تجددت أصداء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مع سماع دوي عدة انفجارات في جزيرة قشم الإيرانية، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات الأمنية والسيبرانية، وتبادل الاتهامات بشأن العمليات العسكرية والاستخباراتية، فيما كشفت تقارير أميركية حديثة عن حجم كبير من الإنفاق العسكري ونقص في مخزونات الذخائر الأميركية بعد أشهر من القتال.
وقالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا»، نقلاً عن مصادر محلية، إن عدة انفجارات سُمعت في جزيرة قشم، مشيرة إلى أن الأصوات بدت آتية من جهة البحر. ولم تتضح حتى الآن طبيعة الانفجارات أو ما إذا كانت قد أسفرت عن أضرار أو خسائر بشرية. ويأتي ذلك في ظل توتر متزايد حول المناطق الساحلية الإيرانية ومضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية.
انفجارات جديدة قرب مضيق هرمز
تأتي التطورات في قشم بعد سلسلة حوادث وانفجارات شهدتها مناطق ساحلية إيرانية خلال سبتمبر، بينها مناطق في محافظة هرمزجان. وكانت تقارير سابقة قد أشارت أيضاً إلى سماع انفجارات في سيرِيك وميناب وقشم، بينما قالت السلطات المحلية في بعض الحالات إن أصوات الانفجارات جاءت من جهة البحر، من دون تقديم تفاصيل كاملة بشأن أسبابها.
وتكتسب قشم أهمية استراتيجية بسبب موقعها بالقرب من مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة رئيسية لحركة ناقلات النفط والغاز. ولذلك فإن أي حادث أمني في محيط الجزيرة أو الممرات البحرية القريبة منها يثير اهتماماً واسعاً، خصوصاً في ظل استمرار تداعيات الحرب والمخاطر المرتبطة بحركة السفن.
وكانت سفينة إيرانية قد تعرضت لهجوم قرب قشم خلال الأيام الماضية، بحسب تقارير إعلامية، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين، فيما لم تعلن الولايات المتحدة مسؤوليتها عن الحادث. وأدى التصعيد البحري إلى تأجيل اجتماع كان مقرراً في سلطنة عمان لمناقشة إدارة الملاحة في مضيق هرمز.
طهران تتحدث عن مخطط من كردستان
وفي تطور مرتبط بالشق الأمني من الحرب، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده أحبطت، خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، تحركات أميركية وإسرائيلية كان من المفترض أن تستغل أراضي إقليم كردستان العراق لتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية ضد إيران.
وجاءت تصريحات قاليباف خلال لقاء مع بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، في طهران، حيث ناقش الطرفان ملفات أمن الحدود والتطورات الإقليمية وتداعيات العمليات العسكرية التي بدأت في 28 فبراير. وقال قاليباف إن إحباط التحركات تم، وفق الرواية الإيرانية، نتيجة الجاهزية العسكرية والتنسيق مع أطراف في المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحظى فيه مناطق إقليم كردستان العراق باهتمام عسكري وأمني كبير، خصوصاً مع وجود جماعات كردية إيرانية معارضة في الإقليم، وتحول بعض مناطقها إلى جزء من المشهد الأمني للحرب. وقد تحدثت تقارير سابقة عن تعرض مواقع تابعة لجماعات كردية إيرانية لهجمات خلال الصراع.
وبذلك تواصل طهران تقديم الحرب باعتبارها صراعاً متعدد المسارات، لا يقتصر على الضربات الجوية والصاروخية، وإنما يمتد إلى الحدود والعمليات الاستخباراتية والأمن السيبراني.
إيران تتمسك ببرنامجها النووي
وفي فيينا، دافع المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي عن طبيعة البرنامج النووي لبلاده، مؤكداً أن طهران لا تعتزم التخلي عن برنامجها، ومشدداً على أن الهجمات العسكرية وعمليات التخريب والاغتيال لن تتمكن من القضاء على البنية العلمية والصناعية التي طورتها إيران.
وجاءت تصريحاته خلال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي بدأ أعماله في فيينا في 14 سبتمبر ويستمر حتى 18 من الشهر نفسه. ويبحث المؤتمر ملفات الطاقة النووية والسلامة والأمن النووي والضمانات والتعاون الفني بين الدول الأعضاء.
وتقول طهران إن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وتستند في دفاعها عن موقفها إلى عضويتها في معاهدة عدم الانتشار النووي والتزاماتها المعلنة تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما انتقد كمالوندي منع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي من المشاركة في المؤتمر، واعتبر الخطوة، وفق الرواية الإيرانية، نتيجة لضغوط أميركية. وكانت طهران قد طلبت كذلك إدراج موضوع منع الهجمات والتهديدات ضد المنشآت النووية الخاضعة لضمانات الوكالة على جدول أعمال المؤتمر.
في المقابل، يمثل غياب عمليات التفتيش الميدانية الكاملة داخل إيران منذ تجدد الحرب أحد أبرز الملفات التي تثير القلق لدى الوكالة. ووفق تقارير مرتبطة بالمؤتمر، قال المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إن الوكالة اضطرت إلى سحب مفتشيها من إيران بعد تجدد الهجمات، ولم تُجرَ سوى عملية تفتيش واحدة في محطة بوشهر خلال يونيو، وهو ما ترك فجوات في المعلومات المتعلقة بالمواد والمنشآت النووية الإيرانية.
عراقجي يرد على رواية ضعف إيران
وعلى المستوى السياسي، رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ما وصفه بالرواية التي تتحدث عن عدم امتلاك بلاده وسائل دفاعية فعالة.
وقال عراقجي، في منشور باللغة الإنجليزية، إن إيران تملك قدرات عسكرية، مستشهداً بما وصفها بخسائر تعرضت لها القوات والمنشآت الأميركية خلال الحرب. وأشار إلى أن ما ظهر حتى الآن لا يمثل، بحسب تعبيره، سوى جزء من الخسائر، متوعداً بكشف مزيد من التفاصيل في الوقت المناسب.
وتأتي تصريحات عراقجي بالتزامن مع استمرار الجدل بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالقوات الأميركية والقواعد التابعة لها في المنطقة، وهي مسألة أصبحت أكثر وضوحاً مع صدور تقرير المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية، الذي قدم أرقاماً تفصيلية عن تكلفة العمليات خلال الأشهر الأولى من الحرب.
واشنطن تواجه نقصاً في الذخائر
كشف تقرير المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية أن العمليات العسكرية ضد إيران خلال الفترة من 28 فبراير حتى 30 يونيو أدت إلى استهلاك كبير من الذخائر وظهور اختناقات في سلاسل الإمداد.
وبحسب التقرير، بلغت التكلفة المقدرة للعمليات خلال تلك الفترة نحو 33.4 مليار دولار، بينها 22.3 مليار دولار للذخائر وحدها، و3.7 مليارات دولار لخسائر المعدات، بينما بلغت النفقات الأخرى نحو 7.4 مليارات دولار. كما خلص التقرير إلى أن حجم الذخائر المستخدمة أدى إلى ظهور نقص استراتيجي في المخزونات وكشف عن اختناقات في قدرة قطاع الصناعات الدفاعية على إعادة الإمداد.
ويشير التقرير إلى أن وزارة الدفاع الأميركية تعمل على تسريع عمليات الشراء وتقليص فترات الإنتاج، إلى جانب تخزين مواد ومكونات أساسية وذخائر مختارة، بهدف تحسين القدرة على التعامل مع أي طارئ مستقبلي.
كما وثق التقرير خسائر في المعدات العسكرية الأميركية، من بينها تدمير ما لا يقل عن 30 طائرة مسيرة كبيرة، فضلاً عن أضرار لحقت بطائرات ومعدات وقواعد عسكرية أميركية في المنطقة. وأشار إلى أن مركز الدعم اللوجستي الرئيسي للبحرية الأميركية في البحرين تعرض لهجمات إيرانية بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية.
وامتدت كلفة الحرب إلى الوجود الأميركي خارج ساحات القتال المباشرة، إذ جرى نقل أكثر من 20 ألفاً من العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين من مواقعهم، بينما نفذت القوات الأميركية آلاف الرحلات الجوية من قواعد أوروبية دعماً للعمليات.
أضرار تتجاوز 208 ملايين دولار
ولم تقتصر الخسائر التي رصدها التقرير على القوات المسلحة الأميركية، إذ سجلت وزارة الخارجية أضراراً وخسائر تجاوزت 208 ملايين دولار في العراق والكويت والسعودية والإمارات.
وشملت الخسائر نحو 184 مليون دولار مرتبطة بأضرار في منشآت دبلوماسية، إلى جانب نحو 25 مليون دولار نتيجة تأخيرات في مشروعات بناء. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التأثيرات المباشرة للحرب على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، حتى خارج المواقع التي شهدت عمليات قتالية مباشرة.
وتزامن نشر التقرير مع استمرار الجدل داخل واشنطن حول حجم المخزون العسكري وقدرة الولايات المتحدة على تعويض ما استُهلك من صواريخ وذخائر خلال الحرب.
تحذير غربي من تجسس إيراني
وفي مسار آخر من الصراع، أصدرت بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا تحذيراً مشتركاً بشأن برنامج تجسس إلكتروني قالت أجهزة الأمن في الدول الثلاث إنه مرتبط بجهات إيرانية ويستهدف معارضين ونشطاء وصحفيين.
وحدد التحذير برنامجاً خبيثاً يعرف باسم «تشوزن بريك»، يمكنه سرقة رسائل البريد الإلكتروني والمراسلات وبيانات جهات الاتصال وحسابات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التقاط محتوى شاشة الجهاز والوصول إلى الميكروفون. وقال المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني إن البرنامج استُخدم في حملات تصيد تستهدف أشخاصاً عبر منصات مثل واتساب وتليجرام.
ووفق التحذير، كان المهاجمون ينتحلون أحياناً هوية أشخاص أو جهات موثوقة للتواصل مع الضحايا، ثم يقدمون ملفات وروابط مصممة خصيصاً لإقناعهم بفتحها. وشملت بعض الأساليب استخدام وثائق طبية مزيفة، بينها نتائج مزعومة لفحوص بالرنين المغناطيسي.
وقالت الأجهزة الغربية المشاركة في التحذير إن لديها تقييماً مرتفع الثقة بأن جهات مرتبطة بالدولة الإيرانية تستخدم هذه العمليات لجمع المعلومات وتسريب البيانات والإضرار بسمعة المستهدفين. كما حذر المركز البريطاني من ظهور بيانات بعض الضحايا في مواقع تسريبات مؤيدة لإيران.

