كشفت بيانات أعداد العاملين بالدولة في مصر تراجع الجهاز الإداري من نحو 5.8 مليون موظف خلال 2014 و2015 إلى قرابة 3.9 مليون حاليًا، مع خروج نحو 175 ألفًا للمعاش سنويًا، بما يوسع فجوات العمالة ويهدد استمرارية الخدمات.

 

ويأتي هذا الانكماش بعد سنوات من تجميد التعيينات وتقليص فاتورة الأجور، بينما يدفع المواطن ثمن النقص داخل المصالح الحكومية في صورة ضغط أكبر على الموظفين وبطء الخدمات، ويدفع الشباب ثمن سياسة أغلقت أمامهم أبوابًا واسعة للتوظيف العام.

 

وبحسب المؤشرات المتاحة، فقد الجهاز الإداري قرابة مليوني موظف خلال نحو عقد، بما يعادل تراجعًا يقترب من 33% مقارنة بذروة أعداد العاملين، بينما تستهدف الخطط الحكومية الوصول إلى نحو 3.8 مليون موظف بحلول عام 2030

 

. وفي المقابل، لا تعني الأرقام أن جميع الجهات الحكومية كانت تعاني سابقًا من نقص العمالة، إذ ظلت مشكلة سوء التوزيع قائمة لسنوات، لكن استمرار الخروج دون إحلال مدروس ينقل الأزمة تدريجيًا من التضخم الإداري إلى العجز الوظيفي.

 

ومن جهة أخرى، يؤدي خروج أكثر من 175 ألف موظف سنويًا إلى فقدان خبرات تراكمت لعقود، خصوصًا إذا لم توجد أجيال أصغر تعمل إلى جوار الموظفين القدامى وتتلقى منهم المعرفة العملية قبل مغادرتهم الخدمة بصورة نهائية.

 

وفوق ذلك، تتركز نسبة كبيرة من القوة البشرية المتبقية في الأعمار والدرجات الوظيفية الأعلى، بينما تتقلص قاعدة الهرم من الموظفين الأصغر سنًا، وهو ما يعزز وصف الأزمة بأنها شيخوخة تدريجية للجهاز الإداري وليست مجرد خفض عددي.

 

وبالتالي، فإن ما عُرض لسنوات باعتباره ترشيدًا مطلوبًا للجهاز الحكومي يواجه الآن اختبارًا مختلفًا، لأن الكفاءة لا تقاس فقط بعدد الموظفين الذين غادروا، وإنما بقدرة الوزارات والمديريات والمصالح على أداء الوظائف التي يحتاجها المواطن يوميًا.

 

كما أن الاعتماد على التحول الرقمي لتبرير تقليص العمالة لا يلغي الحاجة إلى عناصر بشرية مؤهلة، إذ تتطلب الأنظمة الجديدة موظفين يمتلكون المهارات التقنية والإدارية اللازمة لتشغيلها ومراجعتها والتعامل مع المواطنين الذين لا تزال خدماتهم مرتبطة بمقار حكومية.

 

وعلى صعيد آخر، ظهرت في بعض الجهات محاولات لتعويض العجز عبر الاستعانة بموظفين خرجوا بالفعل إلى المعاش بعقود مؤقتة، وهي مفارقة تثير تساؤلات حول جدوى تقليص العمالة ثم إعادة تشغيل المتقاعدين بدل فتح مسارات توظيف منتظمة للشباب.

 

 

اختلال الهرم الوظيفي

 

يرى الدكتور صفوت النحاس، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، أن المشكلة التاريخية داخل الجهاز الحكومي لم تكن في الأعداد وحدها، وإنما في سوء توزيع الموظفين بين الجهات والمناطق بما يمنع الاستفادة الكاملة من القوة البشرية المتاحة.

 

ويؤكد النحاس في أحاديث سابقة عن الإدارة الحكومية أن وجود فائض في جهة لا يعني عدم وجود عجز في أخرى، مشددًا على أهمية إعادة توزيع العاملين وتدريبهم بما يضمن قيام المؤسسات بالمهام المطلوبة بدل الاكتفاء بحساب العدد الإجمالي.

 

ومن هذه الزاوية، يكشف الانخفاض الحالي أن معالجة التضخم العددي دون خريطة دقيقة للاحتياجات يمكن أن تنتج أزمة معاكسة، إذ تختفي وظائف تنفيذية أساسية بينما تبقى بعض المستويات الإدارية أو التخصصات التي لا تعاني الجهات نقصًا حقيقيًا فيها.

 

وعلى نحو مماثل، تتزايد حساسية الأزمة في المديريات الخدمية بالمحافظات، حيث يصعب في كثير من الأحيان تعويض موظف متخصص خرج للمعاش، خصوصًا في الوظائف الفنية التي تحتاج إلى تدريب وخبرة ولا يمكن سدها سريعًا بنقل موظفين إداريين.

 

 

إصلاح أم تقليص عددي

 

ويقول الدكتور أشرف العربي، وزير التخطيط والإصلاح الإداري الأسبق، إن الجهاز الإداري كان يضم أعدادًا تفوق الاحتياج الفعلي، وقد طرح خلال فترة توليه الوزارة هدف خفض نسبة الموظفين إلى المواطنين بالتوازي مع تحسين مستوى الخدمة الحكومية.

 

لكن رؤية العربي نفسها ربطت تقليل العدد برفع كفاءة الأداء، وهي نقطة تصبح أكثر أهمية مع الوضع الحالي، لأن انخفاض الأعداد لا يمثل إنجازًا بذاته إذا صاحبه نقص في تخصصات حيوية أو تراجع في قدرة المكاتب الحكومية على إنجاز المعاملات.

 

وبناءً على ذلك، فإن الوصول إلى مستهدف 3.8 مليون موظف في 2030 يحتاج إلى تقييم وظيفي تفصيلي، يحدد أين توجد العمالة الزائدة وأين يوجد العجز، بدل تطبيق الانكماش بصورة تلقائية اعتمادًا على التقاعد ووقف التعيينات.

 

إلى جانب ذلك، فإن التركيز على إجمالي فاتورة الأجور قد يحجب تكلفة أخرى يصعب قياسها مباشرة، وهي تكلفة انخفاض جودة الخدمات وتأخر المعاملات وضغط العمل على الموظفين الباقين وفقدان خبرات لا يمكن استعادتها بعد خروج أصحابها.

 

وفي الوقت ذاته، يمكن أن يؤدي استمرار العجز إلى التوسع في تشغيل العمالة المؤقتة أو الاستعانة بشركات وسيطة، بما يحول الوفر الناتج عن تقليص التعيينات الدائمة إلى إنفاق جديد أقل استقرارًا ولا يبني كوادر حكومية على المدى الطويل.

 

ومن ثم، يصبح السؤال الأساسي ليس عدد الموظفين الذي تريد الحكومة الوصول إليه، بل شكل الجهاز المطلوب في النهاية، وقدرته على توفير التعليم والصحة والتراخيص والخدمات المحلية والمالية لملايين المواطنين بكفاءة وفي توقيت مقبول.

 

 

الشباب خارج بوابة الحكومة

 

ويشير المهندس هاني محمود، وزير التنمية الإدارية الأسبق ومستشار رئيس الوزراء السابق للإصلاح الإداري، إلى أن الجهاز الحكومي عانى طويلًا اختلالات متراكمة في نظم العمل والبيروقراطية وتقييم الموظفين، وأن الإصلاح يتطلب تغييرًا أوسع من مجرد تخفيض الأعداد.

 

ومن هذا المنطلق، فإن ضخ كفاءات جديدة يمثل جزءًا من تجديد المؤسسة وليس عودة تلقائية إلى التوظيف الجماعي، خاصة مع احتياج الدولة لمهارات في الرقمنة وتحليل البيانات والأمن المعلوماتي والهندسة والإدارة الحديثة والخدمات الفنية المتخصصة.

 

في المقابل، يخلق وقف التعيينات الواسع فجوة بين الدولة وآلاف الخريجين المتفوقين وحملة المؤهلات العليا الذين يرون أن الوظائف الحكومية أصبحت مغلقة، بينما تستمر جهات في استدعاء متقاعدين لسد احتياجات كان يمكن التخطيط لها مسبقًا.

 

وفي هذا السياق، طالب النائب محمد الصالحي الحكومة بالكشف عن خطتها لإدماج أوائل الجامعات وحملة المؤهلات العليا، محذرًا من أن تراجع الكوادر الشابة بالتزامن مع خروج أعداد متزايدة للمعاش يهدد التوازن داخل الهيكل الحكومي.

 

وعلاوة على ذلك، فإن ضعف وجود الشباب داخل الجهاز الإداري لا يتعلق بالبطالة وحدها، بل بقدرة الدولة نفسها على استيعاب المهارات الجديدة اللازمة للتحول الرقمي، وهو تحول يصعب تنفيذه بقوة عاملة تتقدم أعمارها دون إحلال متدرج.

 

لذلك، يحتاج أي برنامج إصلاح إلى مسابقات توظيف محددة وفق العجز الحقيقي، مع تجنب العودة إلى التعيين العشوائي، وربط الوظائف الجديدة باختبارات الكفاءة والمهارات وبخريطة تفصيلية للاحتياجات في كل وزارة ومحافظة ومديرية خدمية.

 

وفي الأثناء، يمكن أن يمنح نقل الخبرات بين الأجيال الدولة فرصة لتجنب فقدان المعرفة المؤسسية، عبر توظيف عناصر شابة قبل خروج أصحاب الخبرة بمدة كافية، بدل انتظار حدوث الفراغ ثم البحث عن حلول مؤقتة بعد وقوعه.

 

وبصورة أوسع، فإن استمرار تقليص الجهاز بالمعدل الحالي قد يحقق مستهدفات رقمية مرتبطة بخفض أعداد العاملين، لكنه لا يضمن بناء إدارة أكثر كفاءة ما لم يصاحبه إصلاح للهياكل وإعادة توزيع العمالة وتدريب مستمر وتوظيف انتقائي.

 

وأخيرًا، تكشف رحلة الانخفاض من 5.8 مليون إلى 3.9 مليون موظف أن مصر انتقلت من أزمة التضخم الحكومي إلى خطر نقص الكوادر وشيخوختها، فيما يظل التحدي الحقيقي هو منع إصلاح الأرقام من التحول إلى إضعاف للخدمة العامة.