وضع تقرير التفتيش على المحليات خلال أغسطس 2026 الحكومة أمام أسئلة محرجة، بعدما أعلن إحالة 29 حالة إلى النيابات المختصة والشؤون القانونية، دون تقديم تفاصيل تكشف مصير المسؤولية الإدارية أو نتائج المحاسبة.

 

فالحديث عن 43 حملة داخل 16 محافظة لا يكفي لتسويق صورة الانضباط، بينما تتوزع الشكاوى بين الأراضي والتراخيص والمرافق والمخالفات المالية، بما يستدعي مساءلة طريقة الإدارة لا الاكتفاء بإحصاء تحركات المفتشين.

 

 

أرقام التفتيش لا تبرئ الحكومة

 

بحسب البيان المنشور في 9 سبتمبر، فحص قطاع تقويم الأداء والمتابعة والتفتيش 34 شكوى للمواطنين، شملت تعديات على أملاك الدولة والأراضي الزراعية، ومشكلات تراخيص البناء والإشغالات والمرافق والبيئة والمخالفات الإدارية والمالية.

 

لكن البيان لا يحدد طبيعة كل حالة أحيلت، ولا مستويات المسؤولين المرتبطين بها، ولا يبين توزيع الإحالات بين النيابات والشؤون القانونية، وهو نقص يحول دون تقييم جسامة الوقائع وفعالية الاستجابة الحكومية.

 

والإحالة ليست حكمًا بالإدانة، كما أن الحالات التسع والعشرين ليست بالضرورة قضايا فساد جنائي؛ لذلك لا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة، أو استخدامها في المقابل شهادة نجاح مكتملة لمنظومة الرقابة الحكومية.

 

المطلوب ليس نشر أسماء قبل انتهاء التحقيقات، وإنما كشف بيانات تسمح بالمحاسبة العامة، مثل أنواع المخالفات، ومدد فحصها، والإجراءات التصحيحية، وما إذا كانت مصالح المواطنين المتضررين قد عادت إلى مسارها الطبيعي.

 

وفي حوار سابق مع صحيفة الشروق، منشور في 16 أبريل 2026، انتقد أحمد السجيني، الرئيس السابق للجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، قصور تدريب الجهاز الإداري وضعف الأجور مقارنة بالصلاحيات التي يمتلكها الموظفون.

 

وربط السجيني مواجهة الفساد بإصلاح أوضاع العاملين وتأهيلهم، كما اعتبر أن مشروع قانون المحليات ظل أسير غياب التوافق السياسي وجدية التنفيذ، بما ينقل النقاش من أخطاء الأفراد إلى مسؤولية الاختيارات المؤسسية.

 

وهنا تصبح مساءلة الحكومة أوسع من سؤالها عن عدد المحاضر؛ فالتفتيش يستطيع اكتشاف مخالفة، لكنه لا يعوض غياب سياسة تمنع تكرارها، ولا يصلح وحده جهازًا يعاني مشكلات التأهيل والتنظيم وتوزيع المسؤوليات.

 

ولا يقدم البيان مقارنة بالفترات السابقة تسمح بمعرفة اتجاه المخالفات، أو نسبة الشكاوى التي انتهت بحلول فعلية؛ لذلك يبقى إعلان الأعداد وصفًا للنشاط الرقابي، وليس دليلًا كافيًا على تحسن الخدمات المحلية.

 

أما تحويل ضبط التجاوزات إلى مناسبة للاحتفاء، دون كشف أسباب وقوعها ومسؤولية الإشراف عنها، فيختزل الرقابة في صورتها الإعلامية، ويترك السؤال الأهم معلقًا: ماذا تغير داخل الإدارة حتى لا تتكرر الوقائع؟.

 

 

المواطن يدفع فاتورة البيروقراطية الحكومية

 

ركزت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، على تنفيذ قرارات إزالة مخالفات البناء، ورفض التراخي، والتواجد الميداني للقيادات التنفيذية؛ وهي توجيهات لا تعفي الوزارة من تفسير جوانب الخلل التي كشفها التفتيش.

 

فالحسم لا ينبغي أن يبدأ عند باب المواطن وينتهي هناك؛ وإنما يجب أن يشمل كل مسؤول يثبت تقصيره، مع مراجعة الإجراءات التي تعطل المعاملات المشروعة وتفتح مساحة للوساطة أو إساءة استخدام السلطة.

 

وفي تصريحات سابقة لموقع نيوز رووم بتاريخ 22 مايو 2026، أكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن التصالح لا ينبغي اختزاله في تحصيل الأموال، بل إعادة بناء قواعد التنمية المحلية.

 

وانتقد عرفة ضعف الإمكانات الفنية والتكنولوجية ببعض الوحدات المحلية، موضحًا أن تدريب الموظفين وحده لا يكفي، وأن إنهاء الملف يتطلب رفع الكفاءة المؤسسية، وتحديث البيانات، وربط تقييم القيادات بالإنجاز وجودة الخدمات.

 

وتكشف هذه القراءة خللًا في الاكتفاء بخطاب التشدد؛ فالمواطن يحتاج طريقًا واضحًا لإنجاز معاملته القانونية، لا تعليمات متلاحقة تضيف التزامات دون أن تشرح كيف ستزيل الإدارة العقبات الواقعة ضمن مسؤوليتها المباشرة.

 

ولا يعني نقد الإزالة الدفاع عن التعدي أو البناء الخطر؛ بل يعني رفض انتقائية المحاسبة، والمطالبة بفحص سلسلة القرارات والتوقيعات والرقابة التي سبقت المخالفة، بدل حصر المسؤولية في الطرف الظاهر وحده.

 

وعندما تتعلق الشكوى بمرفق معطل أو ترخيص متأخر، لا يصبح مجرد تسجيلها إنجازًا للمواطن؛ الإنجاز هو إزالة سببها، وتحديد المسؤول عن التأخير، وإتاحة نتيجة واضحة يستطيع صاحبها مراجعتها والاعتراض عليها عند الضرورة.

 

وتحدثت الوزارة عن تذليل صعوبات أمام المواطنين، لكن بيانها لا يعرض مددًا محددة للحلول أو عدد الشكاوى المنتهية نهائيًا، ما يترك مسافة بين وصفها الإيجابي للأداء وبين القدرة على قياس أثره.

 

المشكلة إذن ليست نقص العبارات الصارمة، بل الحاجة إلى التزامات قابلة للاختبار: موعد للرد، وسبب مكتوب للرفض، ومسار للتظلم، ومحاسبة عند التعطيل؛ وإلا ظل المواطن مطالبًا بالامتثال أمام إدارة يصعب تقييمها.

 

 

الرقابة الشعبية تكشف مأزق السلطة

 

ولا يكتمل إصلاح المحليات برقابة تصدر من أعلى وحدها؛ فالمواطن ليس مجرد مقدم شكوى ينتظر الفحص، وإنما صاحب مصلحة في متابعة الإنفاق والخدمات، ومعرفة أسباب القرارات التي تمس حياته اليومية مباشرة.

 

وفي ندوة لحزب المحافظين نقلتها صحيفة وطني في 10 مايو 2026، انتقد عبد الناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية، تأخر الانتخابات المحلية، معتبرًا ذلك تقاعسًا عن استحقاق دستوري لا نقصًا في المقترحات.

 

وقال قنديل إن مشروعات قوانين جاهزة كانت مطروحة، مستنكرًا البدء في إعداد مشروع جديد رغم وجود مسودات سابقة، كما شدد على أهمية المجالس المحلية في دعم الرقابة ومساندة العمل البرلماني والتشريعي.

 

وتضع هذه الانتقادات السلطة أمام سؤال الإرادة السياسية: ما قيمة المطالبة بانضباط الموظفين، إذا لم يصاحبها تمكين رقابي يسمح بمراجعة القرارات وكشف التعطيل ومساءلة القيادات، بدل ترك المواطن وحيدًا أمام جهاز الشكاوى؟.

 

والرقابة المنتخبة ليست ضمانًا آليًا للنزاهة، لكنها تتيح بابًا إضافيًا للمساءلة عندما تقترن بصلاحيات حقيقية وشفافية؛ أما الاكتفاء بالتفتيش الإداري فيجعل تقييم الأداء محدودًا بما تقرر الأجهزة التنفيذية عرضه على الجمهور.

 

ولا تحتاج الرقابة إلى تعميم الاتهامات على العاملين بالمحليات؛ بل إلى حماية الموظف النزيه، ومحاسبة المخطئ بأدلة، وتمكين المواطن من المعلومات، حتى لا تختلط مكافحة الفساد بتصفية الحسابات أو تحميل الضعفاء المسؤولية.

 

ومن هنا، يجب أن تطالب المحاسبة بكشف نتائج التحقيقات عند جواز إعلانها، وحجم الضرر المثبت، وإجراءات تصحيحه، ومسؤولية الإشراف؛ لأن إغلاق الملف إعلاميًا عند الإحالة يقطع الطريق قبل الوصول إلى النتائج الحقيقية.

 

كما يجب أن تشمل المراجعة أداء القيادات، لا الاكتفاء بالمستويات التنفيذية الدنيا؛ فالسلطة التي تملك التعيين والتوجيه والتقييم لا تستطيع المطالبة بالثقة دون أن تقبل السؤال عن كفاءة اختياراتها وسياساتها الإدارية.

 

وتبقى إحالات أغسطس بداية اختبار لا نهايته؛ فالحكومة مطالبة بإثبات أن التفتيش يعيد الحقوق ويمنع تكرار الخلل، وإلا تحولت لغة الحسم إلى ستار دعائي يحجب مسؤولية سياسية لا تسقط بتعداد الحملات.