ما حدث في مجزرة "رابعة العدوية" لا زال عالقًا بأذهان شهود العيان، بالنظر إلى بشاعة وحجم الجرم الذي ارتكبته قوات أمن الانقلاب أثناء فض اعتصام أنصار الرئيس المنتخب محمد مرسي في 14 أغسطس 2013، ولا يزال الذين عاصروا تلك المجزرة الوحشية يروون مشاهداتهم حتى يتم توثيقها، من أجل الحفاظ على الحقوق القانونية لمئات الضحايا الذين سقطوا في ذلك اليوم.
وثقت منظمات حقوقية، من بينها منظمة هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، اندلاع حرائق واسعة النطاق في الساعات الأخيرة من الفض شملت الخيام الممتدة، والمنصة الرئيسة، والمستشفى الميداني، ومسجد رابعة العدوية.
وفقًا لشهادات أطباء ومصححين ميدانيين، فإن النيران حاصرت أجزاءً من المستشفى الميداني والمسجد حيث كانت تتجمع عشرات الجثث والمصابين. ونظرًا لشدة إطلاق النار وإجبار الطواقم الطبية على المغادرة، عجز المعتصمون عن إنقاذ العديد من الجثامين والمصابين غير القادرين على الحركة، مما أدى إلى تفحمها بالكامل داخل هذه المقرات.
وعقب انتهاء الفض، تم نقل ما يزيد عن 200 جثة متفحمة ومجهولة الملامح إلى "مسجد الإيمان" القريب بشارع مكرم عبيد، حيث اصطفت الجثث على الأرض تحت قوالب الثلج لتمكين الأهالي من التعرف عليها، وبدا الكثير منها متفحماً لدرجة استحال معها التعرف على الهوية دون فحص الحمض النووي (DNA).
جثامين ضحايا رابعة المحروقة
ويتذكر الحقوقي أحمد العطار، أحد شهود المجزرة في منشور عبر حسابه في موقع "فيسبوك"، بعنوان "جثامين ضحايا رابعة المحروقة.. وشهادتي أمام الله وقبل أن ألقاه"، كيف تعرضت مئات الجثث للحرق والتشويه.
وكتب قائلاً: "في مساء يوم 14 أغسطس 2013، يوم فض اعتصام رابعة العدوية، وأثناء وجودي في مسجد الإيمان بمدينة نصر، بحكم عملى الحقوقى تواصل معي أحد الأصدقاء ليسألني إذا كنت قد رأيت ابنه الشاب، الذي انقطعت أخباره وسبل التواصل معه منذ صباح ذلك اليوم".
وأضاف العطار: "وكان المسجد قد امتلأ عن آخره بجثامين ضحايا الفض.، كانت الجثامين ملفوفة بالأكفان البيضاء، التي تحولت في كثير من الحالات إلى اللون الأحمر بسبب الدماء التي كانت تسيل من الضحايا، رحمهم الله جميعًا".
وتابع: "وكان على كل جثمان اسم صاحبه، والمدينة أو المحافظة التي ينتمي إليها، وأي معلومات متاحة عنه. وبالبحث السريع، لم أجد اسم الشاب من بينهم".
وأردف: "وكان هناك أيضًا عدد كبير من الأكفان الأخرى، لا أتذكر عددها تحديدًا، لكنها كانت كثيرة ومتراصة بجوار بعضها، وقد كُتب عليها: «مجهول»، أو «لم يتم التعرف على هويته».
الصدمة الكبيرة
ويتذكر العطار بألم وحسرة: "وهنا كانت الصدمة الكبيرة بالنسبة لي. فقد قمت بفتح عدد كبير من هذه الأكفان، لأُصدم بهول الفاجعة. كانت جثامين معظمهم قد تعرضت للحرق، وبعضها كان محترقًا بالكامل، ولم يتبقَّ منها إلا القليل من المعالم التي لم تكن تكفي للتعرف على أصحابها".
وقال إنه "من هول المفاجأة والصدمة، ومن حجم وأعداد الضحايا التي رأيتها أمام عيني، لم أتمكن من فتح بقية الأكفان القليلة المتبقية".
وأضاف العطار في شهادته: "أتذكر أنه في تلك الليلة، كنا نحمل كفن أحد الضحايا، وتحديدًا بالقرب من المدخل، ناحية الباب الأيسر للمسجد. وبينما كنت أحمله مع شخص آخر، سمعت صوت تكسير، وكأن شيئًا ما حدث داخل الكفن. فتحت الكفن، فوجدت جثمان أحد الضحايا وقد احترق بالكامل. قمنا بنقله إلى كفن آخر، وطلبت من شاب صغير، كان موجودًا وقتها، أن يحضر لي كيسًا. وقمت بجمع ما سقط من الجثمان ووضعته في الكيس، ثم وضعته مع الكفن، ليتم دفنه مع صاحبه".
وأشار إلى أن "ما حدث في يوم الفض والمجزرة ما زال باقيًا في قلوب ومشاعر وأحاسيس كل من عاصر هذا اليوم. وأشهد بما رأيت أمام الله، وقبل أن ألقاه".
https://www.facebook.com/photo?fbid=1765568024479149&set=a.100637524305549
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا تداول صور ومقاطع مرئية جديدة تظهر لقطات من أحداث فض اعتصام "رابعة"، مما أثار الجدل مجددًا حول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الانقلاب على ما وصفته تقارير حقوقية بأنه "أسوأ يوم في تاريخ مصر الحديث".
وأشار مدونون وناشطون إلى أن بعض هذه المواد جرى التقاطها وتوثيقها عبر الهواتف الشخصية لعناصر وضباط شاركوا ميدانيًا في العملية. وتأتي هذه التسريبات بالتزامن مع أنباء تداولها باحثون حول إجراء تحقيق داخلي في ملفات بعض الأفراد الأمنيين المرتبطين بتلك الأحداث.

