كشف تقرير صادر عن شركة «ذا بورد كونسالتنغ» لأبحاث السوق تراجع الطلب في السوق العقارية المصرية بنسبة 3% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالنصف الثاني من 2025، بالتزامن مع اتساع أزمة تأخر تسليم الوحدات وتحولها من مشكلة تخص مشروعات بعينها إلى عامل يضغط على قرارات الشراء في الطروحات الجديدة.

 

ويخفي الرقم وراءه أزمة أكثر حساسية من مؤشرات البيع؛ فالمشتري الذي دفع مقدمًا وأقساطًا لسنوات لا يتعامل مع الوحدة باعتبارها أصلًا ماليًا فقط، وإنما قد يرتبط بها موعد زواج أو انتقال أسرة أو خطة معيشية كاملة، ما يجعل التأخير غير المنضبط نقلًا فعليًا لجزء من تكلفة تعثر المشروع من الشركة إلى العميل.

 

ولا يعني انخفاض الطلب 3% أن تأخر التسليم هو السبب الوحيد في التراجع، إذ تتداخل معه الأسعار والقدرة الشرائية وتكلفة التمويل، لكن تزامن الظاهرتين يكشف تغيرًا مهمًا في سلوك المشترين: الوعود التسويقية لم تعد كافية، وسجل التنفيذ والتسليم أصبح جزءًا من قرار الشراء نفسه.

 

وجاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال أغسطس 2026 بتشكيل لجنة من أجهزة الدولة لتفقد المشروعات العقارية، ومراجعة مواعيد التسليم والتزام الشركات بالعقود واستكمال البنية الأساسية ومحاسبة المخالفين، ليعكس وصول المشكلة إلى مستوى يستدعي تدخلًا رقابيًا مباشرًا بعد تزايد شكاوى العملاء.

 

تمويل مرتبك يوقف عجلة التنفيذ

 

تكشف شهادات العاملين في قطاع المقاولات أن مواقع الإنشاء تمثل في كثير من الحالات المرحلة الأخيرة التي تظهر عندها الأزمة، بينما يبدأ الخلل قبل ذلك داخل دورة التمويل وتوزيع السيولة بين الأرض والإنشاء والتسويق والأقساط والمشروعات الجديدة.

 

ويرى شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة شمس الدين للمقاولات، أن تحميل المقاولين المسؤولية المباشرة عن التأخير يتجاهل ارتباط قدرتهم على مواصلة التنفيذ بانتظام صرف المستحقات من المطور، فالمقاول ينفذ الأعمال وفق تعاقد وبرنامج زمني يحتاج بدوره إلى تدفقات مالية منتظمة.

 

وتزداد خطورة تأخير المستخلصات مع تحمل المقاول تكاليف ثابتة للمعدات والنقل والإدارة والتشغيل، وهي مصروفات قال يوسف إنها قد تصل في بعض المشروعات إلى ما بين 10% و13% من قيمتها، بما يحد من قدرة شركة المقاولات على تمويل العمل من أموالها الخاصة لفترات طويلة.

 

لكن هذه الصورة لا تعفي منظومة التنفيذ كلها من المساءلة؛ فالعلاقة بين المطور والمقاول يجب ألا تتحول إلى دائرة يتبادل فيها كل طرف مسؤولية التأخير بينما يبقى المشتري الطرف الوحيد الذي يسدد التزاماته ولا يملك السيطرة على مسار المشروع.

 

ويتراجع أثر تقلب أسعار الخامات نسبيًا عندما تستقر العملة وتتحسن القدرة على تدبير احتياجات الاستيراد، إلا أن ذلك لا يعالج المشروعات التي دخلت الأزمة أصلًا بهياكل مالية ضعيفة أو التزامات بيع تفوق قدرتها الفعلية على الإنشاء.

 

وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تبيع الشركة الوحدة بأجل سداد طويل ومقدم محدود، ثم تعتمد على الأقساط نفسها لتمويل البناء؛ عندها قد يصبح التزامها تجاه المقاولين أسرع من تدفق أموال المشترين، فتتكون فجوة نقدية تتسع كلما تباطأت المبيعات.

 

وإذا انتقلت أزمة السيولة إلى مقاولي الباطن وموردي المواد والخدمات، فإن جدول المشروع يبدأ في فقدان تماسكه تدريجيًا، وقد يتوقف نشاط بينما يستمر آخر، لتتحول نسب الإنجاز المعلنة إلى مؤشر أقل دلالة على الموعد الحقيقي للانتهاء.

 

وهنا تبدو أزمة التسليم في جوهرها أزمة تخطيط مالي بقدر ما هي أزمة إنشاء؛ لأن المشروع الذي لا يمتلك سيولة كافية لاستكمال ما تم بيعه يضع التزامًا طويل الأجل على العميل بينما يحتفظ لنفسه بهامش كبير من المخاطر غير المرئية وقت التعاقد.

 

المشتري يمول والمخاطر تتراكم صامتة

 

ويحدد باسم الشربيني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إتقان للاستشارات المالية والتسويقية، أربعة محاور رئيسية وراء تعثر بعض المشروعات: المتغيرات الاقتصادية، وضعف الهياكل التمويلية، والتوسع غير المحسوب، ثم قصور إدارة المشروعات نفسها.

 

فارتفاع تكلفة مواد البناء والطاقة والنقل والتمويل وتحركات سعر الصرف رفع تكلفة التنفيذ الفعلية مقارنة بدراسات أُعدت في ظروف اقتصادية مختلفة، لكن الصدمة الاقتصادية لا تفسر وحدها لماذا استطاعت شركات الالتزام بينما تعثرت أخرى.

 

العامل الأكثر حساسية يتمثل في الشركات التي تدخل مشروعات تفوق ملاءتها المالية وتعتمد بصورة كبيرة على حصيلة البيع، خاصة مع تقديم مدد تقسيط طويلة، لأن هذا النموذج يراهن ضمنيًا على استمرار المبيعات الجديدة بالمعدل المطلوب لتمويل أعمال لم تنته بعد.

 

وتزداد المخاطرة عندما يطلق المطور مشروعًا جديدًا قبل تأمين احتياجات المشروع السابق، فإذا استُخدمت سيولة المبيعات الجديدة لتغطية فجوات قديمة يصبح التوسع وسيلة لتأجيل الأزمة بدلًا من حلها، وتصبح أي موجة تباطؤ في الطلب قادرة على تعطيل السلسلة بأكملها.

 

أما ضعف الإدارة فيظهر في صور أقل وضوحًا للمشتري، مثل تأخر التصميمات والتراخيص، أو عدم دقة جداول الكميات، أو تغيير المواصفات واختيار المقاولين، وتأخر شراء الخامات وتنفيذ الأعمال الكهروميكانيكية وأنظمة الحريق، وهي أخطاء قد تستنزف الوقت والسيولة حتى مع توافر التمويل الأساسي.

 

ويطرح الشربيني نقطة جوهرية في نموذج البيع على الخريطة، وهي أن العميل يصبح عمليًا أحد ممولي المشروع عندما يدفع مقدمًا وأقساطًا قبل اكتمال البناء، وهو وضع يفرض ـ منطقيًا ـ مستوى أكبر من الإفصاح عن نسب التنفيذ والتكلفة المتبقية واستخدام التدفقات المالية.

 

غير أن العلاقة الحالية تمنح المطور في حالات كثيرة معلومات أكبر كثيرًا مما يمتلكه المشتري؛ فالعميل يعرف سعر الوحدة وجدول الأقساط وموعد التسليم المعلن، لكنه لا يعرف بالضرورة حجم السيولة المخصصة لمشروعه أو نسبة التزامات الشركة إلى مواردها أو ما إذا كانت أمواله تمول المشروع نفسه.

 

ولهذا فإن علاج الأزمة لا يكتمل بإعلان نسب إنجاز عامة، بل يحتاج إلى آلية تجعل مراحل التحصيل مرتبطة بمراحل تنفيذ قابلة للتحقق، بما يقلل احتمال تحصيل جزء كبير من قيمة الوحدة بينما يظل البناء متأخرًا عن الجدول المتفق عليه.

 

والفصل بين «الظرف الاقتصادي» و«الخطأ الإداري» ضروري كذلك؛ لأن الاعتراف بارتفاع التكلفة لا يجب أن يتحول إلى مبرر مفتوح لتأجيل كل مشروع، خصوصًا عندما تكون الشركة قد اتخذت قرارات تسعير أو توسع أو تمويل دون احتياطات كافية للمخاطر.

 

الرقابة المتأخرة تختبر ثقة السوق

 

ويكشف تراجع الطلب بنسبة 3% أن تكلفة التأخير لم تعد محصورة في العميل القديم، بل بدأت تنتقل إلى المطور الذي يطرح مشروعًا جديدًا أيضًا، إذ أصبح المشترون أكثر تحفظًا تجاه الوحدات التي ما زالت على الخريطة وأكثر اهتمامًا بما تم تنفيذه فعليًا.

 

ويقول محمد البستاني، عضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية ورئيس جمعية المطورين العقاريين، إن ارتفاع أسعار مواد البناء والعمالة والنقل والطاقة ضغط على تكلفة التنفيذ، خاصة بالنسبة إلى الوحدات التي بيعت سابقًا بأسعار أقل كثيرًا من التكلفة الحالية.

 

ويضيف البستاني أن تباطؤ المبيعات أو تعثر بعض العملاء في سداد الأقساط يضغط بدوره على السيولة، وهي ملاحظة تكشف هشاشة النموذج حين تتوقف قدرة المشروع على الاستمرار على تدفق مبيعات لاحقة بدلًا من وجود هيكل تمويلي قادر على امتصاص فترات التباطؤ.

 

وتصبح الفجوة أكبر في المشروعات القديمة؛ فقد تكون الشركة باعت بسعر محسوب على تكلفة سابقة، ثم وجدت نفسها مطالبة بالبناء بتكلفة أعلى، لكن حماية المشتري تقتضي ألا يدفع وحده ثمن خطأ التسعير أو ضعف التحوط، مثلما لا يمكن تجاهل الضغوط الاستثنائية التي ضربت تكلفة القطاع.

 

ومن هذه الزاوية، فإن اللجنة التي وجّه الرئيس بتشكيلها تمثل اختبارًا ليس لفحص المباني فقط، وإنما لقدرة الدولة على تحويل الرقابة من تدخل بعد ظهور التعثر إلى نظام إنذار مبكر يكشف انحراف نسب التنفيذ عن الجداول قبل أن يتحول التأخير إلى أزمة واسعة.

 

فالرقابة الفعالة تحتاج إلى بيانات قابلة للقياس: نسبة التنفيذ الحقيقية، موعد التسليم التعاقدي، حجم التأخير، موقف المرافق، الشكاوى القائمة، وقدرة الشركة المالية على استكمال الأعمال، وإلا تحولت المتابعة إلى جولات ميدانية لا تعالج أصل الخلل المالي والإداري.

 

وتضع الأزمة السوق العقارية المصرية أمام معادلة واضحة: استعادة ثقة المشترين لن تتحقق بمزيد من الطروحات أو مدد السداد الطويلة وحدها، وإنما بربط البيع بقدرة حقيقية على التنفيذ، ورفع مستوى الإفصاح، ومساءلة المتأخرين، حتى لا يبقى العميل ممولًا للمشروع من دون أن يحصل في المقابل على حماية توازي حجم المخاطر التي يتحملها.