وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة، الثلاثاء، بينما تتكاثر الضغوط على المملكة، وتنكشف حدود المظلة الأمريكية التي لم تتحول، رغم طلبات الرياض، إلى تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين.

 

وخلف بيانات التضامن والتنسيق، تبرز أسئلة تتجاوز مراسم الاستقبال: ماذا تستطيع القاهرة تقديمه، وكيف تحمي الحكومتان مصالح شعبيهما، بينما تهدد الهجمات صادرات النفط السعودية، ويضاعف اضطراب البحر الأحمر الضغوط على قناة السويس؟

 

 

النفط يكشف حدود الحماية الأمريكية

 

جاءت الزيارة المعلنة قبل ساعات من انعقادها وسط تصعيد حوثي طال أهدافًا عسكرية ومنشآت حيوية سعودية، بالتزامن مع تهديدات للملاحة تجعل حماية الاقتصاد مرتبطة بممرات لا تملك الرياض وحدها تأمينها.

 

لكن قصر الفترة بين الإعلان والوصول لا يثبت أن الزيارة لم تكن مرتبة مسبقًا، مثلما لا يكفي توقيتها للجزم بطلب وساطة مصرية، مهما اتسعت التكهنات المحيطة بأهدافها ومسارات التحرك بعدها.

 

واستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي ولي العهد السعودي في لقاء ثنائي أعقبه اجتماع موسع، وأكدت الرئاسة المصرية دعم المملكة، وضرورة التنسيق لضمان أمن الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.

 

غير أن لغة الدعم الواسعة تترك مضمون الالتزامات مفتوحًا؛ فالبيان لم يحدد أدوات التحرك، ولا حدود المشاركة المصرية المحتملة، ولا كيفية ترجمة التضامن السياسي إلى حماية فعلية للمصالح الاقتصادية والأمنية.

 

ويصف مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، توقيت الزيارة بأنه «حساس للغاية»، رابطًا أهميتها بتزامن التصعيد في اليمن والحرب الأمريكية الإيرانية، وما يفرضه ذلك من مخاطر متشابكة على البلدين.

 

ويرى حسن أن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي يثير مخاوف انتقال التصعيد إلى باب المندب، بما يجعل الملف اليمني وأمن البحر الأحمر من أبرز القضايا المطروحة للنقاش بين القاهرة والرياض.

 

وتوضح هذه القراءة حجم المأزق، لكنها لا تمنح السياسات القائمة شهادة نجاح؛ فتعرض المنشآت والممرات للتهديد يطرح سؤالًا عن فاعلية ترتيبات الحماية، وعن كلفة تأجيل الحلول السياسية حتى تتفاقم الأزمات.

 

وزاد توقف خط أنابيب شرق غرب بعد استهدافه حدة الضغوط، إذ ينقل الخام إلى ميناء ينبع، ويوفر منفذًا للتصدير بعيدًا عن هرمز، قبل أن يصبح هذا البديل نفسه عرضة للتعطيل.

 

وهنا يظهر ضعف تنويع المسارات حين تظل جميعها مكشوفة للتصعيد نفسه؛ فالاستثمار في البنية التحتية لا يضمن استمرار الصادرات إذا غابت ترتيبات إقليمية قادرة على خفض المخاطر المحيطة بها بصورة مستدامة.

 

 

القاهرة بين التضامن وكلفة الالتزام

 

بالنسبة إلى مصر، لا يتعلق الأمر بمساندة حليف فحسب؛ فأي اضطراب ممتد في باب المندب يهدد الطريق إلى قناة السويس، ويضع موردًا اقتصاديًا مهمًا تحت ضغط تطورات تتجاوز قدرة القاهرة المنفردة.

 

لكن اتصال المصالح لا يعفي الحكومة المصرية من توضيح خياراتها؛ فالمواطن الذي يتحمل الأعباء الاقتصادية يحتاج إلى معرفة كيف ستُحمى الإيرادات، وما الالتزامات التي قد تترتب على توسيع التنسيق الأمني.

 

ويقول الخبير الاستراتيجي والمستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الدكتور محمد مجاهد الزيات، إن توقيت الزيارة يفرض تنسيقًا مباشرًا بين مصر والسعودية، في ظل تطورات المضيقين والهجمات على المملكة.

 

ويستبعد الزيات تخصيص الزيارة لطلب وساطة مصرية مباشرة مع الحوثيين، موضحًا أن دور القاهرة المحتمل قد يمر عبر إيران، باعتبارها الطرف القادر، من وجهة نظره، على التأثير في الجماعة اليمنية.

 

وتمنح هذه القراءة الاتصالات المصرية مع طهران أهمية عملية، خصوصًا بعد لقاء السيسي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي دعا خلاله الرئيس المصري إلى وقف التصعيد والاعتداءات على الدول العربية، وتغليب الحلول السياسية.

 

غير أن وجود قناة اتصال لا يعني امتلاك قدرة مضمونة على تغيير سلوك أطراف الحرب؛ فالاختبار الحقيقي للدبلوماسية المصرية هو نتائج قابلة للرصد، تتجاوز تكرار الدعوات إلى التهدئة والتنسيق والتسوية.

 

كما أن التعويل على التأثير الإيراني يحتاج إلى تقدير واقعي لحدوده، خصوصًا مع نفي طهران الاتهامات السعودية بدعم الحوثيين؛ فلا يجوز التعامل مع قدرة طرف على التأثير باعتبارها ضمانًا لوقف الهجمات.

 

وتزداد الحاجة إلى الوضوح عندما يؤكد البيان المصري دعم إجراءات المملكة لحماية أمنها؛ فالصياغة الواسعة لا تشرح طبيعة هذه الإجراءات، ولا ما إذا كان الدعم سياسيًا أم يتضمن التزامات أخرى.

 

ومن حق الجمهور معرفة حدود أي التزامات جديدة قبل تحمل نتائجها؛ فحماية الأمن القومي لا تتعارض مع المساءلة، ولا ينبغي أن تصبح عبارة عامة تُغلق بها مناقشة الخيارات وكلفتها المحتملة.

 

 

التهدئة تختبر حسابات القاهرة والرياض

 

تكتسب زيارة القاهرة دلالة إضافية مع عدم استجابة واشنطن لطلب تدخل مباشر ضد الحوثيين، واكتفائها، وفق التقارير المتاحة، بالدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، رغم تصاعد الضغوط على حليفها السعودي.

 

وتكشف هذه المسافة بين الطلب السعودي والاستجابة الأمريكية أن التحالف لا يعني تطابق الأولويات؛ فواشنطن تحتفظ بحق تحديد مستوى انخراطها، بينما تتحمل المملكة مباشرة كلفة استمرار الهجمات على أراضيها ومنشآتها.

 

وفي المقابل، يفتح التواصل المعلن بين الحوثيين وإدارة ترامب احتمال تفاهم يخدم الحسابات الأمريكية، لكنه لا يكفي وحده لضمان وقف استهداف السعودية أو إعادة الاستقرار إلى طرق تصدير النفط والملاحة.

 

لذلك فإن الرهان على قرار أمريكي ينهي الأزمة يترك أمن المملكة معلقًا بحسابات خارجية؛ والمطلوب سياسيًا توضيح البدائل، بدل انتظار تدخل قد ترى واشنطن أن كلفته تتجاوز مصالحها المباشرة حاليًا.

 

ويقول السفير رخا أحمد حسن إن المشاورات لا ينبغي وصفها بالبحث عن وساطة مصرية مباشرة، وإنما باستكشاف بدائل احتواء التصعيد، بالتنسيق مع أطراف أخرى في المنطقة، بينها مسقط وبعض دول الخليج.

 

ويشير حسن كذلك إلى أهمية بحث انعكاسات أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل على اليمن، بما يضع التحرك المصري السعودي أمام ضرورة التعامل مع الترابط بين الجبهات، دون افتراض تطابق مسارات تسويتها.

 

أما الزيات، فيرى أن الزيارة قد تتيح إعادة تنشيط التنسيق السياسي وأطره المؤسسية، إلى جانب مناقشة السودان وغزة؛ وهو احتمال تظل قيمته مرهونة بخطوات عملية تتجاوز إدارة الأزمات عند انفجارها.

 

ولا تعني المقارنة بأفغانستان أن اليمن يتجه حتمًا إلى النتيجة نفسها؛ فاختلاف الأطراف والجغرافيا والمصالح يمنع هذا الاختزال، بينما يبقى السؤال المشروع متعلقًا بحدود القوة وجدوى التسويات وشروطها بالنسبة للسعودية.

 

وفي النهاية، لن تُقاس أهمية الزيارة بحرارة الاستقبال، بل بقدرتها على تقليل المخاطر؛ أما الاكتفاء بالتضامن دون خيارات واضحة ومساءلة، فيترك الحكومتين تديران كلفة التصعيد، بينما تتحمل المجتمعات تبعاته الاقتصادية.