تضع دراسة دمج دار المعارف مع الشركة القومية للتوزيع السلطة أمام سؤال يتجاوز الحسابات المالية: هل تعالج أسباب انهيار المؤسسات العامة، أم تعيد ترتيب ضحايا سياساتها، بينما تظل مسؤولية الإدارة والتدخل السياسي خارج المحاسبة؟

 

وتتصاعد المخاوف من اختزال مؤسسات صنعت الوعي المصري في مبانٍ وأراضٍ قابلة للاستثمار، بالتزامن مع الجدل حول ديون ماسبيرو، لتصبح حماية الذاكرة الوطنية معركة ضد إدارة ترى تكلفة المؤسسة وتتجاهل قيمة بقائها.

 

 

الدمج يفتح معركة الأصول التاريخية

 

أعلن المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، أن المشروع الوحيد الجاري بحثه يخص دار المعارف والشركة القومية للتوزيع، نافيًا وجود توجه لدمج بقية المؤسسات الصحفية القومية التي أثيرت بشأنها تكهنات.

 

وبرر الشوربجي دراسة المشروع بتراجع الدور الأساسي للشركة في توزيع الإصدارات بالخارج، مؤكدًا الحفاظ على استدامة المؤسسات وإرثها. غير أن هذا التفسير يترك أسئلة معلقة بشأن مصير الأصول والعاملين واستقلال النشاط الثقافي.

 

فالمعلن حتى الآن دراسة دمج، وليس قرارًا مثبتًا ببيع مبنى دار المعارف أو تصفية ممتلكاتها. لكن غياب تفاصيل منشورة عن البدائل والتقييمات والضمانات يمنح المخاوف مساحة، ويضعف قدرة التصريحات الرسمية على تبديدها.

 

ولا يكفي رفع شعار الحفاظ على التاريخ، بينما تغيب الإجابة عن كيفية حمايته عمليًا. فالمؤسسة لا تبقى بمجرد استمرار اسمها على لافتة، إذا فقدت أدوات إنتاجها وشبكة توزيعها وقدرتها على أداء رسالتها.

 

وفي قراءة مهنية لأزمة التطوير، شدد يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، خلال مناقشات نقابية في سبتمبر 2025، على ضرورة تنسيق الرؤى بين النقابة والهيئات المعنية، بدل عمل كل طرف منفصلًا عن الآخر.

 

وأكد قلاش أن إصلاح الصحافة يستلزم تغيير التشريعات وتحسين أوضاع العاملين، وأن الحرية أساس المهنة. وهو موقف يواجه اختزال التطوير في قرارات إدارية، دون معالجة البيئة التي صنعت الأزمة وأضعفت المؤسسات.

 

وبتطبيق هذا المعيار على مشروع الدمج، يصبح السؤال عن مشاركة أصحاب المصلحة حاسمًا: أين العاملون والناشرون والمثقفون من صياغة البدائل؟ وأين الدراسة التي تثبت أن الدمج أكثر جدوى من إصلاح كل كيان؟

 

وتستحق دار المعارف معاملة تتناسب مع رصيدها في النشر وإتاحة المعرفة، لا التعامل معها باعتبارها عنوانًا عقاريًا على النيل. فالقيمة الثقافية المتراكمة لا تظهر كاملة في دفاتر الحسابات أو تقديرات أسعار الأراضي.

 

وإذا كانت السلطة تريد إغلاق باب الشكوك، فعليها نشر تصور واضح يحدد مصير المقر والمكتبات وحقوق النشر والعمالة. أما مطالبة الجمهور بالثقة دون معلومات، فهي استمرار للأزمة التي تزعم الحكومة السعي لحلها.

 

 

السلطة تصنع الفشل وتحاسب الصحافة

 

تطرح أزمة المؤسسات القومية تناقضًا فادحًا: الجهات التي تملك أدوات اختيار القيادات وتوجيه السياسات ومراقبة الأداء تقدم نفسها اليوم بوصفها المنقذ، بينما يُطلب من المؤسسات والعاملين تحمل نتائج قرارات لم ينفردوا بصناعتها.

 

فالحديث عن الخسائر دون تفكيك أسبابها يحول المحاسبة إلى إجراء انتقائي. المطلوب معرفة أثر الإدارة والتدخل التحريري وسياسات الإنفاق والتوزيع، وتحديد المسؤوليات، قبل إعلان أن المؤسسة نفسها أصبحت عبئًا ينبغي التخلص منه.

 

وفي حوار منشور خلال يونيو 2017، ربط الناشر والخبير بصناعة الصحافة هشام قاسم تدهور المؤسسات القومية بتحويلها إلى أدوات دعاية مقابل تمويل الدولة، معتبرًا أن هذا المسار أضعف مهنيتها ومصداقيتها وقدرتها على الاستمرار.

 

وانتقد قاسم كذلك هيمنة الأجهزة الأمنية على وسائل الإعلام، ورأى أن التحكم في الملكية والإنفاق لا يضمن التحكم في الجمهور. وتكشف هذه القراءة حدود تصور يعتبر التمويل والتوجيه بديلين عن الثقة والمهنية.

 

ولا تمثل تصريحاته حكمًا على مشروع دمج دار المعارف الحالي، لكنها تقدم تفسيرًا مهنيًا لأزمة أوسع: المؤسسة التي تُحاصر وظيفتها التحريرية لا تستطيع استعادة جمهورها بمجرد تغيير هيكلها الإداري أو تقليص نفقاتها.

 

ومن هنا، يبدو تحميل التحول الرقمي وحده مسؤولية التراجع هروبًا من المساءلة. فالتكنولوجيا تغير وسائل الوصول إلى القارئ، لكنها لا تبرر افتقار المحتوى إلى التنوع والمعلومة والتغطية التي تلامس احتياجات الناس.

 

وقد دعا قاسم إلى محتوى رقمي متميز يمكن تسويقه باشتراكات، ما يضع الجودة ونموذج الإيرادات في قلب الإصلاح. أما نقل المادة الضعيفة نفسها إلى الشاشة، فلا يصنع نجاحًا ولا يعالج أزمة الثقة.

 

ويقتضي إصلاح المؤسسات إعلان معايير اختيار القيادات، وربط استمرارها بنتائج قابلة للتقييم، وفتح المجال أمام الكفاءات. فليس مقبولًا أن تبقى سلطة التعيين محصنة، بينما تتحول أخطاء الإدارة إلى اتهام جماعي للعاملين.

 

والأخطر أن تتحول الديون إلى شهادة براءة لصناع السياسات، بدل كونها سببًا لمحاسبتهم. عندها تصبح إعادة الهيكلة وسيلة لتغيير واجهة الأزمة، مع الإبقاء على المنهج الذي يعيد إنتاج الخسائر ويبدد فرص التعافي.

 

 

حقوق العاملين تفضح خطاب التطوير

 

خلف لغة الدمج والاستدامة توجد أسر تعتمد على رواتبها، وخبرات مهنية لا تعوض بسهولة. وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة يعامل البشر كبنود قابلة للشطب، بينما يطالبهم بدفع فاتورة إصلاح لم يشاركوا في تحديده.

 

وفي تصريحات أعقبت إعادة انتخابه في مايو 2025، أكد خالد البلشي، نقيب الصحفيين، أن الكرامة الاقتصادية ترتبط بحرية الصحافة، مطالبًا بأجر عادل وخدمات تحفظ كرامة الصحفيين، وبمهنة تستطيع التعبير عن المواطنين والدفاع عنهم.

 

ويضع موقف البلشي معيارًا مضادًا لمنطق المقايضة بين الحقوق والاستمرار: إنقاذ المؤسسة لا يكتمل بإصلاح ميزانيتها وحدها، ما دام العامل داخلها محرومًا من دخل كريم أو قدرة فعلية على ممارسة مهنته بحرية.

 

ولا يجوز تقديم العاملين بوصفهم أصل المشكلة، دون مراجعة القرارات التي عطلت موارد المؤسسات أو أضعفت قدرتها التنافسية. فالعدالة تقتضي توزيع المسؤولية وفق سلطة اتخاذ القرار، وليس وفق سهولة تحميل الأضعف أعباء الأزمة.

 

كما أن الحفاظ على الخبرات يحتاج إلى خطة لتواصل الأجيال والتدريب وإدخال مهارات جديدة. أما الاكتفاء بتقليل الأعداد وتجميد الفرص، فقد يخفض الإنفاق مؤقتًا، لكنه يترك المؤسسة عاجزة عن التطوير وتجديد منتجاتها.

 

وتبقى حماية الممتلكات مسألة مرتبطة بهذه الحقوق، لأن الأصل العام يمكن أن يدعم النشاط إذا أُدير بشفافية، ويمكن أن يتحول فقدانه إلى إضعاف دائم للمؤسسة، حتى لو وفر سيولة عاجلة لسداد التزاماتها.

 

لذلك ينبغي إخضاع أي تصرف مقترح في الأصول لتقييم مستقل معلن، يوضح العائد المتوقع والبدائل وأثره على النشاط. ويجب أن يعرف الجمهور كيف ستستخدم الإيرادات، وما الضمانات التي تمنع استنزافها دون إصلاح.

 

ولا تثبت المعطيات المعلنة وجود صفقة لبيع مبنى دار المعارف أو ماسبيرو ضمن مشروع واحد. غير أن نفي المخاوف بالكلام وحده لا يعفي السلطة من تقديم مستندات وضمانات تتيح رقابة جادة على قراراتها.

 

فالمعركة ليست دفاعًا عن الخسائر أو رفضًا للتحديث، وإنما رفض لتحميل المجتمع ثمن الفشل مرتين: مرة حين تُضعف مؤسساته، ومرة حين تُستخدم أزمتها مبررًا للمساس بمقومات استمرارها، دون مساءلة واضحة لمن أدارها.

 

والمطلوب من الحكومة والهيئات المعنية كشف الحساب قبل إعادة توزيع الأعباء: من أخطأ، وكيف تراكم العجز، وما البدائل؟ فالتطوير الذي يحمي المسؤولين ويترك التاريخ والعاملين تحت التهديد يفقد مضمونه مهما تجملت شعاراته.