حذر النائب أحمد حلمي الشريف من أن استمرار القفزات غير المبررة في الأسعار يكشف قصورا رقابيا يترك المواطنين فريسة للاحتكار، مطالبا بتحرك حكومي حاسم يوقف التلاعب ويحمي محدودي الدخل والطبقة المتوسطة.

 

وكشف طرح وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ فجوة بين امتلاك الدولة قوانين وأجهزة متعددة، وبين ضعف التنفيذ الميداني الذي يسمح بإخفاء السلع وتضخيم حلقات الوساطة وفرض زيادات مصطنعة.

 

 

رقابة غائبة

 

بداية، أكد الشريف أن ضبط الأسواق تجاوز كونه ملفا اقتصاديا، بعدما أصبح متصلا مباشرة بالاستقرار المجتمعي، في ظل تآكل القدرة الشرائية واتساع الضغوط الواقعة يوميا على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

 

وفي المقابل، تبدو كثرة الجهات الرقابية بلا أثر كاف حين تغيب المتابعة اليومية، لأن المخالفين يستفيدون من الحملات الموسمية، ثم يعيدون التسعير والتخزين سريعا فور انصراف المفتشين وهدوء الاهتمام الحكومي.

 

ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن تفعيل الدور الرقابي ومراقبة الأسعار ضرورة للحد من تضرر مستحقي الدعم، بما يؤكد أن إصدار القرارات وحده لا يضمن وصول السلع بعدالة.

 

كذلك، يربط عبده بين الاستماع إلى شكاوى المواطنين المتكررة وخفض الأسعار، لأن المستهلكين يرصدون التفاوت بين المناطق قبل الأجهزة، ويكشفون الممارسات التي تتوارى خلف الفواتير أو حلقات التوزيع غير المعلنة.

 

غير أن تحميل صغار التجار وحدهم مسؤولية الغلاء يحجب المسار الحقيقي للسلعة، إذ قد تبدأ الزيادة من مستورد أو مخزن أو وسيط مسيطر، قبل وصول المنتج إلى منفذ البيع النهائي.

 

لذلك، طالب الشريف المحافظين بجولات مفاجئة ودورية تشمل الأسواق والمحال والمخازن أمام المواطنين يوميا، مع إعطاء الأولوية للسلع الأساسية، وضبط محاولات الإخفاء أو الحجب التي تستهدف صناعة الندرة ورفع السعر.

 

وبالتالي، يتطلب نجاح الجولات فعليا صلاحيات واضحة ومحاضر قابلة للمحاسبة ومتابعة لاحقة للمخالفين، حتى لا تتحول الزيارات إلى مشاهد دعائية مؤقتة لا تغير ميزان القوة بين المواطن والمحتكر داخل السوق.

 

وفوق ذلك، يجب نشر نتائج الحملات وأسماء المخالفات ونوعية العقوبات بصورة منتظمة، لأن حجب المعلومات يمنع المجتمع من تقييم الأداء، ويتيح تكرار الانتهاكات بعيدا عن رقابة المواطنين ووسائل الإعلام المستقلة.

 

 

تتبع السلعة

 

وفي السياق نفسه، اقترح الشريف إنشاء غرفة عمليات دائمة في كل محافظة، تجمع الأجهزة التنفيذية والرقابية، لمراقبة الأسعار وحركة السلع والتدخل في الشكاوى بدلا من تركها تتنقل بين جهات متفرقة.

 

كما أن الغرفة المقترحة لن تكون مؤثرة من دون قاعدة بيانات يومية تقارن زمنيا أسعار المنتج عند المصدر والنقل والجملة والتجزئة، وتحدد موضع القفزة غير الطبيعية والجهة المستفيدة منها بدقة.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي شريف الديواني، تمثل المنافسة الحقيقية أداة أساسية لمحاربة الغلاء، وهو ما يعني أن زيادة المعروض وتسهيل دخول منتجين جدد أكثر فاعلية من الاكتفاء بالملاحقة الحكومية للبائع الأخير.

 

علاوة على ذلك، تكشف رؤية الديواني أن الأسواق المغلقة أمام المنافسين تمنح الكيانات المسيطرة قدرة أوسع على تمرير التكلفة أو تضخيمها، بينما يدفع المواطن ثمن ضعف البدائل المتاحة وغياب الشفافية.

 

ومن ثم، دعا الشريف إلى إحكام الرقابة على سلاسل الإمداد والتوزيع كاملة، وعدم حصر التفتيش في منافذ البيع، بهدف كشف التخزين وحلقات الوساطة التي تصنع ارتفاعات لا تبررها تكاليف الإنتاج.

 

وفي الوقت ذاته، ينبغي الفصل بين الزيادة المرتبطة بتكاليف حقيقية وبين المغالاة المتعمدة، عبر مراجعة الفواتير والكميات وهوامش الربح المعلنة، حتى تكون العقوبات دقيقة ولا تتحول الرقابة إلى إجراءات عشوائية.

 

وبناء على ذلك، يصبح جهاز حماية المنافسة طرفا محوريا في فحص الاتفاقات الضارة والتواطؤ وتقسيم الأسواق المحتملة، بينما يتولى جهاز حماية المستهلك التعامل مع المخالفات التي تمس حق المشتري مباشرة.

 

ومع ذلك، يظل التنسيق بين الجهازين والتموين والمحليات شرطا ضروريا، لأن تجزئة المعلومات تمنح المحتكر مساحة للمناورة، وتؤخر اكتشاف المخالفة حتى تتحول الزيادة المؤقتة إلى سعر مستقر يصعب التراجع عنه.

 

 

محاسبة المحتكر

 

على صعيد متصل، يعتبر الخبير الاقتصادي محمد كيلاني إعلان قوائم الأسعار رسميا وسيلة مهمة لضبط السوق، إذ يمنع تغيير السعر بين مشتر وآخر، ويمنح المفتش والمستهلك مرجعا واضحا لإثبات المخالفة.

 

فضلا عن ذلك، لا تكفي القوائم المعلقة إذا غابت الفواتير أو اختلف سعر الرف عن المحاسبة، ما يستوجب رقابة رقمية فعالة واستجابة سريعة للبلاغات وعقوبة تتجاوز المكسب المتوقع من المخالفة.

 

وفي هذا الإطار، طالب الشريف بتفعيل المحليات ومديريات وإدارات التموين والمجتمع المدني لرصد الأسواق، مع فتح قنوات فعالة وسريعة للإبلاغ عن الاحتكار والمغالاة، وربط كل شكوى بمهلة محددة للفحص والرد.

 

أما الإعلان الدوري عن المضبوطات والإجراءات في كل محافظة، فيمكنه تعزيز الردع واستعادة بعض الثقة، شريطة عرض القيمة والكميات ومسار القضية، لا الاكتفاء بأرقام حملات ضخمة لا تكشف نتائجها الفعلية.

 

وبالمثل، تحتاج العقوبات إلى سرعة التنفيذ والتناسب مع حجم الضرر، لأن غرامة محدودة لن تردع شركة تحقق أرباحا كبيرة من حجب سلعة أساسية أو الاتفاق على سعر يرهق ملايين المستهلكين.

 

في المقابل، لا ينبغي أن تتحول مواجهة الغلاء إلى تحميل المواطن مسؤولية البحث عن السعر الأرخص، بينما تملك الحكومة بيانات الاستيراد والإنتاج والتوزيع، وتمتلك سلطات التفتيش والتحقيق والإحالة إلى القضاء.

 

ولهذا، فإن مطالبة المحافظين بالنزول إلى الأسواق تختبر جدية الحكومة في تحويل القوانين سريعا إلى حماية ملموسة، بدلا من ترك الأسر تواجه موجات الغلاء بموارد ثابتة وشكاوى لا تجد استجابة.

 

وأخيرا، شدد الشريف على تطبيق القانون دون استثناء وتشديد العقوبات على الاحتكار وإخفاء السلع والتلاعب بالأسعار، مؤكدا أن عدالة الأسعار تتطلب تكامل الحكومة والمحافظين والأجهزة الرقابية لا تبادل المسؤولية بينها.