يفتح قرار نزع الملكية المرتبط بمحور المرج بابًا واسعًا للقلق بين سكان مناطق مكتظة في القاهرة والقليوبية، بعدما انتقل المشروع من مرحلة التخطيط العام إلى قرار رسمي يسمح بالاستيلاء المباشر على الأراضي والعقارات اللازمة للتنفيذ.

 

يكشف توقيت القرار وتعقيداته عن مواجهة حساسة بين هدف حكومي معلن بتوسيع شبكة الطرق وتقليل الاختناقات، وبين حق آلاف السكان في معرفة مصير مساكنهم وقيمة التعويضات والبدائل الممكنة قبل أن تتحول الخرائط إلى جرافات على الأرض.

 

 

قرار نافذ ومسار لم يُحسم

 

صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2449 لسنة 2026 في 17 أغسطس، ونُشر في الجريدة الرسمية يوم 10 سبتمبر، معتبرًا مشروع إنشاء محور المرج في القاهرة والقليوبية من أعمال المنفعة العامة وفق قانون نزع الملكية.

 

منح القرار الهيئة العامة للطرق والكباري سلطة الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات اللازمة للمشروع، وربط ذلك بالمواقع والمساحات والحدود وأسماء الملاك الظاهرين والرسوم والإحداثيات والكشوف المرفقة بالمذكرة الإيضاحية.

 

وتكشف المذكرة أن الهيئة رصدت تعارضات بين التنفيذ وبعض الأراضي والعقارات، وقدرت التعويضات المبدئية بنحو 620 مليون جنيه داخل القاهرة وستة مليارات جنيه داخل القليوبية، بإجمالي أولي يقترب من 6.62 مليار جنيه.

 

كما أرفق بالقرار 107 كشوف معتمدة لأسماء الملاك الظاهرين، و21 كشفًا لإحداثيات مسار المشروع، و17 خريطة للتخطيط الإجمالي، وهي أرقام تعكس اتساع الملف الإداري والاجتماعي الذي يسبق أي تنفيذ ميداني واسع.

 

في المقابل، قالت تقارير عن اجتماع وزير النقل مع أربعة نواب في 15 سبتمبر إن التصميم الهندسي النهائي لم يُحسم بعد، وإن لجنة مشتركة ستعيد دراسة المسار والبدائل الممكنة لتقليل الإزالات.

 

يزيد هذا التطور من حساسية المشهد، لأن قرار المنفعة العامة أصبح نافذًا بينما تقول وزارة النقل إن المسار النهائي ما زال قيد المراجعة، بما يترك السكان أمام قرار قانوني قائم وتفاصيل تنفيذية غير مكتملة.

 

ويرى الباحث العمراني إبراهيم عز الدين، مدير السياسات في ديوان العمران، أن المشكلة في سياسات نزع الملكية لا تتوقف عند مبدأ المنفعة العامة، بل تمتد لاتساع تعريفها وغياب معايير مستقلة للضرورة والتناسب.

 

وتكتسب ملاحظته أهمية في حالة محور المرج، لأن النقاش لم يعد متعلقًا برفض طريق جديد من حيث المبدأ، وإنما بمدى إثبات أن كل إزالة محتملة ضرورية فعلًا ولا يمكن تجنبها بمسار هندسي أقل كلفة اجتماعية.

 

وتقول الرواية الحكومية إن المحور يستهدف ربط التجمعات العمرانية على جانبي الطريق الدائري وتحسين الحركة بين المرج والخانكة وأبو زعبل، وهو هدف مروري معلن، لكنه لا يحسم وحده سؤال البدائل والتناسب مع الضرر.

 

ويصبح الفارق بين التخطيط والتنفيذ حاسمًا حين تكون المنازل والمحلات ومصادر الرزق جزءًا من المعادلة، لأن الخطأ في اختيار المسار لا يعني تعديل خط على ورق فقط، بل نقل أسر وتغيير شبكة حياة كاملة.

 

 

تعويضات ضخمة وأسئلة العدالة

 

ينص القانون بعد تعديله على تقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة 20 في المائة، وإيداع كامل المبلغ خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في حساب مخصص لإجراءات النزع.

 

لكن قيمة التعويض القانونية لا تنهي الخلاف بالضرورة، لأن سعر العقار لا يساوي دائمًا تكلفة الانتقال الفعلية، خصوصًا في مناطق ترتبط فيها الأسرة بالعمل والمدرسة والمواصلات وشبكات الأقارب والخدمات القريبة منذ سنوات طويلة.

 

ويقول المحامي بالنقض إبراهيم ناير إن شكاوى المتضررين من نزع الملكية تتكرر بسبب تقدير التعويضات بأقل من القيمة التجارية، أو بسبب تآكل القيمة الحقيقية للأموال مع التضخم وطول الإجراءات قبل حصول أصحاب الحقوق عليها.

 

وتظهر حساسية هذه النقطة بوضوح في مشروع المرج، فالتقدير المبدئي الرسمي يتجاوز 6.6 مليار جنيه، بينما نُقل عن وزير النقل أن اعتمادات نزع الملكية والتنفيذ لم تُخصص حتى 15 سبتمبر 2026.

 

هذا التباين بين وجود تقديرات مالية مبدئية في قرار رسمي وعدم وجود اعتمادات مخصصة بحسب تصريحات الوزير يفتح أسئلة إجرائية مشروعة حول توقيت الإيداع، وآلية تحديث التقييمات، وضمان عدم تحميل السكان كلفة التأخير.

 

ويمنح القانون أصحاب الشأن حق الاعتراض على تقديرات التعويض وفق الإجراءات المقررة، كما يرتب تعويضًا إضافيًا عند تأخر الجهة طالبة النزع في الإيداع، لكن ممارسة هذه الحقوق تتطلب إعلانًا واضحًا ووصولًا فعليًا للمستندات.

 

ولا يقتصر التعويض العادل على رقم إجمالي تعلنه الدولة، بل يتطلب أن يعرف كل مالك أو صاحب حق كيف قُيّمت وحدته وأرضه ونشاطه، وما المعايير المستخدمة، وما الطريق المتاح للاعتراض قبل فقدان الحيازة فعليًا.

 

وتزداد المخاوف مع المناطق ذات الملكيات المتشابكة أو العقود القديمة أو حالات الميراث غير المكتملة، لأن أي خلل في إثبات الحقوق قد يحول الملف من مسألة هندسية إلى نزاع قانوني طويل تتحمل الأسر كلفته.

 

ومن هنا يصبح نشر الخرائط والكشوف التفصيلية بصورة مفهومة، مع فتح باب مراجعة حقيقية أمام المتضررين، اختبارًا أساسيًا لعدالة التنفيذ، لا إجراءً شكليًا يسبق الهدم ثم يترك المواطنين لملاحقة حقوقهم بعد وقوع الضرر.

 

 

بدائل هندسية تحت ضغط الأهالي

 

طرح نواب الدائرة خلال اجتماعهم مع وزير النقل بدائل هندسية، من بينها الاستفادة من مسار خط القطار في بعض المناطق المزدحمة، وانتهى الاجتماع إلى تشكيل لجنة مشتركة لإعادة دراسة المسار وتقليل حجم الإزالات.

 

ويعني قبول إعادة الدراسة أن البدائل ليست افتراضًا نظريًا، وأن المسار المتداول ليس قدرًا هندسيًا نهائيًا، وهو ما يمنح مطالب السكان بمراجعة مناطق الكثافة العمرانية أساسًا عمليًا ينبغي اختباره قبل تثبيت أي إزالة.

 

وتنتقد الباحثة في الأنثروبولوجيا العمرانية أمنية خليل نمط التخطيط من أعلى إلى أسفل، وترى أن غياب المشاركة المجتمعية يفاقم أزمات الإخلاء، وأن السكان يجب أن يكونوا طرفًا في صياغة الحلول لا مجرد متلقين للقرارات.

 

وفي حالة المرج والخانكة، تعني المشاركة أكثر من عقد اجتماع شكلي؛ فهي تتطلب عرض المسارات البديلة ونتائج الدراسات المرورية والهندسية، وتفسير أسباب رفض كل بديل، وإتاحة وقت كافٍ للسكان لتقديم اعتراضات فنية وقانونية.

 

ولا يمكن فصل ملف المحور عن سوابق نزع ملكية مرتبطة بمشروعات طرق وتطوير عمراني في مصر، حيث وثق باحثون ومحامون نزاعات متكررة بشأن الشفافية وقيمة التعويض وبدائل الإزالة ومدى التشاور مع المجتمعات المتأثرة.

 

وفي الوقت نفسه، لا يعني الاعتراض على مسار بعينه رفض تطوير الطرق، فحتى النواب الذين طالبوا بإعادة الدراسة أكدوا دعمهم للمشروع من حيث المبدأ، لكنهم شددوا على ضرورة تقليل الضرر وصيانة حقوق المواطنين وممتلكاتهم.

 

ويضع هذا الموقف المسؤولية على الجهة المنفذة لتقديم برهان هندسي واضح بأن كل عقار يدخل نطاق النزع لا يوجد بديل واقعي لتجنبه، خاصة بعدما أكدت الوزارة نفسها أن التصميم النهائي لم ينته بعد.

 

ويبقى الاختبار العملي قبل أي إخلاء في مدى وضوح المسار والبدائل والتعويضات وضمانات الاعتراض، لأن تنفيذ طريق يخدم الحركة لا يلغي الالتزامات القانونية تجاه السكان ولا يحسم وحده التوازن بين المنفعة العامة وحقوق الملكية.