تعيد واقعة إنقاذ الفتاة روان البالغة 16 عامًا من تحت أنقاض سقف غرفة بقرية صا الحجر في بسيون ملف سلامة المساكن القديمة إلى الواجهة، بعدما تحولت لحظات داخل منزلها إلى سباق مع الأنقاض.

 

تكشف الواقعة، رغم استقرار حالة الفتاة الصحية، هشاشة جانب من الواقع السكني في القرى والمدن، حيث تأتي الاستجابة الرسمية غالبًا بعد الانهيار، بينما يطالب منتقدون برقابة استباقية تمنع الخطر قبل تحوله إلى كارثة.

 

 

الإنقاذ يأتي بعد سقوط السقف

 

وقع الانهيار داخل منزل من طابقين مشيد بالطوب الأحمر ومسقوف بالخشب، وكانت روان أسفل الأنقاض قبل أن تنجح قوات الإنقاذ في إخراجها ونقلها إلى مستشفى بسيون المركزي، حيث وُصفت حالتها بالمستقرة.

 

جاء التعامل الرسمي المعلن عبر الانتقال إلى الموقع وتشكيل لجنة هندسية لمعاينة المنزل وتحديد سلامته الإنشائية، لكن الحادث يطرح سؤالًا أبعد من المعاينة اللاحقة يتعلق بمن كان يفترض أن يكتشف الخطر قبل سقوط السقف.

 

لا تبدو صا الحجر واقعة منفصلة خلال 2026، ففي أول أغسطس انهار عقار كامل في زفتى بمحافظة الغربية نفسها، وأسفر عن وفاة أربعة أشخاص، وبدأت التحقيقات لاحقًا في ملفات العقار وإجراءاته الإنشائية.

 

وفي 11 أغسطس شهدت حدائق القبة بالقاهرة انهيار عقار سكني أدى إلى وفاة شخصين وإصابة ثلاثة آخرين، بما يعكس استمرار نمط الحوادث التي تنتهي غالبًا بتحقيقات ومعاينات بعد وقوع الخسائر بالفعل.

 

ثم شهدت المنيا في سبتمبر انهيار عقار بعزبة شاهين، ما أسفر عن وفاة سيدة وإصابة ابنتها، بينما استدعت النيابة أحد مسؤولي الوحدة المحلية لفحص ملف الترخيص وقرارات الإزالة ومدى المسؤولية الإدارية.

 

ويعكس تسلسل هذه الوقائع خلال أسابيع متقاربة مشكلة تتجاوز مبنى واحدًا، لأن الخطر يظهر في عقارات قديمة ومخالفة وحديثة الإنشاء أيضًا، ما يضع كفاءة الرقابة المحلية والفحص الهندسي الدوري تحت ضغط متزايد.

 

ويرى الدكتور محمود عبد الحي، الرئيس الأسبق لمعهد التخطيط العمراني، في تصريحات سابقة، أن انهيار المباني يرتبط بفساد داخل المحليات وتعقيدات إجراءات الترخيص، وهي قراءة تحمل الإدارة المحلية مسؤولية مباشرة عن جانب من الأزمة.

 

 

قرارات كثيرة وتنفيذ محدود

 

تظهر البيانات الرسمية القديمة اتساع حجم المشكلة، إذ سجل تعداد 2017 نحو 97 ألفًا و535 مبنى غير قابل للترميم ومطلوب هدمه، إلى جانب ملايين المباني التي تحتاج درجات متفاوتة من الإصلاح والترميم.

 

وتكتسب هذه الأرقام خطورتها لأن المشكلة ليست مجرد وجود مبانٍ قديمة، بل في الفارق بين اكتشاف الخطر وتنفيذ القرار، وبين معرفة حالة العقار وقدرة السكان على مغادرته أو تمويل أعمال إصلاحه.

 

وفي تقرير حكومي سابق عن مخالفات البناء حتى سبتمبر 2017، بلغ عدد المباني المخالفة نحو 2.87 مليون، بينما ظلت قرارات إزالة كثيرة دون تنفيذ، وبينها عشرات الآلاف من الحالات المصنفة خطرة.

 

هذا الإرث لا يمكن اعتباره تاريخًا منتهيًا، لأن حوادث 2026 تكشف استمرار الحاجة إلى قاعدة بيانات محدثة ومعلنة للعقارات الخطرة، مع جداول تنفيذ واضحة ومسؤوليات محددة يمكن محاسبة الجهات المحلية عليها.

 

ويقول الباحث العمراني يحيى شوكت، المتخصص في سياسات الإسكان والعمران، إن دور الحكومة اقتصر في حالات كثيرة على إصدار قرارات إزالة أو ترميم دون تنفيذ كافٍ، منتقدًا ضعف تفعيل أدوات القانون والتمويل الوقائي.

 

وطالب شوكت في طرح سابق بمسح شامل للعقارات الخطرة وجدولة التدخل وفق درجة الخطورة، وتفعيل موارد تسمح بالترميم قبل الانهيار، وهو ما يعكس نقدًا مبكرًا لنمط الإدارة القائم على رد الفعل.

 

وتزداد الأزمة حدة عندما يصبح المواطن أمام خيارين قاسيين، البقاء داخل مسكن متدهور أو مغادرته من دون بديل مناسب، وهي معادلة تجعل قرار الإخلاء وحده عاجزًا عن حماية الأسر محدودة الدخل.

 

ولهذا فإن المعالجة الأمنية أو الهندسية بعد الحادث لا تكفي وحدها، لأن الوقاية تتطلب سياسات إسكان وصيانة وتمويل وتعويض وإيواء بديل، وليس مجرد لجنة تصل بعد سقوط السقف أو انهيار العقار بالكامل.

 

 

الفقراء في مواجهة الخطر

 

تضع أزمة العقارات المتهالكة الفئات الأقل دخلًا أمام مخاطر مضاعفة، لأن القدرة على تمويل الترميم أو الانتقال إلى مسكن آخر محدودة، فيما تمثل تكلفة البديل السكني عبئًا ثقيلًا على الأسر محدودة الدخل.

 

وتصبح القرية أو الحي الشعبي أكثر تعرضًا للمشكلة عندما يغيب الفحص الدوري، خصوصًا في المنازل القديمة ذات الأسقف الخشبية أو المباني التي تعرضت للرطوبة والتعديلات المتراكمة من دون إشراف هندسي منظم.

 

وفي حالة صا الحجر، لم يحتج الأمر إلى انهيار مبنى كامل حتى تصبح حياة فتاة مراهقة مهددة، فسقوط سقف غرفة واحدة كان كافيًا لحبسها تحت الأنقاض واستدعاء قوات الإنقاذ والإسعاف.

 

وتنتقد منال الطيبي، المدافعة عن الحق في السكن والمديرة السابقة لمركز متخصص في هذا الملف، السياسات التي دفعت الفقراء خارج سوق السكن المنظم، معتبرة أن غياب البدائل يزيد الاعتماد على مساكن غير آمنة.

 

وتشير انتقادات الطيبي السابقة إلى أن أزمة السكن لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، لأن مطالبة الأسرة بمغادرة منزل خطر من دون بديل قابل للتحمل ماليًا قد تنقلها من خطر الانهيار إلى التشرد.

 

ومن هنا تبدو مسؤولية الحكومة أوسع من إصدار قرارات إزالة، إذ تشمل تمويل الترميم، ومراجعة المباني دوريًا، وتوفير بدائل مؤقتة أو دائمة، وربط المحليات بنظام إنذار مبكر للشكاوى والتصدعات الظاهرة.

 

وتكشف حوادث زفتى وحدائق القبة والمنيا وصا الحجر خلال فترة قصيرة أن الخطر ليس افتراضًا نظريًا، بل واقع متكرر يسقط بين قتيل ومصاب وناجٍ، ثم يبدأ السؤال الرسمي المعتاد عن الأسباب والمسؤوليات.

 

وبحسب منتقدي السياسات الحالية، فإن بقاء نمط التحرك بعد الكارثة يعني أن الأسر ستظل الطرف الذي يكتشف الخطر بجسده، بينما تأتي اللجان والتحقيقات بعد أن تكون الخسائر قد وقعت بالفعل.

 

وتمنح نجاة روان من تحت الأنقاض فرصة لقراءة الحادث باعتباره إنذارًا لا خاتمة سعيدة، لأن سلامة فتاة واحدة هذه المرة لا تلغي السؤال الأكبر عن آلاف الأسر التي تعيش داخل مبانٍ متدهورة.

 

ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل الرقابة على العقارات من استجابة طارئة إلى سياسة يومية قابلة للقياس والمحاسبة، حتى لا يصبح وصول فرق الإنقاذ أسرع من وصول أجهزة الدولة إلى أسباب الخطر قبل وقوعه.