دفعت موجات الحرارة القاسية وفجوة الانتقال بين العروات أسعار الطماطم إلى نحو 30 جنيها للكيلو، فيما يواجه المستهلكون تحذيرات بوصولها إلى 40 جنيها مطلع أكتوبر مع تقلص الإنتاج وغلاء الزراعة.
كشفت الأزمة هشاشة سوق سلعة أساسية لا تحتمل موائد المصريين غيابها، بعدما اجتمعت اضطرابات المناخ والأمراض النباتية وانكماش المساحات المزروعة مع حلقات تداول متعددة، فانتقلت كلفة الإخفاق إلى جيوب الأسر.
فجوة تضرب المعروض
بداية، أظهرت الجولات بلوغ سعر الطماطم مرتفعة الجودة 30 جنيها، بينما استقرت الأصناف المتوسطة قرب 25 جنيها، مع تفاوت واضح بين الأحياء بحسب المسافة من أسواق الجملة وحجم المعروض المحلي.
وبحسب حاتم النجيب نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، تراوح سعر الكيلو في الجملة بين 15 و20 جنيها، بينما تحرك بالتجزئة بين 22 و25 جنيها، ووصل ببعض المناطق إلى 30 جنيها.
في المقابل، رفض النجيب اعتبار الوصول إلى 40 جنيها مسارا محسوما، ورأى أن التحرك مؤقت ويرتبط بانتهاء موسم وبداية آخر، متوقعا تراجع الضغط مع زيادة الكميات الواردة من العروة الجديدة.
من ناحية أخرى، لا يمثل الفارق بين الجملة والتجزئة ربحا بالكامل، إذ تدخل ضمنه تكاليف النقل والتحميل والفرز والتعبئة ورسوم التداول، فضلا عن فاقد يصيب الطماطم بسبب سرعة تعرضها للتلف.
رغم ذلك، يكشف اتساع الفجوة السعرية ضعف الرقابة على مسار السلعة من الحقل إلى المستهلك، لأن تعدد الوسطاء يسمح بتضخيم السعر النهائي، عندما تنتشر توقعات النقص قبل وصول العجز للأسواق.
في الوقت نفسه، تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر، فالطماطم تدخل في معظم الوجبات، وأي زيادة فيها تتراكم مع ارتفاع أسعار الخبز والزيوت والخضروات، بما يقلص القدرة على إعداد طعام.
على صعيد الأسواق، يدفع تفاوت الجودة التجار إلى عرض كميات أقل صلاحية بأسعار مرتفعة، بينما يضطر المستهلك للمفاضلة بين شراء احتياجاته المعتادة أو تقليل الكميات، وسط غياب بدائل رخيصة ومناسبة.
المناخ يرهق الزراعة
ووفقا لحسين أبو صدام نقيب الفلاحين، تسببت الحرارة في تقليل التزهير وإضعاف عقد الثمار وزيادة الأمراض النباتية، ما خفض إنتاجية الفدان وقلص الكميات المطروحة، بالتزامن مع تأخر بدء العروة التالية.
كما حذر أبو صدام من وصول الكيلو إلى 40 جنيها مع بداية أكتوبر، وربط هذا الاحتمال بثبات الطلب أمام تراجع العرض، فضلا عن سرعة انتهاء إحدى العروات واتساع الفاصل الإنتاجي.
علاوة على ذلك، أرجع نقيب الفلاحين الأزمة إلى تقلص المزارعين والمساحات المزروعة بعد خسائر في مواسم سابقة، عندما هبطت الأسعار دون تكاليف الإنتاج، فانسحب منتجون من زراعة محصول شديد المخاطر.
فضلا عن ذلك، رفعت أسعار البذور والأسمدة والمبيدات والطاقة والعمالة كلفة زراعة الطماطم، بينما يظل المزارع معرضا لتقلبات حادة قد تحول الوفرة إلى خسارة، أو تجعل الندرة مكسبا للوسطاء وحدهم.
لذلك، لا تبدو الأزمة مجرد فاصل موسمي عابر، لأن تغير مواعيد الحرارة يربك جداول الزراعة والحصاد، ويضعف قدرة المنتجين على توقع الإنتاج، فيما تظل خطط التكيف المناخي أبطأ من التقلبات.
نتيجة لذلك، يؤدي غياب الإرشاد الزراعي إلى تأخر اكتشاف الإصابات واستخدام مبيدات غير مناسبة، وهو يرفع الفاقد ويضر الجودة، ثم يدفع المزارع إلى تحميل ما تبقى من المحصول بتكاليف جديدة.
وفوق ذلك، يفاقم غش بعض مستلزمات الإنتاج المشكلة، لأن التقاوي أو المبيدات الرديئة تخفض الإنتاجية وتستنزف أموال الفلاحين، بينما لا تظهر الخسارة إلا بعد شهور من الإنفاق والعمل داخل الحقول.
بالتوازي، يهدد استمرار الخسائر بإحجام مزيد من المزارعين عن العروات المقبلة، ما يحول التقلب الموسمي إلى نقص متكرر، ويجعل المستهلك رهينة لدورات ارتفاع لا تعالجها بيانات الطمأنة أو الحملات المؤقتة.
الرقابة وحدها لا تكفي
ويرى أشرف كمال أستاذ الاقتصاد الزراعي أن ارتفاع الطماطم بين العروات ظاهرة مؤقتة، وأن زيادة إنتاج العروة التالية تستطيع تهدئة السوق، بشرط انتظام تدفق المحصول وعدم حدوث صدمات مناخية جديدة.
ومع ذلك، فإن انتظار العروة الجديدة لا يمثل سياسة حماية، إذ تحتاج الدولة إلى خرائط دقيقة تربط المساحات بالاستهلاك، وتصدر إنذارات قبل اتساع الفجوة، بدلا من التحرك بعد انفلات الأسعار.
ومن ثم، يتطلب ضبط السوق تقليص حلقات الوساطة وتطوير أسواق الجملة ومراكز التجميع، لأن وصول المحصول من المزارعين يخفض النقل والفاقد، ويمنح المنتج سعرا دون تحميل المستهلك هوامش غير مبررة.
بناء على ذلك، يصبح توفير التقاوي والمبيدات الآمنة والإرشاد الميداني ضرورة لحماية المحصول، إلى جانب دعم تقنيات التظليل والري الملائم للحرارة، حتى لا يبقى الفلاح وحيدا أمام تغيرات مناخية متسارعة.
كذلك، تستطيع منافذ البيع تخفيف الصدمة إذا طرحت كميات كافية بأسعار حقيقية، لكن أثرها سيظل محدودا ما لم تشمل المناطق الشعبية والقرى، وما لم تخضع سلاسل الإمداد لرقابة معلنة ومستدامة.
أما الاكتفاء باتهام التجار، فيتجاهل جذور الأزمة داخل الحقول، كما أن تبرير الزيادة بالفاصل بين العروات يعفي الجهات المسؤولة من معالجة نقص البيانات والتخزين والنقل والتعاقدات التي تحمي المزارع والمستهلك.
إلى جانب ذلك، يحتاج صغار المزارعين إلى تمويل ميسر وتأمين زراعي يعوض خسائر الطقس والأمراض، لأن تركهم لمخاطر السوق يدفعهم نحو محاصيل أقل كلفة، ويعمق نقص الطماطم في المواسم التالية.
أخيرا، تضع توقعات بلوغ 40 جنيها الحكومة أمام اختبار عاجل، فإما معالجة نقص المعروض وحماية الزراعة من المناخ والغلاء، وإما ترك الأسر تدفع مجددا ثمن التخبط بين الحقل والسوق وحدها.

