الحماس شعور ينشأ من الإحساس بالطاقة الإيجابية، وإمكانية تحقيق الأهداف، والرغبة في التفاعل مع الآخرين، لكنه يختلف عن الفرح والأمل في أنه يدفع الإنسان إلى التحرك عندما يبدو النجاح في متناول اليد.

 

في هذا المقال، يتناول ويليام إيه هازلتين، الكاتب والباحث المتخصص في الصحة، نتائج أطروحة دكتوراه حديثة من جامعة ليدن تبحث في طبيعة الحماس، وكيف يختلف عن المشاعر الإيجابية الأخرى، ولماذا يعبر عنه الناس بحرية أكبر في بعض البيئات مقارنة بغيرها.

 

وتشير النتائج إلى أن الحماس حالة تحفيزية قوية تظهر عندما يرى الإنسان شيئًا مرغوبًا أمامه ويعتقد أن بإمكانه الوصول إليه. وهذا الإحساس بالإمكانية يولد الطاقة والثقة والاستعداد للتحرك.

 

 

الحماس.. المشاعر التي تدفعنا إلى التحرك


في سلسلة الدراسات الأولى، طلب الباحثون من مشاركين هولنديين تحديد الصفات التي يربطونها بالحماس. ونظم الباحثون إجاباتهم في 28 سمة، ثم طلبوا من مجموعة أخرى تقييم مدى ارتباط كل سمة بهذا الشعور.

 

وجاءت مشاعر الفرح والدافعية والحماس الشديد والإيجابية والشغف والفضول والطاقة في قلب التجربة، بينما ظهرت مشاعر مثل التململ ونفاد الصبر والسذاجة في الأطراف.

 

ودعمت تجارب لاحقة هذا النمط؛ إذ تعرف المشاركون على السمات المركزية بسرعة أكبر، وربطوها بصورة أكثر تكرارًا بذكريات شعروا فيها بالحماس.

 

وتشير نتائج الدراسات مجتمعة إلى أن الحماس يتكون من أربعة عناصر رئيسية: المشاعر الإيجابية، وارتفاع مستوى الطاقة، والتحرك نحو هدف، والعنصر التفاعلي مع الآخرين.

 

ويعد العنصر الأهم هو مشاركة الشعور مع الآخرين، فالحماس نادرًا ما يبقى حبيسًا داخل الإنسان. فالناس يتحدثون عما يثير حماسهم، ويدعون الآخرين للمشاركة، ويعبرون عن مشاعرهم من خلال نبرات الصوت المتحركة وتعبيرات الوجه والإيماءات. وغالبًا ما يرغب الشخص المتحمس في أن ينتقل هذا الشعور إلى من حوله.

 

لذلك، يعرف الباحث راين فوجلار الحماس بأنه «شعور إيجابي وحيوي ينشأ عندما تبدو نتيجة مرغوبة قابلة للتحقيق». وعادة ما ينطوي هذا الشعور على مشاركة نشطة وتعبير خارجي، خصوصًا عندما تكون البيئة المحيطة آمنة وداعمة.

 

 

الحماس والفرح والأمل.. ما الفرق بينها؟

 

تتداخل المشاعر الإيجابية في كثير من الأحيان؛ فقد يشعر الإنسان بالفرح والأمل والحماس خلال التجربة نفسها. ومع ذلك، تشير أطروحة الدكتوراه إلى أن لكل شعور وظيفة مختلفة.

 

غالبًا ما يأتي الفرح بعد تجربة مُجزية أو إنجاز مهم. وهو يشجع الإنسان على الاحتفال والتواصل مع الآخرين والاستمتاع بما حدث بالفعل. وقد يرغب الشخص الذي يشعر بالفرح في أن تستمر اللحظة لأطول وقت ممكن.

 

أما الحماس فيميل إلى الحركة. فقد يظل الهدف غير مكتمل، لكنه يبدو قريبًا بما يكفي للسعي إليه. وأفاد الأشخاص الذين شعروا بالحماس بدرجة أكبر من الاستعداد، والرغبة في خوض المخاطر، والدافع إلى التصرف فورًا. وتركزت أفكارهم على الفرص والمكافآت والخطوة التالية التي تقود إلى نتيجة إيجابية.

 

أما الأمل، فيعمل على مدى زمني أطول وفي ظل قدر أكبر من عدم اليقين. وغالبًا ما يعتمد الناس على الأمل في الظروف الصعبة، عندما يكون تحقيق نتيجة معينة بالغ الأهمية بالنسبة إليهم، لكنها تظل خارج نطاق سيطرتهم الكاملة. ويساعدهم الأمل على الحفاظ على إيمانهم بإمكانية مستقبلية.

 

فقد يشعر طالب بالفرح بعدما يتلقى خطاب قبول من جامعة، بينما يشعر طالب آخر بالحماس وهو يستعد لتقديم طلب قوي إلى برنامج يعتقد أن فرص قبوله فيه جيدة. أما من ينتظر نتيجة قبول وسط حالة من عدم اليقين، فقد يعتمد بدرجة أكبر على الأمل.

 

وتكشف هذه الفروق سبب قدرة الحماس على تنشيط الإنسان بهذا الشكل. فهو يجمع بين الرغبة والثقة؛ إذ يرى الشخص نتيجة مواتية ويشعر بأن ما يفعله الآن قد يساعده على تحقيقها.

 

 

لماذا يعتمد الحماس على البيئة المحيطة؟

 

قد تبدو المشاعر مسألة شخصية للغاية، لكن التوقعات الاجتماعية تؤثر في ما يسمح الناس لأنفسهم بالشعور به والتعبير عنه. وللوقوف على هذا التأثير، حللت أطروحة الدكتوراه إجابات استطلاع شمل 12,851 شخصًا في 51 مجتمعًا. وأفاد المشاركون بمعدل شعورهم بالحماس في حياتهم الخاصة، وفي العمل، وفي الأماكن العامة، كما قيّموا مدى ملاءمة التعبير عن الحماس في كل بيئة.

 

وشعر المشاركون بأعلى مستويات الحماس في حياتهم الخاصة. وقد توفر البيئات المألوفة قدرًا كافيًا من الأمان النفسي يسمح بتطور مشاعر الإثارة والحماس دون الشعور بالحرج أو مراقبة الذات.

 

لكن المشاركين اعتبروا التعبير عن الحماس أكثر ملاءمة في مكان العمل، رغم أنهم أفادوا بأنهم يشعرون به بدرجة أقل مقارنة بحياتهم الخاصة. فكثير من أماكن العمل تكافئ الطاقة الواضحة والمشاركة والتفاؤل، وقد يتعلم الموظفون إظهار الحماس باعتباره جزءًا من السلوك المهني، سواء جاء هذا الشعور بصورة طبيعية أم لا.

 

أما الحماس في الأماكن العامة، فارتبط بصورة أقوى بالقبول الاجتماعي. فعندما يكون الإنسان أمام غرباء أو جمهور أكبر، يبدو أكثر حساسية تجاه مدى ملاءمة إظهار مشاعره للموقف.

 

وفي البيئات الثلاث جميعها، أفاد الناس بأنهم يشعرون بحماس أكبر عندما يعتقدون أن التعبير عنه مقبول. وكان هذا الارتباط أقوى في الأماكن العامة وأضعف في الحياة الخاصة، ما يشير إلى أن الأعراف الاجتماعية تؤثر في التجربة العاطفية بدرجة أكبر عندما يشعر الإنسان بأنه تحت المراقبة أو التقييم.

 

 

تكلفة التظاهر بالحماس

 

يمكن للحماس أن يحسن أداء المعلمين والقادة وفرق العمل، وأن يعزز التواصل بينهم. لكن شدة التعبير الظاهرة لا تعكس دائمًا مشاركة حقيقية.

 

وتشير الأبحاث التي تناولتها الأطروحة إلى أن الأشخاص قد يعانون عندما يضطرون مرارًا إلى إظهار حماس لا يشعرون به بالفعل. فقد يعاني المعلمون والموظفون الذين يتظاهرون بالطاقة الإيجابية من إرهاق أكبر، ورضا أقل، وتراجع في مستوى الرفاه النفسي. كما يمكن للحماس المفرط أن يضعف المصداقية عندما يرى الآخرون أنه غير مناسب للموقف أو يفتقر إلى الصدق.

 

ويحتاج الحماس الحقيقي إلى شيء ذي معنى يسعى الإنسان إلى تحقيقه، وطريق قابل للتصديق للمضي قدمًا، وقدر كافٍ من الحرية للتعبير عن الإثارة دون خوف.

 

وقد يستطيع القادة تعزيز الحماس بصورة أكثر فاعلية من خلال إظهار التقدم بوضوح، ومنح الأشخاص مسؤوليات ذات معنى، وربط العمل اليومي بأهداف يمكن تحقيقها. أما الضغط من أجل الظهور بمظهر الشخص المرح والمتفائل، فيظل بديلًا أضعف بكثير.

 

ويظهر الحماس عندما تلتقي الرغبة بالإمكانية. فهو يمنح الهدف قوة عاطفية، ويوجه الانتباه نحو الفعل، ويدعو الآخرين إلى المشاركة. وفي أفضل حالاته، يساعد الحماس الإنسان على عبور المسافة بين تخيل شيء يستحق السعي إليه والبدء بالفعل في تحويله إلى واقع.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/best-practices-in-health/202609/why-enthusiasm-feels-so-powerful