خلف واجهة المتحف المصري الكبير، يفتح ملف تعويضات العقارات المنزوعة سؤالًا قاسيًا عن كلفة المشروعات حين يتحملها المواطن وحده؛ فبحسب سؤال برلماني، مضت نحو خمس سنوات دون تسوية المستحقات التي تلت عمليات الإزالة.
الأرقام التي أعلنها المهندس إيهاب منصور تضع الحكومة أمام مسؤولية ثقيلة: خمسة ملايين جنيه فقط جرى تحويلها من إجمالي مليار و340 مليونًا، بينما ينتظر أصحاب الحقوق تعويضات يفترض أن تحميهم من تبعات فقدان ممتلكاتهم.
الإزالة أولًا والحقوق خارج الحسابات
بحسب منصور، استندت الإزالات إلى قرار نزع الملكية رقم 2836 لسنة 2021، المعدل بالقرار رقم 3108، ضمن مشروع لتوسعة ساحة انتظار المتحف وإنشاء محلات تجارية تخدم زواره في محافظة الجيزة.
هذه التفاصيل تجعل الأزمة أبعد من تأخر معاملة إدارية؛ فالدولة حددت الأرض المطلوبة واستخداماتها، ونفذت الإزالة وفق الرواية البرلمانية، لكن استكمال التزاماتها المالية تجاه المتضررين ظل عالقًا طوال سنوات الانتظار.
ويرى المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، أن تأخر التعويضات يخالف الضمانات الدستورية والقانونية، مستندًا إلى اشتراط المادة 35 دفع التعويض العادل مقدمًا عند نزع الملكية للمنفعة العامة.
ويمثل اعتراض منصور اتهامًا سياسيًا مباشرًا لطريقة إدارة الملف: كيف تُستكمل إجراءات انتزاع العقارات، بينما لا تصل المستحقات لأصحابها؟ وأين كانت ضمانات التمويل حين تحولت قرارات النزع إلى إزالة فعلية؟
واستنادًا إلى الأرقام المعلنة، لا تتجاوز الأموال المحولة نحو 0.37% من إجمالي التعويضات، بما يترك فجوة تقارب مليارًا و335 مليون جنيه؛ وهي نسبة تكشف ضآلة التمويل قياسًا بحجم الالتزام المعلن.
لكن الدقة تفرض التمييز بين تحويل الأموال للجهة المختصة وصرفها للمواطنين؛ فالمعلومات الواردة لا تقدم كشفًا تفصيليًا بالمستفيدين، ولا تثبت أن كامل الملايين الخمسة وصل بالفعل إلى أصحاب الحقوق المستحقة.
هذا الغموض يضاعف مسؤولية الحكومة عن نشر حساب واضح: كم اعتمدت، وكم حولت، وكم صرفت، ولمن؟ فالأسر المتضررة لا تستطيع بناء استقرار جديد على أرقام إجمالية تتنقل بين الجهات الرسمية.
ولا تتضمن المادة المتاحة ردًا حكوميًا يفسر هذه الفجوة أو يفند رواية النائب؛ ولذلك تبقى الوقائع منسوبة إلى سؤاله، بينما يظل تقديم المستندات والجدول الزمني مسؤولية الجهات المعنية أمام المواطنين.
تعويض مؤجل وخسارة تتجدد يوميًا
الانتظار نفسه يحمل كلفة لا تظهر في إجمالي التعويضات؛ فمن يفقد عقاره قد يضطر إلى استئجار بديل أو تغيير نشاطه، بينما يظل المال المستحق بعيدًا عن متناول يده لسنوات طويلة.
وكلما ارتفعت أسعار البدائل خلال فترة التأخير، تراجعت قدرة التعويض المؤجل على استعادة الوضع السابق؛ وهي مشكلة اقتصادية تستوجب تقييمًا معلنًا، بدل الاكتفاء بالتعامل مع المبلغ بوصفه رقمًا ثابتًا في الأوراق.
وفي نقد سابق لسياسات الإزالة، اعترض الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني على تجاهل الأبعاد الاجتماعية للسكان والتعويضات المناسبة، مؤكدًا أن التخطيط العمراني يجب أن يحسن معيشتهم ويقوم على الحوار معهم قبل التنفيذ.
وتحدث الميرغني، في تصريحاته المنشورة خلال يناير 2022، عن تأخر تعويضات سكان بشارع خاتم المرسلين رغم انتهاء المشروع، وطرح تساؤلات بشأن تناسب المقابل المالي مع قيمة الممتلكات التي جرى نزعها.
ولا تتعلق تلك التصريحات مباشرة بملف تعويضات المتحف، لكنها تقدم نقدًا ذا صلة بنمط إدارة الإزالات: إنجاز المشروع لا يكفي لإعلان النجاح ما دامت حقوق المتضررين لم تُسوَّ بصورة عادلة.
وفي الحالة المطروحة، يصبح السؤال الاقتصادي أكثر حدة: لماذا يتحمل صاحب العقار عبء انتظار تمويل مشروع عام بعد فقدان ملكيته؟ وما المبرر لتحويل حقوقه المستحقة إلى التزام مؤجل بلا نهاية معلنة؟
كما أن تسوية أصل التعويض لا تغلق تلقائيًا النقاش حول آثار التأخير؛ إذ يجب بحث الخسائر المثبتة ومسارات المطالبة بها، وفق حالة كل متضرر وما تقرره الجهات المختصة والقضاء بشأنها.
أما الاكتفاء بوعد جديد بالصرف، دون موعد محدد ومبالغ متاحة وآلية متابعة، فيعيد إنتاج الأزمة نفسها؛ لأن المشكلة التي يطرحها السؤال البرلماني هي غياب الوفاء بالحق بعد تنفيذ الإزالة بالفعل.
تنمية تكتمل ومساءلة تظل غائبة
أفاد منصور بأن هيئة المساحة بالجيزة خاطبت المتحف لتوفير الاعتمادات المطلوبة، وهي معلومة تستدعي كشف مسار المكاتبات والقرارات المالية، وتحديد موضع التعطيل بدل ترك المسؤولية موزعة بين جهات متعددة دون حسم.
ولا ينبغي أن تتحول خريطة الاختصاصات إلى متاهة يطارد فيها المواطن حقه؛ فالجهات التي نسقت إجراءات المشروع مطالبة بتنسيق التعويضات بالجدية نفسها، وإعلان مسؤول محدد عن متابعة التنفيذ حتى اكتماله.
ومن زاوية الأثر الاجتماعي، حذر يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والعمران، في حوار منشور خلال أغسطس 2025 عن الإيجار القديم، من تداعيات الإخلاء على استقرار الأسر وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية.
وأوضح شوكت، في سياق انتقاده معالجة ذلك الملف، أن انتقال السكان بعيدًا عن أعمالهم ومدارسهم يزيد الأعباء المالية، وأن كبار السن أكثر تأثرًا بفقدان دوائر الدعم والخدمات القريبة من مساكنهم.
وهذا الرأي يتعلق بملف سكني مختلف، لكنه يوضح جانبًا يجب فحصه هنا: قياس الضرر لا يتوقف عند مساحة العقار، بل يشمل أثر فقدانه على حياة أصحابه وقدرتهم على الاستقرار مجددًا.
لذلك، تقتضي المساءلة نشر حصر للمستحقات وحالات الصرف، مع حماية البيانات الشخصية، وإتاحة مسار واضح للشكاوى والاعتراضات؛ فشفافية الحسابات شرط لمراجعة الأداء، وليست خدمة إضافية تمنحها الإدارة حين تسمح الظروف.
ويظل طلب منصور تحديد الجهة المسؤولة عن تأخر الاعتمادات نقطة البداية؛ إذ لا معنى لمحاسبة بلا أسماء وظيفية وقرارات محددة، ولا قيمة لجدول سداد لا يرتبط بتمويل متاح ومتابعة معلنة.
قيمة المتحف الثقافية لا تعفي الحكومة من هذه المسؤولية؛ فنجاح المشروع يظل منقوصًا حين يقترن بحقوق معلقة، والاختبار الحقيقي الآن هو دفع المستحقات وإنهاء الانتظار، لا مطالبة المتضررين بمزيد من الصبر.

