أظهرت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والبنك المركزي في مصر ارتفاع الدين الخارجي بنحو 865 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026 ليصل إلى 164.776 مليار دولار، بما يعكس استمرار صعود الالتزامات رغم خطط خفض المديونية.

 

وكشفت الزيادة الجديدة أن الحكومة تواصل إدارة أزمتها المالية عبر الاقتراض وسداد المستحقات المتراكمة، بينما يتحمل المواطن أثر السياسات في صورة ضرائب وأسعار مرتفعة وخدمات مضغوطة، دون أن يرى عائدا واضحا يوازي حجم الأموال المقترضة.

 

 

أرقام تواصل الصعود

 

وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع رصيد الدين الخارجي من 163.911 مليار دولار في نهاية 2025 إلى 164.776 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مسجلا زيادة نسبتها 0.5 بالمئة خلال ثلاثة أشهر فقط.

 

وفي المقارنة السنوية، صعد الدين الخارجي بنحو 8.82 مليار دولار خلال 2025، بعدما ارتفع من 155.09 مليار دولار بنهاية 2024 إلى 163.91 مليار دولار، وهو مسار يعيد الشكوك حول قدرة الحكومة على وقف تراكم الاقتراض.

 

كما أظهرت بيانات البنك المركزي أن مصر سددت 15.995 مليار دولار أقساطا وفوائد للديون الخارجية خلال النصف الأول من العام المالي 2025 إلى 2026، بما يكشف اتساع الفاتورة الدولارية الموجهة لخدمة الالتزامات السابقة.

 

ومن ناحية أخرى، توزعت مدفوعات خدمة الدين على 6.442 مليار دولار خلال الربع الأول و9.553 مليار دولار في الربع الثاني، لتظهر الزيادة بين الفترتين حجم الضغط المتصاعد على موارد النقد الأجنبي المخصصة للسداد.

 

وعلاوة على ذلك، بلغت الفوائد المسددة 2.078 مليار دولار في الربع الأول و1.675 مليار دولار في الربع الثاني، بينما بلغت الأقساط 4.363 مليار دولار ثم 7.877 مليار دولار، ما يجعل أصل الدين العبء الأكبر.

 

ووفقا لذلك، لا تعني قدرة الدولة على السداد أن الأزمة انتهت، لأن الوفاء بالمستحقات قد يتم عبر تدفقات جديدة أو بيع أصول أو اقتراض إضافي، وهو ما يؤجل المشكلة من دون معالجة مصادرها الهيكلية.

 

ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن النظر إلى ديون أجهزة الموازنة وحدها لا يكشف الصورة الكاملة، لأن التزامات الهيئات الاقتصادية والقطاع المصرفي والبنك المركزي تؤثر أيضا في ميزان المدفوعات وسعر الصرف.

 

وبناء على طرح فؤاد، فإن إعلان تراجع بعض مؤشرات الدين الحكومي قد يخفي زيادة في مديونيات جهات أخرى مضمونة من الدولة، وهو ما يجعل تقييم الاستدامة المالية بحاجة إلى حساب موحد لكل الالتزامات السيادية.

 

 

كلفة السداد تتفاقم

 

وفي الوقت نفسه، يضع هذا التوسع ضغطا مباشرا على الموارد الدولارية، لأن كل قرض جديد ينشئ التزاما مستقبليا بالفوائد والأقساط، بينما تبقى قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية العامل الحاسم في تجنب دوامة إعادة التمويل.

 

ومع ذلك، تراجعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 40.6 بالمئة بنهاية ديسمبر 2025 مقارنة مع 44.2 بالمئة في يونيو، لكن انخفاض النسبة لا يلغي ارتفاع القيمة المطلقة للدين نفسه.

 

وبعبارة أخرى، يمكن أن تتحسن النسبة حسابيا مع زيادة الناتج أو تغير سعر الصرف، بينما يستمر الرصيد الدولاري في الارتفاع، ولذلك يصبح الاعتماد على مؤشر واحد وسيلة غير كافية للحكم على حقيقة عبء المديونية.

 

ومن جهته، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن المشكلة الأخطر ليست الدين في حد ذاته بل أسبابه وكلفته، مشددا على ضرورة وقف التوسع في الاقتراض ومعالجة العجز الذي يعيد إنتاج الحاجة إلى ديون جديدة.

 

واستنادا إلى رأي نافع، فإن بيع الأصول أو فرض أعباء إضافية لسداد الدين لا يعالج جذور المشكلة إذا بقي الإنفاق والتمويل على المسار نفسه، لأن التخلص من الرصيد مؤقتا لا يمنع تراكم رصيد جديد.

 

كذلك، تكشف تكلفة خدمة الدين أن الموارد العامة لا تتحرك بحرية نحو التعليم والصحة والاستثمار، لأن جزءا كبيرا من التدفقات يجب أن يظل محجوزا لسداد مستحقات سابقة قبل التفكير في توسيع الإنفاق التنموي.

 

ومن ثم، تتحول المديونية إلى قيد على القرار الاقتصادي كلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، إذ تضطر الحكومة إلى البحث عن مصادر دولارية جديدة، سواء من المستثمرين أو المؤسسات الدولية أو بيع الأصول لتأمين الاستحقاقات.

 

وإلى جانب ذلك، يزيد الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي من حساسية الاقتصاد لأي صدمة في أسعار الفائدة أو تدفقات الاستثمار أو إيرادات قناة السويس، لأن كل تراجع مفاجئ في الدولار يرفع ضغوط السداد.

 

 

الاقتراض يعيد إنتاج الأزمة

 

وفي السياق ذاته، أرجع الخبير الاقتصادي هاني جنينة جانبا من ارتفاع الدين الخارجي إلى تمويل أنشطة الاستيراد، خصوصا فاتورة الغاز الطبيعي، محذرا من أن اختلال ميزان المدفوعات يدفع إلى الاحتياج المتكرر للتمويل الخارجي.

 

وبحسب جنينة، فإن الاعتماد المتكرر على مؤسسات التمويل الدولية تجاوز المعدلات المعتادة، وهو ما يكشف أن اللجوء إلى القروض لم يعد أداة طارئة لمواجهة أزمة مؤقتة، بل تحول إلى عنصر متكرر في إدارة الاقتصاد.

 

ولهذا، تصبح زيادة الصادرات وتدفقات الاستثمار المباشر وتحويلات العاملين وإيرادات السياحة وقناة السويس أكثر أهمية من مجرد تأمين قرض جديد، لأن مصادر الدولار المستدامة وحدها تستطيع خفض الحاجة إلى الاقتراض المتكرر.

 

ومن جهة أخرى، فإن الاقتراض لسداد اقتراض سابق يخلق دورة مغلقة تستهلك جزءا من التدفقات الجديدة قبل استخدامها في الاستثمار، فتدخل الأموال إلى الخزانة ثم تخرج مجددا نحو الدائنين بدلا من تمويل الإنتاج.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح السؤال عن أوجه استخدام القروض ضروريا بقدر السؤال عن حجمها، لأن الدين الذي يمول نشاطا يولد عائدا دولاريا يختلف جذريا عن دين يستخدم لتغطية فجوات جارية بلا إيراد مستقبلي.

 

وفوق ذلك، تزداد الكلفة الاجتماعية عندما تعتمد الحكومة على زيادة الرسوم أو خفض الدعم أو توسيع الضرائب لتقليص العجز، لأن المواطن يتحول عندها إلى ممول غير مباشر لأعباء نشأت من اختيارات اقتراض متراكمة.

 

وبالتوازي، تضع خدمة الدين المرتفعة القطاع الخاص أمام منافسة صعبة على التمويل، لأن توسع الدولة في الاقتراض يرفع الطلب على السيولة، ويحد من قدرة الشركات المنتجة على الحصول على تمويل أقل كلفة للتوسع والاستثمار.

 

وعليه، فإن استمرار الدين الخارجي عند 164.776 مليار دولار لا يمثل مجرد رقما محاسبيا، بل يعكس التزامات مستقبلية ستؤثر في الموازنة وسعر الصرف والسيولة الدولارية وقدرة الدولة على توجيه مواردها نحو أولويات المواطنين.

 

وفي النهاية تكشف الأرقام أن الحكومة لم تنجح بعد في كسر حلقة الاقتراض وخدمة الدين، وأن أي حديث عن استقرار مالي سيظل ناقصا ما لم ينخفض الرصيد فعليا وتتراجع كلفة السداد ويتحول التمويل إلى إنتاج يولد الدولار.