اتهم أهالي قرية جزيرة أبوصالح بمركز ناصر الشركة الكندية المصرية بتحويل وحدة تدوير الدواجن النافقة إلى مصدر يومي للروائح الخانقة والانبعاثات، مؤكدين أن آثارها أصابت أطفالا ومسنين بأمراض تنفسية مزمنة.
وكشف السكان أن المعاناة لم تعد عابرة، إذ تهاجم الروائح منازل آلاف المواطنين بصورة متكررة، وتحرمهم فتح النوافذ أو النوم الطبيعي، بينما تستمر الشكاوى بلا استجابة تنفيذية تنهي الخطر أو تحد منه.
روائح تتجاوز حدود القرية
وبحسب روايات الأهالي، تتركز الانبعاثات خلال ساعات الليل المتأخرة، بما يثير شكوكا حول توقيت تشغيل الوحدة بعيدا عن الرقابة المعتادة، ويستدعي تفتيشا مفاجئا يرصد التشغيل الفعلي وظروف معالجة المخلفات داخل الموقع.
كما يؤكد سكان القرية أن نطاق التلوث تجاوز حدود جزيرة أبوصالح، ووصلت الروائح إلى كورنيش النيل وشرق مدينة بني سويف، وهو امتداد يكشف اتساع مصدر الانبعاثات ويضاعف عدد المتضررين المحتملين.
وفي المقابل، لم يقدم النص المتاح ردا من الشركة على الاتهامات، كما لم يتضمن نتائج قياسات رسمية لجودة الهواء، لذلك تبقى مسؤولية الجهات المختصة إجراء فحص معلن يحسم المصدر ونسب الملوثات.
غير أن غياب القياسات المنشورة لا ينفي الشكوى المتكررة، فالروائح النفاذة مؤشر يستوجب التحرك الوقائي، خصوصا عندما تتزامن مع بلاغات عن سعال وحساسية وضيق تنفس بين الفئات الأكثر هشاشة صحيا.
وفوق ذلك، ترتبط مخلفات الدواجن النافقة بمخاطر بيولوجية وكيميائية إذا عولجت بوسائل غير آمنة، إذ قد تنتج عنها غازات وجسيمات وروائح، فضلا عن احتمال تلويث التربة والمياه القريبة والمناطق المحيطة بها.
ويضع الخبير البيئي مجدي علام قاعدة واضحة في تناوله لإدارة المخلفات، مفادها أن التدوير السليم بديل للحرق الملوث، وهو معيار يجعل فحص التقنية المستخدمة وكفاءة المرشحات ضرورة لا إجراء شكليا.
لذلك يطالب الأهالي لجنة مستقلة تضم البيئة والصحة والطب البيطري والمحافظة، على أن تعمل ليلا ونهارا، وتأخذ عينات من الهواء والرماد والمياه، وتنشر نتائجها للرأي العام دون تأخير أو تجميل.
وبالتوازي، ينبغي مراجعة تراخيص الوحدة ودراسة تقييم أثرها البيئي وسجلات التشغيل والصيانة، ومطابقة كميات النافق الداخلة بالمخرجات، حتى لا يتحول التفتيش إلى زيارة مكتبية عاجزة عن كشف المخالفات المحتملة المسجلة.
رقابة غائبة ليلا
أما استمرار النشاط أثناء فحص الشكوى من دون احتياطات إضافية، فيبقي السكان معرضين للخطر المزعوم، ويمنح المنشأة فرصة تعديل ظروف التشغيل مؤقتا قبل وصول اللجان، بما يفرغ الرقابة من مضمونها.
ومن ثم، يصبح الرصد المفاجئ خلال الليل مطلبا منطقيا لا اتهاما نهائيا، خاصة أن الأهالي يقولون إن شدة الروائح ترتفع في تلك الساعات، وإن سيارات تنقل المخلفات إلى القرية بعيدا عن الأنظار.
وبناء على ذلك، يجب تتبع مسارات سيارات نقل النافق، والتحقق من تراخيصها ووسائل إحكامها وتطهيرها، لأن التسرب أثناء النقل قد يوسع دائرة التلوث، وينقل مسببات مرضية عبر الطرق والمناطق السكنية.
صحيا، يوضح الطبيب مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، أن تلوث الهواء يفاقم اضطرابات الجهاز التنفسي، وأن الأطفال أشد تأثرا خصوصا، ما يدعم طلب فحوص عاجلة للسكان وتوثيق الحالات.
كذلك لا يكفي علاج المصابين فرادى، بل يلزم سجل صحي للقرية يقارن معدلات الربو والحساسية والالتهاب الشعبي قبل تفاقم الروائح وبعده، ويربط النتائج ببيانات الهواء وفق منهج طبي قابل للمراجعة.
إضافة إلى ذلك، ينبغي توفير عيادة متنقلة مؤقتة للأطفال والمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، مع إحالة الحالات الخطرة للمستشفيات، وتحميل المتسبب نفقات العلاج والتعويض إذا أثبت التحقيق علاقة الانبعاثات بالأضرار المسجلة.
وفي السياق نفسه، تثير قرب المنشأة من المجاري المائية مخاوف تتطلب تحليل المياه والتربة المحيطة، والتحقق من كيفية التخلص من الرماد والسوائل وبقايا المعالجة، لمنع انتقال التلوث إلى الزراعة والغذاء.
الصحة تنتظر دليلا
ورغم تكرار البلاغات، يقول الأهالي إن أجهزة المحافظة وشؤون البيئة لم تقدم حلا جذريا حتى الآن، وهو تقاعس يستوجب كشف أعداد الشكاوى وتواريخ معاينتها ومحاضر المخالفات والإجراءات التي اتخذت فعليا.
وبدلا من الاكتفاء بوعود عامة، يتعين إعلان جدول زمني قصير وواضح للفحص والتصحيح، يتضمن وقف أي خط تشغيل مخالف، وتركيب أنظمة تنقية فعالة، وإلزام الشركة بقياسات دورية تنشر نتائجها للسكان.
ومن ناحية أخرى، يرى استشاري البيئة ماهر عزيز أن حماية الموارد والصحة جزء أصيل من كلفة النشاط الاقتصادي، وهو مبدأ يمنع نقل أرباح المنشأة إلى مالكيها وترك فاتورة التلوث للمواطنين.
وعليه، تتحمل الشركة واجب إثبات التزامها الكامل، عبر تقديم التراخيص وسجلات درجات التشغيل وصيانة المرشحات وطرق التخلص النهائي، بينما تتحمل الحكومة واجب التحقق المستقل وعدم الاعتماد على مستندات المنشأة وحدها.
فضلا عن ذلك، يجب فتح قناة معلنة لتلقي بلاغات السكان، وتسجيل وقت الرائحة واتجاه الرياح والأعراض المصاحبة تسجيلا دقيقا، بما يصنع قاعدة بيانات تساعد المفتشين على تحديد ساعات الذروة ومصدر الانبعاث.
وفي حال ثبوت المخالفات، ينبغي تطبيق الجزاءات ووقف الوحدة حتى إزالة أسباب الضرر، مع إلزام الشركة بإصلاح الأثر البيئي وتعويض المصابين، بدلا من تسويات شكلية تعيد الأزمة بعد مغادرة اللجان.
وحتى ظهور النتائج، يبقى وصف الأمراض بأنها ناجمة قطعا عن الوحدة بحاجة إلى دليل طبي وبيئي، لكن هذا التحفظ لا يبرر الصمت، بل يفرض تحقيقا أسرع يحمي الناس ويحفظ سلامة الأدلة.
وأخيرا، تختبر أزمة جزيرة أبوصالح جدية مؤسسات الرقابة في حماية آلاف السكان من نشاط صناعي متهم بالإضرار بصحتهم، فإما تحقيق شفاف وقرار حاسم، وإما استمرار الروائح دليلا يوميا على غياب المحاسبة.

