وثق مقطع متداول مشادة واحدة داخل مكتب تأمينات فيصل بالهرم، ظهر خلالها صوت عال وعبارات حادة بين موظفين ومواطن، ما أثار انتقادات واسعة لطريقة التعامل مع أصحاب المصالح داخل جهة خدمية يفترض أن تحمي حقوقهم.
كما تكشف الواقعة وجها قاسيا من يوميات المواطنين أمام المكاتب الحكومية، حيث يتحول طلب الخدمة إلى معركة أعصاب، ويدفع الضعفاء ثمن البيروقراطية والتكدس وغياب الرقابة، بينما تبقى الكرامة أول ضحايا الطوابير.
ومن ثم، لم يعد المقطع مجرد خلاف عابر داخل مكتب تأمينات، بل وثيقة صغيرة على خلل أوسع في علاقة الموظف بالمواطن، حين تغيب قواعد الخدمة الهادئة ويحل بدلها الصوت المرتفع والاتهام المتبادل.
غير أن خطورة الواقعة لا تأتي فقط من الشتائم أو حدة المشادة، بل من المكان نفسه، فمكاتب التأمينات تستقبل كبار سن وأرامل ومرضى وعمالا أنهكتهم سنوات العمل ويحتاجون معاملة أكثر رحمة.
وبالتالي، يصبح السؤال الأساسي هنا ليس من بدأ المشادة فقط، بل لماذا تصل بيئة خدمية حساسة إلى هذه الدرجة من الاحتقان، ومن المسؤول عن تدريب الموظفين ومراقبة الأداء وحماية المواطن من الإهانة.
علاوة على ذلك، فإن الاكتفاء بإدانة فردية لموظف أو مواطن يختصر الأزمة في شخص واحد، بينما المشكلة الأعمق مرتبطة بنظام خدمة مزدحم، وإجراءات طويلة، ومحاسبة ضعيفة، ومساحات انتظار تفتقر للإنسانية.
وبناء على ذلك، يحتاج فرع تأمينات فيصل إلى مراجعة عاجلة لآليات استقبال الشكاوى، وتفريغ الكاميرات إن وجدت، وسماع أطراف الواقعة، وإعلان نتيجة واضحة تمنع تحويل الحادث إلى مجرد غضب عابر على مواقع التواصل.
كرامة المواطن أولا
من جهة أخرى، يرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن كرامة المواطن داخل مؤسسات الدولة ليست مسألة مجاملة، بل حق أصيل يرتبط بسيادة القانون، لأن الإهانة داخل المرفق العام تعني عملياً سقوط فكرة الخدمة العامة.
لذلك، فإن أي تحقيق جاد لا يجب أن يبدأ من سؤال: من أخطأ؟ فقط، بل من سؤال: كيف تُدار مكاتب تتعامل يوميا مع فئات هشة، وما الحد الأدنى الملزم لاحترام المواطن أثناء إنهاء مصالحه.
كما أن وجود مواطن غاضب لا يمنح الموظف حق الرد بالإهانة، ووجود موظف مضغوط لا يمنح المواطن حق التجاوز، فالجهة الإدارية مسؤولة عن منع الانفجار قبل وقوعه عبر تنظيم الخدمة وتخفيف التكدس.
إضافة إلى ذلك، فإن تسجيل الواقعة وانتشارها يعكسان فقدان الناس الثقة في قنوات الشكوى الرسمية، إذ يلجأ المواطن أو الشاهد إلى الكاميرا لأن الطريق الإداري المعتاد يبدو بطيئا أو غير مؤثر.
وفي المقابل، لا يجوز التعامل مع التصوير وحده كحل، لأن الفيديو يفضح الواقعة لكنه لا يعالج جذورها، والمطلوب منظومة تسمح للمواطن بتقديم شكوى آمنة وتحصل على رد محدد خلال مدة معلنة.
ومن ثم، فإن حماية الموظف والمواطن معا تبدأ من قواعد معلنة داخل كل مكتب، توضح حقوق الطرفين، وتحدد المسؤول عن استقبال الشكاوى، وتمنع تحول الشباك الحكومي إلى مساحة صدام يومي.
خدمة بلا رقابة
إلى جانب ذلك، يؤكد زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، في أطروحاته العامة حول الإدارة والعدالة، أن جودة الخدمات العامة لا تنفصل عن الشفافية والمساءلة، لأن غياب المحاسبة يجعل الخطأ يتكرر بلا تكلفة.
وبهذا المعنى، فإن مشادة تأمينات فيصل ليست بعيدة عن أزمة الإدارة اليومية، حيث يذهب المواطن إلى مكتب حكومي بلا معرفة دقيقة بالإجراء والمدة والمستندات، فيقع تحت رحمة الاجتهاد الشخصي والزحام.
كما أن الموظف نفسه يعمل غالبا داخل ضغط عددي ونفسي كبير، لكن هذا الضغط لا يبرر الصوت العالي أو الإهانة، بل يفرض على الإدارة توفير تدريب ودعم ورقابة تمنع انهيار العلاقة مع الجمهور.
لزيادة الانضباط، يجب إعلان أرقام الشكاوى داخل الفرع بوضوح، وتوثيق زمن الانتظار، وتكليف مشرف خدمة بالتدخل الفوري عند التصعيد، بدلا من ترك الأزمة تكبر حتى تتحول إلى مقطع غاضب منتشر.
كذلك، لا بد من وجود تقييم دوري لسلوك مقدمي الخدمة، لا يقتصر على عدد المعاملات المنجزة، بل يشمل طريقة التعامل، واحترام كبار السن، والقدرة على تهدئة الشكاوى، وحماية الحق دون إذلال.
وبناء عليه، فإن أي بيان رسمي محتمل يجب ألا يكتفي بعبارة فحص الواقعة، بل يعلن إجراءات عملية، مثل التحقيق الإداري، ومراجعة سير العمل، وتحديد مسؤولية الإشراف، وتقديم اعتذار عند ثبوت التجاوز.
التأمينات والعدالة الاجتماعية
في السياق ذاته، يربط الباحث عمرو عادلي بين الخدمات العامة والعدالة الاجتماعية، إذ إن المواطن الفقير أو صاحب المعاش لا يملك غالبا بدائل خاصة، ولذلك يصبح سوء الخدمة عبئا مضاعفا على الفئات الأضعف.
ومن هنا، فإن مكتب التأمينات ليس جهة إدارية محايدة في حياة الناس، بل بوابة للدخل والعلاج والاستقرار بعد سنوات العمل، وأي إهانة داخله تحمل معنى أقسى لأنها تقع على أشخاص ينتظرون حقوقا لا منحا.
غير أن الأزمة تتفاقم حين يشعر المواطن بأنه مضطر للصمت كي لا تتعطل مصلحته، أو مضطر للصراخ كي يسمعه أحد، وفي الحالتين تكون المؤسسة قد فشلت في توفير مسار محترم وواضح.
لذلك، فإن معالجة الواقعة تبدأ من الاعتراف بأن الكرامة جزء من الخدمة، وأن المواطن ليس طالب معروف، وأن الموظف ليس صاحب سلطة شخصية، بل طرفان داخل عقد عام تحكمه قواعد ومسؤوليات.
وفوق ذلك، يجب تدريب العاملين في التأمينات على التعامل مع الغضب، خصوصا أن الجمهور يشمل كبار سن ومرضى وأرامل وأصحاب ظروف معيشية ضاغطة، وهذه الفئات تحتاج لغة هادئة لا استفزازا.
وفي النهاية، يضع فيديو فيصل هيئة التأمينات أمام اختبار بسيط وحاسم: إما تحقيق معلن يعيد الاعتبار للمواطن ويضبط سلوك المرفق، أو ترك الواقعة تمر كغيرها، لتتسع الفجوة بين الناس ومؤسساتهم.

