تكشف التفاهمات المصرية السعودية الجديدة حدود سياسة اقتصادية تنتظر انفراجاتها من الخارج، بعدما تحدث مصدر رفيع بوزارة المالية عن استثمارات تتجاوز عشرة مليارات دولار وتجديد وديعة تستحق بداية أكتوبر المقبل.
وتضع زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للقاهرة الحكومة أمام أسئلة تتجاوز الاحتفاء بالأرقام، بشأن كلفة التمويل وشروط الاستثمار وحدود العلاقة بين الاحتياجات الاقتصادية المصرية وحسابات الأمن السعودي.
تجديد الوديعة يؤجل اختبار السداد
بحسب المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، حصل الجانب المصري على موافقة سعودية مبدئية لتجديد وديعة بقيمة 5.3 مليارات دولار، بالتزامن مع تفاهمات بشأن ضخ استثمارات منفصلة عن الودائع القائمة.
وجاءت التفاهمات عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي ولي العهد السعودي، الثلاثاء، في لقاء ثنائي أعقبه اجتماع موسع، بينما يفترض أن تبدأ أعمال التنسيق بشأن الاستثمارات خلال أكتوبر المقبل.
لكن وصف الاتفاق بالمبدئي يفرض حدودًا واضحة لما يمكن استخلاصه، فالموافقة الأولية لا تعني توقيع العقود أو تحويل الأموال، ولا تكشف وحدها مواعيد التنفيذ وشروطه وضمانات الوفاء بالتعهدات المعلنة.
ويمثل تجديد الوديعة، إذا اكتمل، تخفيفًا لضغط السداد القريب، لكنه لا يلغي أصل الالتزام، ولذلك لا يجوز احتسابه باعتباره أموالًا جديدة تدخل الاقتصاد أو حصيلة استثمارية إضافية قابلة للإنفاق.
وتعود خلفية الملف إلى إيداع السعودية خمسة مليارات دولار في مارس 2022، بينما تبلغ الودائع الواردة في المعلومات المقدمة 10.3 مليارات دولار، موزعة بين آجال قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.
وبهذا المعنى، تصبح المهلة الجديدة فرصة مشروطة بطريقة استخدامها، فإذا انقضت دون زيادة مستدامة في موارد النقد الأجنبي، ستعود الحكومة إلى اختبار السداد نفسه عند حلول الاستحقاق التالي مجددًا.
وفي نقد سابق للاستحواذات الخليجية، ربط الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني بين سياسات بيع الأصول الرابحة وتفاقم الاعتماد على الخارج، محذرًا من اختزال تدفقات الأموال في بعدها الاقتصادي وإغفال آثارها السياسية.
لا يمثل هذا الموقف تعليقًا على التفاهمات الحالية، لكنه يضع أمامها سؤالًا جوهريًا، هل تمنح الحكومة الاقتصاد وقتًا لإصلاح اختلالاته، أم تستخدم الدعم المتجدد لإطالة عمر السياسات التي تحتاج المراجعة؟
وتقتضي المحاسبة إعلان مدة التجديد وتكلفته وشروطه، بدل ترك تفاصيل التزام بمليارات الدولارات محصورة في تصريحات مجهلة، خصوصًا أن الجمهور معني بمعرفة كيفية إدارة الموارد والالتزامات الخارجية للدولة على السواء.
استثمارات ضخمة وأسئلة الملكية معلقة
تشمل القطاعات المرشحة للاستثمارات الطاقة الجديدة والمتجددة والنفط واللوجستيات والأمن الغذائي والسياحة والبنية التحتية والتطوير العقاري، وهي مجالات يمكن أن توسع الإنتاج، لكنها تستدعي أيضًا تدقيقًا في طبيعة الملكية والعوائد.
ولا توضح المعلومات المتاحة نسبة المشروعات الجديدة إلى عمليات شراء الحصص والأصول القائمة، وهذا فارق حاسم، لأن انتقال الملكية لا يضمن تلقائيًا إضافة مصانع أو وظائف أو طاقات تصديرية.
أما المشروعات الجديدة فتحتاج بدورها إلى تقييم يتجاوز قيمة الإعلان، يشمل حجم المكون المستورد والتمويل المحلي والحوافز المقدمة، وصولًا إلى صافي ما تضيفه فعليًا من عملة أجنبية وفرص عمل.
وفي تصريحات سابقة تنتقد إدارة الأصول العامة، حذر مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، من مستثمرين يستهدفون أراضي الشركات ومعداتها، بدل تطوير نشاطها الإنتاجي وزيادة كفاءتها.
وطالب نافع كذلك بمزيد من الشفافية بشأن مصير الشركات، وتعزيز الرقابة المالية والبرلمانية، وهو نقد لسياسات محددة في إدارة المال العام، وليس موقفًا معلنًا منه بشأن حزمة الاستثمارات السعودية الجديدة.
ويجعل هذا النقد السؤال عن العقود أكثر إلحاحًا من السؤال عن الرقم الإجمالي، فالتقييم المستقل للأصول وشروط التشغيل وحماية المنافسة عناصر تحدد ما إذا كانت الصفقة تخدم الاقتصاد فعلًا.
ولا يمكن افتراض أن الاتفاقات المرتقبة تتضمن بيع أصول قبل إعلان تفاصيلها، لكن اتساع القطاعات المطروحة يفرض على الحكومة نشر طبيعة كل مشروع وحجم المشاركة العامة والخاصة فيه بوضوح.
وفي الطاقة والأمن الغذائي والموانئ، ينبغي أن تتقدم اعتبارات استمرارية الخدمة وتأمين الاحتياجات المحلية على سباق الإعلان، لأن أثر القرارات الاستثمارية في هذه المجالات يمتد إلى حياة المواطنين اليومية.
وتحتاج الحوافز بدورها إلى كشف حساب، فالإعفاءات والأراضي والمرافق التي تقدمها الدولة لها تكلفة، ولا يكفي إعلان تدفق دولاري كبير دون توضيح ما تتحمله الخزانة والمجتمع للحصول عليه فعليًا.
ويظل الاختبار الأكثر مباشرة هو نصيب المواطنين من النتائج، عبر وظائف مستقرة وإنتاج إضافي وخدمات أفضل، أما الاكتفاء بتغيير الملاك أو تضخيم التقييمات العقارية فلا يقدم إجابة كافية عن التنمية.
التصعيد الحوثي يضاعف أسئلة التوقيت
يتزامن التحرك الاقتصادي مع التصعيد الحوثي ضد السعودية الوارد في المادة الأصلية، بما يشمل هجمات على مدن ومنشآت اقتصادية، وهو سياق يفتح باب التحليل السياسي دون أن يحسم دوافع الاتفاق.
وتمنح هذه الظروف التقارب المصري السعودي أهمية إضافية، بالنظر إلى وزن البلدين ومصالحهما في البحر الأحمر، لكن التزامن بين حدثين لا يثبت أن أحدهما ثمن مباشر للآخر بالضرورة وحده.
وفي تقييم سابق للاستثمارات الخليجية، رأى الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله أنها تجمع بين أهداف اقتصادية وتوسيع النفوذ السياسي، مع إعطاء السعودية أولوية للربحية، بحسب التقدير المنشور المنسوب إليه.
ويساعد هذا الرأي في فهم تداخل المصالح، لكنه لا يثبت وجود تفاهم أمني وراء الحزمة الحالية، ولا يجيز نسبة موقف إلى صاحبه بشأن زيارة لم يتناولها التصريح السابق أصلًا.
ولم تتضمن المعلومات المقدمة عن البيان الرسمي أو تصريحات المصدر إشارة مباشرة تربط الاستثمارات بالتصعيد الحوثي، ولذلك يبقى الحديث عن مقايضة مالية أمنية فرضية تحتاج أدلة مستقلة وواضحة ومعلنة.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل على المقايضة لا يعفي الحكومة من شرح حساباتها، خصوصًا عندما تتزامن التزامات مالية كبيرة مع اضطرابات إقليمية قد تفرض خيارات سياسية وأمنية عالية الكلفة.
ويحق للمواطنين معرفة الأهداف الاقتصادية المعلنة للتفاهمات، وأي التزامات إضافية يجري إقرارها إن وجدت، بدل ترك المجال بين خطاب احتفالي بالأموال وتأويلات سياسية تتوسع على حساب نقص المعلومات الرسمية.
كما أن حماية المصالح المصرية في الملاحة والتجارة تستحق نقاشًا مستقلًا وواضحًا، حتى يمكن تقييم القرارات الإقليمية وفق منافعها ومخاطرها، بعيدًا عن افتراض أن كل دعم اقتصادي يفسرها وحده.
وتبدأ المسؤولية الحكومية بنشر ما يمكن نشره من الاتفاقات والجداول التنفيذية، وإتاحة رقابة فعلية على شروطها، لأن الغموض يحول الأرقام الكبيرة إلى مادة للدعاية أكثر مما يجعلها أساسًا للمحاسبة.
وتواجه الحكومة اختبارًا يتجاوز نجاحها في تأجيل استحقاق أو جذب تعهد، فالمطلوب تحويل الفرصة إلى إنتاج ودخل مستدامين، وإلا بقيت المليارات عنوانًا لانفراجة مؤقتة تؤجل الأسئلة بدل الإجابة عنها.

