منحت وفود اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر نظام السيسي واجهة دولية جديدة، باختيار مصر لاستضافة مؤتمر الأطراف عام 2028، رغم سجل داخلي تتراجع فيه المياه والخضرة والنظافة وتتسع مظاهر التدهور البيئي.

 

ويكشف القرار فجوة فادحة بين منصة المؤتمر والواقع المصري، إذ تستعد السلطة لاستقبال الوفود بخطاب عن حماية الأرض، بينما يواجه المواطنون نقص المياه وقطع الأشجار وتراكم القمامة وتلوث المجاري المائية.

 

 

واجهة تخفي أزمة المياه

 

بداية يرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي أن ثبات حصة مصر عند 55.5 مليار متر مكعب، مع تضاعف السكان، عمق الفقر المائي وجعل كل تهديد للنيل أشد خطورة مستقبلاً.

 

فعلياً لم ينجح السيسي طوال سنوات التفاوض في انتزاع اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، بينما انتقلت إثيوبيا من مراحل الملء المتتابعة إلى فرض واقع مائي تتحكم فيه منفردة.

 

في المقابل حولت السلطة الإخفاق إلى بيانات عن المتابعة والجاهزية، من دون محاسبة عن ضياع سنوات التفاوض، أو تفسير كيف تستضيف دولة مؤتمراً للجفاف بينما أمنها المائي معلق بقرارات خارج حدودها.

 

وفوق ذلك هبط نصيب الفرد إلى نطاق الفقر المائي المدقع، مقترباً من 500 متر مكعب سنوياً، وهو أقل كثيراً من حد الندرة العالمي، بما يضغط الزراعة والغذاء وحياة المصريين يومياً.

 

ومع ذلك تواصل الحكومة التوسع في مشروعات عمرانية كثيفة الاستهلاك للمياه، وتقدم التحلية وإعادة الاستخدام باعتبارهما إنجازاً، مع أنهما لا يعوضان حق مصر التاريخي ولا يبرران غياب اتفاق ملزم دائم.

 

على الجانب الآخر تتحمل الأراضي الزراعية كلفة العجز، عبر تقليص مساحات محاصيل وارتفاع ملوحة التربة والاعتماد المتزايد على مياه صرف معالجة، وهي أعراض تناقض صورة الدولة المؤهلة لقيادة مكافحة التصحر.

 

كذلك لا ينفصل التصحر عن السياسات التي تستهلك التربة الخصبة بالبناء والطرق، فالدلتا الضيقة تحمل غالبية السكان، وأي فقد جديد فيها يضاعف هشاشة الغذاء ويزيد الاعتماد على الاستيراد المكلف خارجياً.

 

بدورها تتحدث الخطط الرسمية عن تحييد تدهور الأراضي حتى عام 2030، لكن غياب البيانات المفتوحة والخرائط المحدثة يجعل قياس التقدم صعباً، ويحول التعهدات إلى عبارات لا يستطيع المجتمع محاسبتها فعلياً.

 

 

الأشجار ضحية الأسفلت

 

من جهته يؤكد خبير البيئة مجدي علام أن الأشجار أداة أساسية لخفض الحرارة وامتصاص الملوثات ومواجهة تغير المناخ، ما يجعل إزالتها من الشوارع خسارة بيئية لا تعوضها حملات دعائية مؤقتة.

 

وفي الوقت نفسه شهدت القاهرة والجيزة ومحافظات أخرى شكاوى متكررة من قطع أشجار معمرة وتقليم جائر لصالح توسعات مرورية، بينما جاءت الاستجابة الرسمية غالباً بعد انتشار الصور وتصاعد غضب السكان.

 

وعليه تبدو مبادرة زراعة 100 مليون شجرة بلا كشف تفصيلي يوضح المزروع فعلياً والنافق والمقتلع، فيما تختفي ظلال قائمة منذ عقود لتوسيع طرق تخدم السيارات على حساب صحة البشر جميعاً.

 

إضافة إلى ذلك تنتج مصر نحو 22 مليون طن من المخلفات الصلبة سنوياً، في حين بلغت كفاءة الجمع والنقل المعلنة 74 بالمئة، ما يعني أن جزءاً كبيراً يظل خارج المنظومة النظامية.

 

بالتوازي لا تزال أكوام القمامة والحرق المكشوف مشهداً مألوفاً في مناطق شعبية وريفية، رغم الإنفاق على مدافن ومحطات وسيطة، بما يكشف أن البنية الجديدة لم تتحول دائماً إلى خدمة يومية مستقرة.

 

أما نسبة تدوير المخلفات البلدية المجمعة، التي أعلنت الحكومة بلوغها 37 بالمئة خلال 2025، فتعني أن معظم المخلفات لا يزال بعيداً عن التدوير السليم، خلافاً للصورة الخضراء المصاحبة للمؤتمرات الدولية.

 

وعوضاً عن نشر عقود النظافة ومؤشرات الأداء بكل محافظة، تكتفي الوزارات بأرقام إجمالية يصعب تدقيقها ومراجعتها، بينما يدفع المواطن رسوماً متزايدة ويظل مطالباً بالتعايش مع الحاويات الممتلئة والروائح والحشرات يومياً.

 

ثم إن أزمة الصرف تكشف وجهاً أخطر، إذ تفيد بيانات الهدف الأممي السادس بأن 63 بالمئة فقط من مياه الصرف المنزلي عولجت بأمان خلال 2024، تاركة فجوة خدمية واسعة ومقلقة.

 

 

التلوث يفضح الاستضافة

 

في هذا السياق يحذر أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين من أن ندرة المياه وتدهور نوعيتها يهددان الزراعة والأمن الغذائي، مؤكداً أن حماية النيل يجب أن تسبق التوسع في الاستخدامات المكلفة.

 

ولذلك لا يمكن فصل الاستضافة عن وقائع صرف صحي وصناعي وصلت إلى مجار مائية مرتبطة بالنيل، وعن أحكام قضائية طالبت بوقف التلوث، بينما بقي التنفيذ والمحاسبة دون مستوى الخطر الصحي.

 

فضلاً عن ذلك أثبتت أزمة مصرف السيل في أسوان أن السكان قد يدفعون ثمن العجز الرقابي مباشرة، بعدما وثقت معاينات قضائية تلوثاً خطيراً، فتحولت مياه الحياة إلى مصدر خوف ومرض.

 

إلى جانب ذلك لا تكفي محطات المعالجة الجديدة إذا ظلت الشبكات متهالكة والرقابة متقطعة، لأن أي تسرب إلى الترع والمصارف يعيد الملوثات إلى دورة الري والغذاء ويضاعف المخاطر الصحية على القرى.

 

وبناءً عليه يصبح الاحتفال بإجماع الوفود على مصر مستفزاً، لأن الشرعية البيئية لا تمنحها قاعة دولية، بل تقاس بماء نظيف وأرض مصانة وهواء أقل تلوثاً وشارع لا تغمره القمامة يومياً.

 

في المحصلة يستطيع مؤتمر 2028 أن يتحول إلى منصة مساءلة إذا فرض نشر مؤشرات سنوية مستقلة عن الأراضي والمياه والأشجار والمخلفات، بدلاً من ترك السلطة تستخدم الحدث شهادة مجانية لتجميل سجلها.

 

أخيراً لن يحجب استقبال الوفود مسؤولية السيسي عن إدارة ملف النيل بلا اتفاق ملزم، ولا عن سياسات عمرانية اقتلعت الخضرة وأرهقت الموارد، فمكافحة التصحر تبدأ من الداخل لا من منصات الخطابة.