خفضت الحكومة إمدادات الغاز الإسرائيلي بنسبة 50% إلى نحو 600 مليون قدم مكعب يوميا، وفق مسؤولين تحدثوا عن ترتيبات مؤقتة خلال أعمال صيانة بحقلَي "تمار" و"ليفياثان" في إسرائيل، وهو الخفض الذي يضغط على شبكة الكهرباء المصرية التي سجلت أحمالا قياسية بلغت 40.2 ألف ميغاواط خلال موجة الحر الحالية.

 

ويأتي التطور في وقت يواجه فيه ملايين المصريين ضغوطا معيشية متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتذبذب الخدمات، ليعيد الجدل حول سياسات الحكومة في إدارة ملف الغاز والكهرباء، ومدى قدرة الدولة على حماية المواطنين من أزمات مفاجئة رغم سنوات الحديث عن تحقيق الاكتفاء والاستقرار.

 

اعتماد الغاز يكشف أزمة الطاقة

 

تقول الأرقام إن مصر أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الغاز المستورد لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، بعدما تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو 3.8 مليار قدم مكعب يوميا مقابل استهلاك يصل إلى 7.5 مليار قدم مكعب.

 

وتستحوذ محطات الكهرباء على النصيب الأكبر من الغاز المتاح، حيث تستهلك نحو 4.66 مليار قدم مكعب يوميا، ما يجعل أي نقص في الإمدادات الخارجية عاملا مؤثرا على قدرة الشبكة خلال فترات الذروة.

 

ويرى خبير الطاقة المصري الدكتور إبراهيم زهران أن الاعتماد على مصدر خارجي واحد لتأمين جزء أساسي من احتياجات الكهرباء يحمل مخاطر كبيرة، موضحا أن أمن الطاقة لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج وإنما أيضا بتنوع مصادر الإمداد.

 

ويشير زهران إلى أن الأزمة الحالية تكشف أن التخطيط للطاقة يجب ألا يعتمد على حلول مؤقتة أو شراء شحنات طارئة، بل على بناء منظومة أكثر استقلالا وقدرة على مواجهة التقلبات.

 

وكانت الحكومة قد راهنت خلال السنوات الماضية على توسع إنتاج الغاز المحلي، إلا أن انخفاض إنتاج بعض الحقول الرئيسية أعاد ملف الاستيراد إلى الواجهة، خصوصا خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعا حادا في الطلب.

 

ويعني خفض الإمدادات الإسرائيلية أن القاهرة اضطرت إلى البحث عن بدائل سريعة، من بينها زيادة الاعتماد على الغاز المسال القادم عبر وحدة التغييز في ميناء العقبة الأردني.

 

تكلفة الطوارئ تزيد الضغوط

 

طلبت الهيئة المصرية العامة للبترول شحنة فورية من الغاز الطبيعي المسال لتعويض جزء من النقص، مع رفع الإمدادات المعاد تغييزها عبر الأردن من نحو 60 مليون قدم مكعب يوميا إلى 350 مليون قدم مكعب.

 

وتحمل هذه الخطوة تكلفة إضافية تقدر بنحو 50 مليون دولار لشحنة واحدة، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من ضغوط مالية واحتياجات متزايدة للعملة الأجنبية.

 

ويرى الباحث في شؤون الطاقة المهندس مدحت يوسف أن اللجوء المتكرر إلى الشحنات العاجلة يعكس غياب رؤية طويلة الأمد لإدارة فجوة الغاز، مؤكدا أن الحلول الإسعافية قد تمنع الأزمة مؤقتا لكنها لا تعالج جذورها.

 

ويضيف يوسف أن تأمين الطاقة للمواطنين لا يجب أن يكون مرتبطا فقط بالشراء من الأسواق العالمية، بل يحتاج إلى مراجعة سياسات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار في البدائل.

 

وتزداد حساسية الوضع بسبب خروج سفينة التغييز "إنرغوس وينتر" من الخدمة بعد حادث حريق في ميناء دمياط، ما قلل هامش المناورة أمام الحكومة في مواجهة أي نقص جديد.

 

وأصبحت مصر تعمل بطاقة أقل في وحدات استقبال الغاز المسال، بعدما فقدت جزءا من قدرتها التشغيلية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على تعويض أي اضطراب في خطوط الأنابيب.

 

وفي ظل موجات الحر المتكررة، يتحول ملف الغاز من قضية اقتصادية إلى أزمة تمس حياة المواطنين مباشرة، مع ارتفاع استخدام أجهزة التكييف وزيادة الضغط على الشبكة القومية للكهرباء.

 

أمن الطاقة يحتاج مراجعة شاملة

 

تكشف أزمة خفض الغاز الإسرائيلي أن المشكلة لا ترتبط فقط بفترة الصيانة المعلنة، وإنما ببنية اعتماد تحتاج إلى مراجعة، خصوصا مع استمرار الاعتماد على خط أنابيب رئيسي من مصدر خارجي واحد.

 

ويؤكد أستاذ هندسة البترول الدكتور أسامة كمال أن تنويع مصادر الطاقة أصبح ضرورة استراتيجية لأي دولة، مشيرا إلى أن الاعتماد على مسار واحد يجعل أي توقف فني أو سياسي قادرا على إحداث تأثير واسع.

 

ويرى كمال أن مصر بحاجة إلى زيادة قدرتها على إنتاج الغاز محليا، إلى جانب توسيع خيارات الاستيراد وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة داخل القطاعات المختلفة.

 

وتطرح الأزمة تساؤلات حول جدوى السياسات التي اعتمدت على استثمارات ضخمة في مشروعات الكهرباء خلال السنوات الماضية، بينما ظلت مشكلة توفير الوقود اللازم لتشغيل المحطات قائمة.

 

فزيادة قدرات إنتاج الكهرباء لا تحقق الأمن الفعلي إذا لم تتوافر مصادر مستقرة للغاز، وهو ما ظهر بوضوح مع وصول الأحمال إلى مستويات قياسية في الصيف الحالي.

 

كما أن المواطن يتحمل الجانب الأكبر من تداعيات أي خلل في المنظومة، سواء عبر انقطاع الخدمات أو زيادة أعباء الأسعار، في وقت تظل فيه القرارات الحكومية محل انتقاد بسبب غياب الشفافية الكاملة حول إدارة ملف الطاقة.

 

ورغم أن الخفض الإسرائيلي معلن باعتباره إجراء فنيا مؤقتا، فإن تكرار أزمات الإمدادات يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لسياسات الطاقة ومدى جاهزية الدولة لمواجهة الطوارئ.

 

وتؤكد التجربة الحالية أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بامتلاك محطات كهرباء ضخمة، بل بوجود شبكة متنوعة من المصادر وخطط واضحة للتعامل مع الأزمات.

 

وفي النهاية، تعيد أزمة خفض الغاز الإسرائيلي طرح السؤال الأهم: هل بنت مصر منظومة طاقة قادرة على حماية المواطنين، أم أنها ما زالت تعتمد على حلول مؤقتة لسد فجوات متراكمة؟