حذر الدكتور محفوظ رمزي عضو مجلس نقابة صيادلة القاهرة من انهيار اقتصادي يطارد 76 ألف صيدلية بعدما تركتها وزارة الصحة بين هوامش ربح متآكلة ومديونيات متصاعدة وسوق عاجزة عن استيعاب الخريجين.

 

وتكشف الأزمة تناقضا فادحا بين استمرار الجامعات في ضخ آلاف الصيادلة سنويا وبين تقليص التكليف وغياب خطة تشغيل حكومية ما يدفع أصحاب المؤهلات المتخصصة إلى أعمال بعيدة عن المهنة طلبا لدخل يكفل معيشتهم.

 

 

سوق بلا فرص

 

وأوضح رمزي أن نسبة محدودة فقط من العاملين بالصيدلة تحظى باستقرار نسبي بينما تكافح غالبية الصيدليات لتدبير ثمن الطلبيات والإيجارات والأجور والضرائب وسط موجات غلاء قلصت قيمة رأس المال وأربكت دورة الدواء.

 

وبحسب عضو مجلس النقابة فإن الخلل لا يعود إلى كثرة الصيادلة وحدها بل إلى إدارة حكومية تفصل بين سياسات القبول الجامعي واحتياجات التكليف وفرص الصناعة فتترك الخريج وحيدا أمام سوق مكتظة.

 

كما أن وجود نحو 55 ألف صيدلي مقيدين في نقابة القاهرة يكشف حجم الضغط داخل العاصمة حيث تتنافس أعداد ضخمة على فرص محدودة بينما تظل قطاعات دوائية قادرة على استيعابهم مغلقة أو سيئة التنظيم.

 

وأكد رمزي أن استمرار قبول أعداد ضخمة بكليات الصيدلة من دون تقدير دقيق للطاقة الاستيعابية يضاعف البطالة المقنعة ويهدر سنوات الدراسة ويحول الشهادة المهنية إلى عبء ثقيل على صاحبها وأسرته.

 

ومن جانبه يرى الدكتور محمد الشيخ نقيب صيادلة القاهرة أن الصيدلي ضلع أساسي في منظومة الدواء وأن إضعاف الصيدليات المستقلة يهدد انتظام الخدمة ويزيد معاناة المرضى في الحصول على العلاج والمشورة الآمنة.

 

في المقابل لم تقدم وزارة الصحة حتى الآن مسارا متكاملا يربط أعداد المقبولين بالكليات باحتياجات المؤسسات والمصانع والمعامل وهو غياب يوسع الفجوة سنويا ويجعل الهجرة من التخصص نتيجة متوقعة وليست حالة فردية.

 

وبالتالي تحولت قصة الصيدلي الباحث عن عمل إضافي إلى جرس إنذار لمهنة كاملة بعدما صار المؤهل العلمي عاجزا عن توفير دخل مستقر تحت وطأة سياسات تكدس الخريجين وتترك منافذ التشغيل بلا تطوير.

 

أما استمرار الحراسة على النقابة العامة فيراه رمزي عاملا عمق العجز عن الدفاع الجماعي عن الحقوق وأضعف التفاوض مع الجهات المنظمة وحرم الصيادلة من مؤسسة منتخبة تملك التحرك والمساءلة وصناعة البدائل.

 

 

هوامش تلتهمها الأعباء

 

ويزيد قرار العمل بنظام التسعيرتين ارتباك الصيدليات إذ يضع العبوات ذات المادة الواحدة أمام المواطن بأسعار مختلفة ويحمل الصيدلي غضب المرضى بينما تتآكل قدرته على تعويض المخزون بعد كل زيادة سعرية.

 

ووصف رمزي القرار رقم 23 لسنة 2017 بأنه كارثي لأن آثاره لم تتوقف عند اضطراب البيع بل امتدت إلى رأس المال العيني وهو العمود الذي تعتمد عليه الصيدلية لتجديد مخزونها والاستمرار.

 

إلى جانب ذلك يؤكد الدكتور عمرو مغربي عضو مجلس نقابة صيادلة القاهرة أن هامش ربح الصيدلي لا يتجاوز 9 بالمئة قبل خصم المصروفات بما يفسر عجز منشآت كثيرة عن الوفاء بالتزاماتها.

 

غير أن الضرائب والإيجارات والأجور وفواتير التشغيل لا تنتظر تحسن الهامش ولذلك تصبح الصيدلية المحاصرة يوميا أمام خيارات قاسية تشمل تقليص العمالة أو تراكم الديون أو الانسحاب نهائيا من السوق.

 

وطالب رمزي برفع حد الإعفاء الضريبي إلى 500 ألف جنيه أو 250 ألفا على الأقل سنويا بما يعكس تراجع قيمة العملة ويوقف معاملة الإيرادات الاسمية كأنها أرباح حقيقية في ظل التضخم.

 

كذلك دعا إلى رفع الحد الأدنى للتسجيل في ضريبة القيمة المضافة إلى مليوني جنيه سنويا لأن الحدود القائمة سابقا وضعت في ظروف اقتصادية مختلفة وأصبحت تلتهم سيولة الصيدليات الصغيرة والمتوسطة.

 

ولذلك فإن تحسين هامش الربح ليس امتيازا لفئة مهنية بل إجراء لحماية استمرار الصيدليات القريبة من المواطنين خصوصا في القرى والأحياء الفقيرة التي لا تملك بدائل واسعة للحصول على الدواء.

 

علاوة على ذلك تتطلب المعالجة إلغاء آثار التسعيرتين وإقرار قواعد واضحة تضمن تعويض الصيدلي عن فروق الأسعار وتحمي رأس ماله من التبخر كلما أعيد تسعير صنف أو طرأت زيادة جديدة.

 

 

منافذ تشغيل معطلة

 

في الوقت نفسه تمتلك مصر نحو 180 مصنعا دوائيا لكن قطاعات في الإنتاج ومراقبة الجودة وضمان الجودة ودراسات الثبات لا تستفيد بالقدر الكافي من الصيادلة رغم صلتها المباشرة بتكوينهم العلمي.

 

ومن ثم يطالب رمزي بإعادة توجيه فرص المصانع نحو الخريجين المؤهلين بدلا من تشغيل غير المتخصصين في وظائف دوائية حساسة بما يفتح أبوابا حقيقية جديدة للعمل ويرفع جودة الإنتاج والرقابة.

 

فضلا عن ذلك يمكن لمعامل وزارة الصحة والمعامل المركزية استيعاب جانب من الخريجين عبر مسارات تدريب معتمدة في التحاليل والتغذية العلاجية والتغذية الوريدية بدلا من تركهم فريسة للبطالة والأعمال الهامشية.

 

وبناء على ذلك يصبح تقليل المقبولين في الكليات ضرورة موازية لفتح مجالات التشغيل لأن التوسع التعليمي العشوائي بلا حساب لا يصنع خدمة صحية أفضل وإنما يضاعف جيشا من الخريجين المحبطين.

 

وفي السياق نفسه تتقاطع رؤية محمد الشيخ بشأن حماية دور الصيدلي مع دعوة عمرو مغربي لتحسين العائد ومع تحذيرات محفوظ رمزي من تكدس الخريجين لتشكل مطالب نقابية لا يجوز تجاهلها.

 

وعليه يبدأ الإنقاذ برفع الحراسة عن النقابة وتمكين الصيادلة من اختيار ممثليهم ثم فتح تفاوض ملزم مع وزارات الصحة والتعليم العالي والمالية لتحديد القبول والتكليف والضرائب وهوامش الربح وفق بيانات معلنة.

 

وأخيرا تضع الأرقام الحكومة أمام مسؤوليتها فبقاء 76 ألف صيدلية تحت ضغط المديونيات و55 ألف صيدلي مقيد في القاهرة بلا تنظيم فعال يعني أن الأزمة صنعتها القرارات ولن تنهيها الوعود.