تكشف أزمة استبعاد عشرات الطلاب من كلية الطب بجامعة شرق بورسعيد الأهلية، بعد إخطارهم بالقبول وسداد المصروفات، خللًا إداريًا فادحًا يضع مستقبلهم الدراسي تحت رحمة قرارات متغيرة، ويستدعي مساءلة واضحة عن المسؤولية.
وتتصاعد خطورة الواقعة لأن تعديل أعداد المقبولين جاء بعدما رتبت الأسر خياراتها على رسائل الجامعة، بينما أعلنت وزارة التعليم العالي بدائل للدراسة، دون أن يمحو ذلك السؤال عن أسباب حدوث الأزمة أصلًا.
قبول معلن ينتهي باستبعاد الطلاب
ففي تفاصيل الواقعة، أعلن النائب أحمد فرغلي أن الجامعة حصلت على الرسوم من نحو 385 طالبًا، قبل اقتصار القبول على 300، ما أدى إلى استبعاد 85 طالبًا سبق أن استكملوا الإجراءات المطلوبة.
وأضاف فرغلي أن مجاميع الطلاب المتضررين تتراوح بين 88% و91%، وأن المشكلة ترتبط بالطاقة التدريبية للمستشفى الجامعي، مؤكدًا أنهم لم يرتكبوا مخالفة تبرر تحميلهم تبعات الارتباك الذي أحاط بإجراءات قبولهم.
وفي رواية أخرى، قالت الدكتورة أمل عصفور، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، إن نحو 100 طالب سددوا المصروفات قبل استبعادهم، موضحة أن إخطارات القبول سبقت رسائل الرفض بنحو 15 يومًا.
وبين الرقمين، تبرز ضرورة إعلان حصر رسمي يميز بين المتقدمين والمقبولين والمسددين والمستبعدين، لأن اختلاف الأعداد المنشورة لا يغير جوهر الأزمة، لكنه يكشف حاجة الأسر إلى معلومات دقيقة وقرارات مكتوبة قابلة للمراجعة.
وعلى المستوى التربوي، سبق أن أكد الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية والمنتقد للسياسات التعليمية، ارتباط إصلاح التعليم بالإتاحة والجودة والعدالة وتكافؤ الفرص، ضمن موقف عام يرفض التخبط في إدارة المنظومة.
وفي ضوء هذا الموقف العام، وليس باعتباره تعليقًا منه على الواقعة، يتضح أن استقرار قواعد القبول شرط للعدالة؛ فالطالب يحتاج إلى معرفة موقعه الحقيقي قبل دفع الأموال وإغلاق الخيارات الأخرى أمامه.
ومن ثم، يصبح السؤال المحرج للجامعة والوزارة هو كيف سبقت مطالبة الطلاب بالسداد حسم الأعداد المسموح بتدريبها، ولماذا لم تُضبط العلاقة بين إجراءات القبول والمراجعة الفنية قبل مخاطبة الأسر بالموافقة؟
كذلك، لا يجوز اختزال الأزمة في استرداد المصروفات، لأن الضرر المحتمل يشمل الوقت والفرص البديلة وترتيبات السكن والانتقال، فضلًا عن فقدان الثقة في إخطار جامعي يفترض أن يساعد الطالب على اتخاذ قرار مصيري.
توسع جامعي تصطدم به الجاهزية
وفي تفسير رسمي للأزمة، أوضح الدكتور عادل عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، أن تحديد أعداد طلاب الطب يرتبط بتقييم الموارد البشرية والمادية، ومدى استعداد المستشفى الجامعي لتوفير التدريب اللازم للطلاب.
وبالتالي، فإن وجود حدود للطاقة الاستيعابية ليس موضع الاعتراض؛ إذ لا يمكن الدفاع عن قبول أعداد تتجاوز قدرة التدريب، لكن الاعتراض يتعلق بتوقيت تطبيق هذه الحدود بعد بدء الإجراءات المالية وإبلاغ الطلاب بالقبول.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور محمد أبو الغار، أستاذ الطب بجامعة القاهرة والسياسي المعارض، في مواقف سابقة من التوسع في كليات الطب دون بنية تحتية ومستشفيات تدريب وكوادر تدريس كافية لضمان التأهيل.
وتكتسب تحذيراته أهمية عند قراءة هذه الأزمة، دون نسبتها إلى تعليق مباشر عليها؛ فزيادة الكليات والمقاعد لا تكفي لإثبات نجاح السياسة التعليمية إذا سبقت القدرة الفعلية على تعليم الطلاب وتدريبهم بصورة مناسبة.
وفي المقابل، تحدثت أمل عصفور عن تجهيز المستشفى الجامعي وتشغيل أقسام منه، بينما ربط فرغلي معالجة المشكلة باستكمال إجراءات الاعتماد، ما يستدعي بيانًا فنيًا يوضح القدرة المتاحة والاشتراطات التي لم تُستوفَ.
وعليه، فإن القول بوجود مستشفى مجهز لا يحسم وحده عدد الطلاب الممكن تدريبهم، كما أن الحديث عن استكمال الاعتماد لا يفسر سبب فتح مسار قبول مالي قبل استقرار القرار الأكاديمي المنظم للأعداد.
ومن هنا، تبدو مسؤولية الوزارة أوسع من التدخل بعد تفجر الشكاوى؛ فالرقابة الفعالة يفترض أن تمنع تضارب الوعود الجامعية مع القدرة المعتمدة، وأن تضع قيودًا واضحة على التحصيل المرتبط بمقاعد لم تُحسم.
فضلًا عن ذلك، فإن تصوير معالجة الأزمة باعتبارها إنجازًا مستقلًا يتجاهل أصل المشكلة؛ إذ كان الأجدر بالمنظومة حماية الطلاب من هذا المأزق، بدل مطالبتهم بالتكيف مع نتائج قرارات لم يشاركوا في صنعها.
بدائل الوزارة لا تلغي المسؤولية
وفي أحدث معالجة معلنة، طرحت الوزارة 3 مسارات للطلاب المتضررين، تشمل الصيدلة بجامعة شرق بورسعيد، أو طب الأسنان والعلاج الطبيعي بالإسماعيلية الأهلية الجديدة، أو تخصصات طبية بجامعة الملك سلمان وفق المجموع والضوابط.
ويشمل المسار الثالث الطب البشري، ما يعني وجود بديل معلن للحفاظ على التخصص لبعض الطلاب، لكن الإعلان وحده لا يثبت إتمام التحويلات أو قبول الجميع، ولا يكشف حجم الأعباء المصاحبة للانتقال.
ومع ذلك، لا يتساوى تغيير التخصص مع استكمال المسار الذي اختاره الطالب؛ فالصيدلة والعلاج الطبيعي وطب الأسنان مجالات مستقلة، واختيار أحدها ينبغي أن يعكس رغبة حقيقية، لا ضغطًا ناتجًا عن تراجع القبول.
وعلى صعيد جودة التدريب، سبق أن انتقد الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس وعضو مجلس نقابة الأطباء السابق، تكدس الطلاب، معتبرًا أنه يعوق اكتساب المهارات الإكلينيكية ويضعف التعليم الطبي.
كما طرح سمير، في رؤية سابقة لإصلاح التعليم الطبي عام 2019، تقليل كثافات الكليات وتنظيم التدريب والاستفادة من المستشفيات المتاحة؛ وهو موقف نقدي عام، وليس تصريحًا بشأن أزمة شرق بورسعيد الحالية.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن تجمع التسوية بين الحفاظ على معايير التدريب وحماية الطلاب، عبر مقاعد مؤكدة وشروط مالية معلنة ومواعيد تنفيذ محددة، مع توضيح الجهة التي تتحمل أي تكلفة إضافية تفرضها المعالجة.
وفي موازاة التسوية، تظل الحاجة قائمة إلى مراجعة رسائل القبول وأوامر التحصيل وتوقيت قرارات تخفيض الأعداد، لتحديد موضع الخلل والمسؤول عنه، وإعلان النتائج بدل الاكتفاء بوعود عامة عن مراعاة مستقبل الطلاب.
وأخيرًا، فإن الحكومة مطالبة بإثبات أن حماية التعليم تبدأ من احترام التزامات مؤسساته؛ فلا يُترك الطلاب يدفعون ثمن ارتباك الإدارة، ولا تتحول البدائل الاضطرارية إلى ستار يحجب المساءلة عن أزمة كان ينبغي منعها.

