كشفت وزارة الكهرباء أن منازل المغتربين ستظل مطالبة برسوم ثابتة رغم توقف الاستهلاك، ما يحول عدم سحب العداد إلى التزام مالي متراكم يقتطع من الرصيد عند عودة صاحبه وأول شحن.
وأعلنت الوزارة نفيها سحب عدادات الدفع المسبق من المواطنين المقيمين خارج البلاد بسبب انقطاع الشحن، لكنها أقرت بأن بقاء المسكن مغلقا لا يوقف مقابل الخدمة الذي يستمر احتسابه شهرا بعد آخر.
رسوم تلاحق الغائبين
وبحسب خالد الدستاوي نائب رئيس الشركة القابضة للكهرباء لشؤون التوزيع، فإن توقف العداد عن تسجيل الاستهلاك لا يلغي التعاقد، بينما يبقى المشترك ملزما بسداد المقابل الثابت حتى من دون استخدام الكهرباء.
وفي المقابل، يثير هذا التفسير سؤالا حول عدالة تحصيل رسوم متكررة من مسكن لا يستهلك، خصوصا أن المواطن لا يكتشف حجم المبالغ المتراكمة إلا عندما يشحن العداد بعد غياب طويل.
كما أن النفي الوزاري عالج شائعة رفع العداد، لكنه لم ينه الشكوى المتعلقة باختفاء جزء من مبلغ الشحن، إذ تتداخل الرسوم والأقساط وتسويات الشرائح داخل خصم آلي بلا بيان فوري مفصل.
ويوضح حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق أن الخصم قد يشمل رصيدا ائتمانيا سبق منحه عند نفاد الشحن، إلى جانب فروق الشرائح ومستحقات أخرى مسجلة على حساب العداد.
غير أن تعدد أبواب الخصم يجعل الرصيد المتاح أقل مما دفعه المواطن، وهو ما يفرض على شركات التوزيع إظهار قيمة كل بند وتاريخه وسببه بدلا من ترك المشترك أمام رقم ناقص.
وبالتالي، لا تعني عودة التيار بقيمة الشحنة كاملة أن المواطن حصل على ما دفعه، فقد يقتطع النظام أولا قسط العداد أو مديونية سابقة أو مقابل الخدمة قبل إتاحة الباقي للاستهلاك.
ومن ثم، تتحول رسوم الخدمة خلال شهور السفر إلى مديونية مؤجلة التحصيل، بينما لا يتلقى كثير من أصحاب الوحدات المغلقة إخطارا دوريا يوضح نموها، بما يفاجئهم بخصم كبير عند العودة.
خصومات غامضة بلا كشف
إلى جانب ذلك، ترتبط بعض الخصومات بانتقال الاستهلاك إلى شريحة أعلى، حيث يعيد النظام تسوية فارق الدعم، وهي آلية تزيد صعوبة فهم الرصيد ما لم تظهر بيانات الاستهلاك والتسوية بوضوح.
ويرى ماهر عزيز خبير الطاقة أن العدادات مسبقة الدفع تحقق عدالة حين تربط السداد بالاستهلاك الحقيقي، غير أن العدالة تنقص إذا لم يفهم المشترك توقيت الخصم وقيمته وقواعد الانتقال بين الشرائح.
لذلك، يصبح نشر كشف إلكتروني مبسط لكل عملية خصم ضرورة لحماية حق المشترك، لا خدمة إضافية، على أن يتضمن الرصيد السابق وقيمة الشحن والرسوم والأقساط والتسويات وصافي المبلغ المتاح بوضوح.
وفوق ذلك، ينبغي تمكين المغترب من سداد مقابل الخدمة عن بعد ومراجعة مديونيته قبل العودة، حتى لا تتحول أول شحنة إلى صدمة أو ينقطع التيار بسبب رصيد التهمته استقطاعات غير ظاهرة.
وفي سياق متصل، أعلنت الوزارة توسيع إجراءات تقنين العدادات الكودية بالمباني التي أنهت التصالح، اعتمادا على الربط الرقمي بين جهات المرافق لتقليل الأوراق والزيارات وتسريع تحويل العداد إلى تعاقد قانوني.
رقمنة مهددة بالأخطاء
وبناء على ذلك، يفترض أن تنتقل بيانات التصالح إلكترونيا إلى شركة التوزيع، فلا يراجع المواطن المصالح الحكومية مرارا، ويقتصر حضوره على الخطوة النهائية المتعلقة بتوقيع العقد واستكمال الالتزامات المطلوبة فقط.
ويشدد محمد السبكي الرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة على ضرورة تدقيق القراءات وإنهاء التقدير الجزافي، لأن أي تحول رقمي يفقد قيمته إذا نقل الخطأ من فاتورة ورقية إلى مطالبة إلكترونية.
ومع ذلك، يظل نجاح الربط مرهونا بتطابق قواعد البيانات وسرعة تبادلها، إذ قد تتحول الرقمنة إلى بوابة تعطيل إذا بقيت الجهة الواحدة تنتظر تحديثا لم يصل أو مستندا سجل بصورة خاطئة.
وعلاوة على ذلك، يجب أن يعرف صاحب العداد الكودي مسبقا تكلفة التحويل وطبيعة التعاقد والرسوم المطلوبة، لأن غموض الإجراءات يفتح باب الاجتهاد بين شركات التوزيع ويعرض المواطنين لمطالبات مالية متفاوتة.
ولزيادة الثقة، يتعين منح كل طلب رقم متابعة موحد يتيح معرفة مرحلته والجهة التي أوقفته والمدة المقررة، مع قناة اعتراض واضحة عند تأخر التحويل أو ظهور مديونية لا يعرف المواطن مصدرها.
أما الفواتير التقديرية، فقد أصبحت عنوانا متكررا لشكاوى المواطنين بسبب أخطاء القراءة وتراكم الاستهلاك ونقله إلى شرائح أغلى، ما يجعل إنهاء التقدير ضرورة مالية قبل أن يكون مجرد تحديث إداري.
وفي هذا الإطار، مطالبة المشترك بمراقبة عداده لا تعفي الشركات من مسؤولية القراءة الدقيقة والمراجعة، فالمواطن يدفع مقابلا لخدمة عامة يفترض أن تصدر عنها محاسبة مفهومة وقابلة للاعتراض والتصحيح السريع.
كذلك، فإن توسيع العدادات مسبقة الدفع لا يضمن وحده اختفاء النزاعات، لأن الخصم البرمجي قد يكون صحيحا حسابيا لكنه يظل ملتبسا للمستخدم إذا لم تقابله شاشة أو رسالة تشرح تفاصيله.
وعليه، تحتاج الوزارة إلى نشر جدول موحد يبين مقابل الخدمة لكل فئة وأقساط العدادات وقواعد التسوية، بدلا من الاكتفاء بتفسيرات متناثرة لا تصل إلى جميع المشتركين ولا تجيب عن حالاتهم.
في المحصلة، أبقت الوزارة عدادات المغتربين في أماكنها، لكنها أبقت معها رسوما شهرية تلاحق الوحدات المغلقة، ليصبح الخلاف الحقيقي حول شفافية التحصيل وعدالته لا حول بقاء الجهاز مثبتا على الحائط.
وأخيرا، لن تنتهي الأزمة بمجرد نفي السحب أو إعلان الرقمنة، بل بإلزام شركات الكهرباء بكشف خصومات قابل للمراجعة وإخطار مسبق بالمديونية ومسار شكوى ناجز يعيد أي مبلغ اقتطع خطأ فعليا.

