أعلنت وزارة التموين إعادة فتح باب تصدير السكر حتى نهاية عام 2026، وفق ضوابط حكومية تحدد الكميات الفائضة عن احتياجات السوق المحلية، في قرار يعكس تحسن المعروض لكنه يثير جدلاً حول المستفيد الحقيقي من هذه الفوائض وآليات التحكم في تداولها وتصديرها.

 

ويأتي القرار في وقت يعاني فيه ملايين المواطنين من ضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي تحرك في ملف السلع الأساسية مرتبطاً مباشرة بحقوق المستهلكين وليس فقط بحسابات التصدير وجذب العملة الأجنبية.

 

تصدير السكر يفتح باب التساؤلات

 

تكشف آلية القرار أن الحكومة لم تترك السوق لقواعد العرض والطلب وحدها، إذ أسندت تحديد الفائض إلى وزارة التموين، مع اشتراط موافقة وزير الاستثمار والتجارة الخارجية على عمليات التصدير.

 

ويرى منتقدون أن هذه الصيغة تمنح الجهات الحكومية قدرة واسعة على تحديد من يدخل سوق الفائض ومن يستفيد من عوائده، خصوصاً مع تزايد حضور كيانات حكومية في قطاعات الإنتاج والتخزين والتوزيع.

 

ويبرز هنا دور جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي توسع خلال السنوات الأخيرة من العمل في المشروعات الزراعية إلى ملفات الإمداد الغذائي والتخزين والتجارة المرتبطة بالسلع الأساسية.

 

فالجهاز أعلن امتلاكه شبكات لتوفير السلع الأساسية، كما شارك في ملفات تتعلق بالاستيراد والتوريد، وهو ما جعله لاعباً بارزاً في منظومة الأمن الغذائي وفق الخطاب الرسمي.

 

لكن هذا التوسع يطرح تساؤلات حول حدود الدور الحكومي في الأسواق، وما إذا كان الهدف هو ضبط الأسعار فقط أم أن الأمر قد يؤدي إلى تركّز أكبر للسيطرة على حلقات الإنتاج والتوزيع.

 

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن توسع الدولة في النشاط الاقتصادي يحتاج إلى رقابة وشفافية واضحة حتى لا تتحول حماية السوق إلى تقليص مساحة المنافسة أمام القطاع الخاص.

 

ويرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن المشكلة الأساسية ليست في تدخل الدولة بحد ذاته، وإنما في غياب قواعد معلنة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تحول أي جهة إلى طرف مهيمن على قطاعات واسعة.

 

توسع الجهاز يثير مخاوف الاحتكار

 

لا يوجد في القرار المعلن ما يثبت منح جهاز مستقبل مصر حقاً حصرياً في تصدير السكر، لكن الجدل يرتبط بتراكم أدواره داخل عدد من السلاسل الغذائية خلال فترة زمنية قصيرة.

 

فمن الزراعة والاستصلاح إلى التخزين والنقل والتوزيع والاستيراد، أصبح الجهاز حاضراً في مراحل متعددة من منظومة السلع، وهو ما يدفع البعض للمطالبة بفصل الأدوار التجارية عن الأدوار التنظيمية.

 

ويشير منتقدون إلى أن تركّز مراحل عديدة من سلسلة الإمداد في جهة واحدة قد يجعل المنافسة أكثر صعوبة أمام الشركات الأخرى، حتى إذا كان الهدف المعلن هو زيادة المعروض وخفض الأسعار.

 

في المقابل، تؤكد الحكومة أن تدخلها يأتي لمواجهة أزمات السلع ومنع نقص المعروض، خصوصاً في ظل الأزمات العالمية وتقلبات أسعار الغذاء والطاقة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الدولة تحتاج إلى تحقيق توازن بين دورها في حماية الأمن الغذائي وبين الحفاظ على بيئة تنافسية تمنع تشوهات السوق.

 

ويزداد النقاش أهمية مع التوجهات الرسمية لإعادة تنظيم دور جهاز مستقبل مصر، والتي تتضمن التوسع في الإنتاج الزراعي وإنشاء مناطق لوجستية والعمل على تصدير الفائض.

 

فالانتقال من مرحلة تأمين الاحتياجات المحلية إلى مرحلة إدارة الإنتاج والتصدير يفرض، بحسب مراقبين، قواعد أكثر وضوحاً بشأن الملكية والإدارة وآليات المنافسة.

 

السلع الاستراتيجية تحت قبضة الدولة

 

لم يعد ملف السكر حالة منفردة، إذ سبق أن ظهر دور الجهاز في ملفات أخرى مثل القمح والدواجن والأرز، وهي قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة.

 

وفي ملف القمح، أصبح الجهاز طرفاً في عمليات الاستيراد والتوريد، بينما شارك في توفير الدواجن المجمدة عبر التعاون مع جهات حكومية بهدف زيادة المعروض في الأسواق.

 

كما ظهر دوره في اجتماعات مرتبطة بتداول بعض المحاصيل الزراعية، ما يعكس توسع حضوره داخل منظومة السلع الاستراتيجية.

 

لكن اتساع الدور الحكومي يفرض سؤالاً أساسياً حول كيفية ضمان الشفافية، خصوصاً عندما تكون الجهة نفسها مشاركة في الإنتاج أو التوريد أو التوزيع.

 

فالمواطن لا يهتم فقط بتوافر السلعة، بل يهتم أيضاً بسعرها وعدالة توزيعها ومنع أي ممارسات قد تؤثر على قدرته الشرائية.

 

وتبقى أزمة السكر مثالاً على معادلة صعبة بين رغبة الحكومة في استثمار الفوائض وتحقيق عوائد تصديرية، وبين ضرورة حماية السوق المحلية من أي اختلالات محتملة.

 

فالقرار قد يمثل فرصة لزيادة الصادرات، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى رقابة مستقلة تضمن ألا تتحول إدارة الفائض إلى أداة تمنح الأفضلية لطرف واحد.

 

وبينما تؤكد الحكومة أن هدفها تأمين الغذاء وتعزيز الإنتاج المحلي، يرى منتقدون أن توسيع نفوذ المؤسسات الحكومية في الأسواق يحتاج إلى ضوابط تمنع تضارب الأدوار.

 

وتظل القضية الأوسع مرتبطة بشكل إدارة الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة: هل تتجه الدولة إلى شراكة متوازنة مع القطاع الخاص، أم إلى نموذج تصبح فيه الجهات الحكومية اللاعب الأكبر في معظم القطاعات الحيوية.