فجّر فيديو يظهر سحل شاب متهم بسرقة كراتين في منطقة المهندسين سؤالاً يتجاوز الجريمة نفسها، بعدما تحولت لحظة ضبطه إلى مشهد عقاب جماعي شمل التقييد والضرب والإهانة أمام المارة في شارع مفتوح.
ضبط لص داخل مستشفى الصفا والمروة بالمهندسين.. ومشاهد صادمة أثناء الإمساك به
— منصة مراد (@manasetmurad) August 26, 2026
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قيل إنه يوثق لحظة ضبط شخص داخل مستشفى الصفا والمروة بمنطقة المهندسين، وسط حالة من التوتر والانفعال بين المتواجدين.
وأثارت المشاهد المتداولة حالة من… pic.twitter.com/gNJArpPh0L
وكشفت التحقيقات أن الأجهزة الأمنية تحفظت على 5 أشخاص ظهروا في المقاطع، بالتوازي مع التحقيق مع الشاب في واقعة السرقة، لتصبح القضية أمام مسارين قانونيين أحدهما للسرقة والآخر للاعتداء أيضاً.
حين ينتزع الشارع العقاب
وأظهرت المقاطع المتداولة الشاب مقيد اليدين والقدمين ومجرداً من الجزء العلوي من ملابسه، بينما التف حوله عدد من الأشخاص، في صورة أعادت النقاش حول حدود تدخل المواطنين عند ضبط مشتبه به.
في المقابل، نفت إدارة مستشفى الصفا مسؤوليتها عن المعتدين، وقالت إن الواقعة حدثت خارج المستشفى وإن المقبوض عليهم ليسوا من العاملين لديها، بما ينقل المسؤولية إلى الأفراد الذين شاركوا في الاعتداء.
وبعيداً عن الاتهام الأصلي، لا يمنح الاشتباه في السرقة أي شخص سلطة توقيع عقوبة بدنية، لأن القبض على مشتبه به يختلف قانونياً وأخلاقياً عن تعريته وربطه وسحله وإخضاعه لإذلال علني.
ومن هنا، تكشف الواقعة مساحة خطرة بين ضبط المتهم وتسليمه للشرطة، وهي المساحة التي يتحول فيها الغضب إلى سلطة، ويمنح أفراد لأنفسهم حق التحقيق والحكم وتنفيذ العقوبة في اللحظة نفسها.
ويرى أستاذ علم الاجتماع أحمد زايد أن تنفيذ العقاب بصورة فردية يمثل فوضى وخطراً على المجتمع، مشدداً على أهمية الدولة في تطبيق القانون وحماية التعاقد الذي ينظم العلاقة بين الأفراد.
وبالتالي، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بالتعاطف مع متهم بالسرقة، وإنما بمن يملك حق العقاب، لأن التساهل مع الانتقام الشعبي يهدد أي شخص يمكن أن يصبح هدفاً لاشتباه خاطئ أو خصومة.
كذلك، يفتح تصوير الاعتداء ونشره باباً آخر للعنف، إذ لا يعود الإيذاء مقصوراً على الجسد، بل يتحول إذلال الشخص إلى مادة عامة للمشاهدة والتعليق وإعادة التداول بعد انتهاء الواقعة تماماً.
الفقر وحدود المسؤولية
وعلى الجانب الآخر، لا يمكن استخدام رفض السحل لتبرير السرقة، فالمتهم إن ثبتت إدانته يجب أن يحاسب، لكن المحاسبة تبدأ بمحضر وتحقيق ومحاكمة وتنتهي بعقوبة يحددها القضاء لا الشارع وحده.
وتشير أستاذة علم الاجتماع هند فؤاد إلى أن الفقر والبطالة والأزمة الاقتصادية من العوامل التي تساعد على انتشار بعض الجرائم، إلى جانب المخدرات والاضطرابات الشخصية وتأثير البيئة الرقمية الحديثة المتسعة.
ومع ذلك، لا تعني هذه العوامل أن الفقر ينتج الجريمة بصورة آلية، فالأغلبية الساحقة من الفقراء لا يسرقون، كما أن اختزال الجريمة في الحاجة يحمّل الفئات الأضعف وصمة جماعية غير عادلة.
في الوقت نفسه، تجعل الضغوط المعيشية المتراكمة بعض الأفراد أكثر هشاشة أمام المخاطر، خصوصاً مع تراجع الدخل وارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية، وهو ما يستدعي معالجة الوقاية الاجتماعية بالتوازي مع العقوبة.
وعليه، يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كانت الدولة تكتفي بالتدخل بعد وقوع الجريمة، أم تمتلك أدوات تمنع أسبابها وتمنع أيضاً المواطنين من تحويل الشوارع إلى ساحات قصاص خارج القانون.
الدولة أمام اختبار العدالة
أما أستاذة علم الاجتماع سامية خضر فترى أن انتشار العنف يرتبط أيضاً بتراجع منظومة القيم ودور الأسرة والتعليم وتأثير المحتوى العنيف، رافضة تفسير الظاهرة الاقتصادية باعتبارها السبب الوحيد دائماً منفرداً.
ومن زاوية أخرى، تعكس واقعة المهندسين مشكلة في ثقافة العقاب نفسها، حين يصبح الإيذاء الجسدي دليلاً على الحزم، بينما ينظر بعض الحاضرين إلى التسليم الهادئ للشرطة باعتباره تساهلاً مع الجريمة.
لهذا، فإن أخطر ما في المشهد ليس عدد الضربات أو قيمة الكراتين، بل تطبيع فكرة أن الجماعة تستطيع صناعة عدالة فورية، وأن الغضب يمنحها تفويضاً مؤقتاً يتجاوز مؤسسات التحقيق والقضاء.
وفوق ذلك، قد تدفع تجارب سابقة مع بطء الإجراءات أو ضعف الثقة لدى بعض المواطنين إلى الرغبة في حسم المواقف بأنفسهم، لكن هذا الشعور لا يمنح شرعية قانونية للضرب أو الإهانة.
في هذا السياق، يصبح حضور الدولة أوسع من وصول الشرطة بعد البلاغ، فهو يشمل ترسيخ يقين عام بأن القانون سريع وعادل، وأن المواطن لا يحتاج إلى انتزاع حقه بيده أو معاقبة خصمه.
ومن ناحية ثانية، تستدعي الواقعة مبدأ العدالة قبل العقوبة، وهو معنى حاضر في التراث الإسلامي من خلال مراعاة الضرورة والظروف الاجتماعية عند تقدير المسؤولية، من دون إسقاط أصل المحاسبة القانونية.
ومثال ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب في وقائع السرقة زمن الشدة، إذ لم يتعامل مع العقوبة بوصفها إجراءً منفصلاً عن الجوع والضرورة ومسؤولية من يملك القدرة على إطعام المحتاجين.
وبناء على ذلك، لا تعني استعادة هذه الوقائع التاريخية إسقاط أحكام الماضي على القانون الحديث، بل استحضار سؤال المسؤولية الاجتماعية الذي يسبق العقاب ولا يلغي حق المجتمع في حماية ممتلكاته.
في المحصلة، تكشف واقعة المهندسين خللاً مزدوجاً إذا ثبتت السرقة والاعتداء معاً، فهناك شخص مطالب بتحمل مسؤولية فعله، وهناك آخرون مطالبون بتحمل مسؤولية تحويل الضبط إلى عقوبة وإهانة علنية مباشرة.
وأمام هذا المشهد، يصبح الامتحان الحقيقي في تطبيق معيار واحد على الجميع، فلا حصانة لمتهم بالسرقة بسبب فقره، ولا حصانة لمن اعتدى عليه بدعوى حماية المال أو مساعدة أصحاب المكان.
وأخيراً، فإن أخطر دلالات الواقعة أن يتحول الغضب الشعبي إلى بديل عن مؤسسات العدالة، لأن المجتمع الذي يسمح لأفراده بأن يكونوا قضاة وجلادين اليوم قد يجد غداً ضحية بلا محاكمة.

