأنه يرفع سقف التوقعات ثم يترك الجمهور أمام الأسئلة القديمة نفسها.

 

 

فاتورة الإخفاق تلاحق المصريين

 

أما محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، فقد حذر خلال يونيو من أن تتابع الفيضانات المنخفضة قد يؤدي إلى السحب التدريجي من مخزون السد العالي، مع احتمال ظهور مشكلات ندرة لاحقًا.

 

وبحسب تقديره، فإن استمرار انخفاض الإيراد لسنوات يضاعف صعوبة إدارة الاحتياجات، وهو تحذير يكشف أن غياب قواعد تشغيل متفق عليها يرتبط بمخاطر تمس قدرة الدولة على التخطيط وحماية مواردها.

 

وعلى هذا الأساس، تظهر قسوة حصيلة الإدارة الحكومية، فالأزمة التي تبدو في المؤتمرات خلافًا على الصياغات والحقوق ترتبط خارج القاعات بمياه الزراعة ودخل الأسر واستقرار الغذاء وكلفة استمرار الإنتاج.

 

ثم إن الاستناد إلى مخزون السد العالي لتفسير القدرة على مواجهة الضغوط لا يحول ذلك المخزون إلى نجاح تفاوضي، فالاحتياطي المائي أصل قائم، وليس اتفاقًا انتزعته الحكومة من الطرف الإثيوبي.

 

كذلك، فإن قدرة الخزان على امتصاص الصدمات لا تلغي السؤال عن السياسة التي تركت قواعد التشغيل محل نزاع، ولا تجعل مواجهة آثار الخلاف دليلًا على نجاح إدارة أسبابه السياسية.

 

ومن زاوية أخرى، فإن التعامل مع كلفة التكيف باعتبارها إنجازًا مجردًا يحجب جانبًا من الفاتورة، لأن الموارد المخصصة لامتصاص الضغوط لها تكلفة، وتظل نتائج الإنفاق منفصلة عن حجم الإعلان عنه.

 

وبالتالي، فإن الاحتفاء بالقدرة على تحمل الأعباء لا يجيب عن مسؤولية الحد منها، ولا يحول صمود المؤسسات والمواطنين إلى شهادة كفاءة تلقائية للقرارات التي حكمت إدارة الملف طوال السنوات الماضية.

 

وفي المحصلة، لا يحتاج نقد الحكومة إلى ادعاء فقدان نصف المياه، فغياب الاتفاق الملزم وحده يكشف إخفاقًا محددًا، وتكفي مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج القائمة لفضح المسافة بين الوعود والحصيلة.

 

وأخيرًا، تبقى أزمة سد النهضة شاهدًا على سياسة لم تنتزع الضمانات التي وعدت بها، بينما يتلقى المصريون خطابًا متجددًا عن الحقوق، وتظل الحكومة مطالبة بحساب سياسي عن نتائج إدارة احتكرتها.