كشف طلب سعودي للحصول على دعم في مجال الدفاع الجوي من مصر ودول أخرى، بعد أقل من يوم على زيارة محمد بن سلمان للقاهرة، حجم الضغط الذي تواجهه الرياض مع اتساع هجمات الحوثيين واقترابها من ممرات استراتيجية.
أعاد تزامن الطلب مع إعلان التنسيق الأمني المصري السعودي في خليج العقبة والبحر الأحمر سؤالًا قديمًا بصورة أكثر إلحاحًا حول المسافة بين حماية المصالح المصرية وبين الانزلاق إلى مواجهة لا تملك القاهرة وحدها مفاتيحها.
الرياض تبحث عن مظلة بديلة
جاء الطلب السعودي في وقت تتحدث فيه تقارير موثوقة عن تراجع مخزون المملكة من صواريخ الاعتراض، بالتوازي مع استنزاف جانب من المخزون الأمريكي خلال الحرب مع إيران، ما ضيق هامش الدعم المتاح للرياض.
وطلبت السعودية، بحسب مسؤولين إقليميين، من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان نشر دعم للدفاع الجوي لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن لم تعلن أي من هذه الدول التزامًا عسكريًا مباشرًا حتى الآن.
ويكشف هذا المسار أن المملكة لا تبحث فقط عن غطاء سياسي عربي، بل عن قدرات عسكرية عملية تستطيع سد فجوة دفاعية متزايدة، بعدما أصبحت منشآت النفط والمدن والقواعد والممرات البحرية تحت ضغط متزامن.
ولا توجد حتى الآن معلومة رسمية مصرية تؤكد الموافقة على إرسال بطاريات دفاع جوي أو قوات تشغيل أو أطقم فنية، وهو غياب يجعل أي حديث عن مشاركة عسكرية مصرية مؤكدة سابقًا لأوانه.
لكن غياب الإعلان لا يلغي حساسية الطلب نفسه، لأن الانتقال من تبادل المعلومات والتنسيق الحدودي إلى نشر منظومات دفاع خارج الأراضي المصرية يمثل مستوى مختلفًا من الالتزام السياسي والعسكري والمالي.
وتبدو المفارقة واضحة في أن واشنطن، المورد العسكري الأهم للرياض، لا تبدي رغبة في فتح جبهة جديدة، بينما تتحول الأنظار إلى عواصم أخرى مطالبة بتحمل جزء من عبء المواجهة الإقليمية.
وفي قراءة سابقة للعلاقة المصرية الخليجية عام 2015، حذر أستاذ العلوم السياسية خليل العناني، المعروف بانتقاد سياسات السيسي، من تحويل المؤسسة العسكرية المصرية إلى أداة تخدم حسابات إقليمية مرتبطة بتبادل المصالح والدعم.
ويكتسب هذا التحذير معنى جديدًا مع طلب دفاعي مباشر، لأن أي استجابة مصرية ستحتاج إلى تعريف واضح للمصلحة الوطنية وحدود المهمة وقواعد الاشتباك، لا مجرد الاستناد إلى عبارات التضامن والتحالف التقليدية.
حدود التنسيق والانخراط العسكري
أكدت الرئاسة المصرية بعد لقاء 15 سبتمبر أن القاهرة والرياض شددتا على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، كما تحدثت عن استمرار التشاور والتنسيق بشأن التطورات الإقليمية والملفات ذات الاهتمام المشترك.
وفي اليوم التالي، أعلن قائد قوات حرس الحدود اللواء أسامة عبد الحميد داود استمرار اللقاءات وتبادل المعلومات مع الجانب السعودي لتأمين خليج العقبة والامتداد الجنوبي للبحر الأحمر، وسط تسارع التهديدات الإقليمية.
هذا التنسيق قائم منذ سنوات ولا يساوي تلقائيًا قرارًا بالحرب، لكنه يأتي الآن داخل بيئة مختلفة، بعدما تمددت المواجهة اليمنية نحو الممرات البحرية وضربت منشآت سعودية ورفعت كلفة حماية طرق الطاقة.
وتتعامل القاهرة هنا مع معادلة ثقيلة، فالأمن السعودي يرتبط بأمن البحر الأحمر، لكن الدفاع عن الأراضي السعودية شيء، وتأمين الملاحة المصرية شيء آخر، والدخول المباشر في الحرب اليمنية مستوى ثالث أكثر خطورة.
ويحمل التاريخ المصري في اليمن ذاكرة مكلفة تجعل أي انتقال إلى مشاركة عسكرية مباشرة ملفًا بالغ الحساسية، خصوصًا إذا لم تحدد الحكومة للرأي العام حجم المهمة ومدتها وتكلفتها والمخاطر المترتبة عليها.
وكان مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي عبد الله الأشعل، وهو من منتقدي النظام، قد حذر سابقًا من ربط الدور المصري في اليمن بحسابات العلاقة مع السعودية.
ورأى الأشعل في مواقف سابقة أن انخراط مصر عسكريًا في اليمن قد يتحول إلى توريط ضد مصالحها، منتقدًا غياب المعلومات الدقيقة عن حدود المشاركة المصرية وعلاقتها بالضغوط والمصالح الثنائية.
وتزداد أهمية هذا النقد الآن لأن الطلب المتداول لا يتعلق ببيان سياسي أو وساطة، وإنما بدعم دفاعي قد يتطلب معدات وأطقمًا وتمركزًا وتشغيلًا مستمرًا ضمن مسرح إقليمي سريع الاشتعال.
ومن دون إعلان رسمي مفصل، ستبقى الأسئلة معلقة حول ما إذا كانت القاهرة ستكتفي بالاستخبارات والتنسيق البحري والوساطة، أم ستقبل دورًا دفاعيًا يتجاوز حدودها ويقربها من مواجهة مفتوحة.
باب المندب يضغط على مصر
لا تستطيع مصر التعامل مع باب المندب باعتباره أزمة سعودية بعيدة، لأن المضيق يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي اضطراب فيه يضرب مباشرة حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس والعكس.
وتظهر البيانات الحديثة أن إيرادات القناة تحسنت خلال العام المالي 2025/2026 إلى نحو 4.67 مليارات دولار، لكنها ظلت أقل كثيرًا من مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر.
كما أظهرت تقديرات اقتصادية حديثة أن متوسط العائد الشهري للقناة بلغ قرابة 390 مليون دولار خلال العام المالي نفسه، بينما ظلت حركة العبور اليومية بعيدة عن مستوياتها السابقة للأزمة.
وهذا يعني أن الخطر لا يقف عند حدود الجغرافيا العسكرية، بل يمتد إلى النقد الأجنبي والميزان الخارجي وتكاليف الشحن والتأمين، في اقتصاد يعاني أصلًا من ضغوط ديون وتمويل مرتفعة.
ومع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي اليمني وسيطرتهم على مواقع وجزر قرب باب المندب، أصبحت قدرة الجماعة على تهديد الملاحة عنصرًا مباشرًا في حسابات مصر الأمنية والاقتصادية.
لكن حماية الممر الملاحي لا تفرض تلقائيًا المشاركة في حرب برية أو جوية إلى جانب السعودية، إذ يمكن التمييز بين دفاع مصر عن خطوط تجارتها وبين الانضمام إلى عمليات تتجاوز هذا الهدف.
ويرى الصحفي والكاتب الاقتصادي مصطفى بسيوني، المعروف بانتقاد السياسات الاقتصادية الحكومية، أن التجربة المصرية مع مشروعات قناة السويس الكبرى لم تحقق عوائد متناسبة مع الاستثمارات التي ضخت فيها الدولة.
وانطلاقًا من هذا النقد، تبدو خسائر الملاحة أكثر قسوة لأنها تصيب موردًا ضخت فيه السلطة استثمارات ضخمة، بينما لم تنجح تلك الاستثمارات وحدها في تحصين الإيرادات من صدمات الأمن الإقليمي.
وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام سؤال صعب عن الأولويات، فهل تحمي القناة عبر دبلوماسية نشطة وترتيبات بحرية دفاعية محددة، أم توسع التزامها العسكري بما يحمل نفقات ومخاطر قد تتجاوز العائد المتوقع.
وتزداد صعوبة السؤال مع بحث السعودية عن بدائل لنقص صواريخ الاعتراض، لأن أي مساهمة مصرية عسكرية يجب أن تقاس بتأثيرها على جاهزية القوات المصرية واحتياجات الدفاع المحلي وكلفة التشغيل والاستدامة.
كما أن نقل منظومات أو أطقم مصرية إلى مسرح خارجي، إن حدث، سيحتاج إلى شفافية أكبر من البيانات العامة، لأن الرأي العام من حقه معرفة الأساس القانوني والهدف والمدة والكلفة.
وتبقى الوساطة المصرية مع سلطنة عمان مسارًا أقل كلفة وأكثر اتساقًا مع تجنب حرب إقليمية أوسع، خصوصًا أن التقارير تشير إلى استمرار اتصالات دبلوماسية لمحاولة خفض التصعيد في اليمن.
في النهاية، لا تكمن العقدة في التعاون المصري السعودي بحد ذاته، وإنما في الحد الفاصل بين التنسيق الأمني والدور العسكري المباشر، وهو الحد الذي سيكشف مدى اتساع التزامات القاهرة تحت ضغط التطورات المتسارعة.

