استقبلت منظومة الشكاوى الحكومية التابعة لمجلس الوزراء في مصر نحو 229 ألف شكوى وطلب واستفسار خلال يوليو 2026، وأحالت 192 ألفا للجهات المختصة وحفظت 32 ألفا، بينما بقيت آلاف المشكلات بلا نتيجة معلنة.
ويكشف تضخم الأعداد كيف تحولت المنظومة التي تروج لها السلطة باعتبارها جسرا للمواطن إلى غرفة لامتصاص الغضب، تمنح المتضرر رقما للمتابعة ثم تعيده إلى الجهة التي صنعت أزمته أو تحفظ صوته إداريا.
وبحسب بيانات مجلس الوزراء، مثلت الحالات المحالة إلى جهات الاختصاص نحو 84 بالمئة من الإجمالي، بينما شكلت الحالات المحفوظة 14 بالمئة، وظلت بيانات قرابة 5000 شكوى قيد المراجعة والاستيفاء الرسمية.
وفي المقابل، لا توضح الأرقام الحكومية عدد المشكلات التي حلت فعليا أو زمن التنفيذ أو رضا أصحابها، إذ تساوي التقارير بين استقبال الشكوى وإحالتها وبين إنجازها، رغم الفارق الجوهري بين التسجيل والحل.
كما تصدرت شكاوى الإسكان والمرافق القائمة بنحو 36000 حالة، تلتها الداخلية والأمن بنحو 17600، ثم التموين والأسواق بنحو 17000، والتعليم بنحو 15800، والصحة بنحو 15700 شكوى واستغاثة خلال الشهر نفسه.
وفوق ذلك، سجلت مرافق المياه والصرف الصحي نحو 12700 شكوى، فيما استقبل قطاع الكهرباء قرابة 13600 حالة تتعلق بالانقطاعات والأعطال والصيانة وزيادة الأسعار، وهي أزمات يومية تصنعها خدمات حكومية متراجعة.
وفقا للتسلسل الشهري، ارتفعت الحالات من 186 ألفا في يناير إلى 229 ألفا في يوليو، بزيادة تقارب 23 بالمئة، كما صعدت للشهر الثالث على التوالي بعد تسجيل 206 آلاف في مايو.
وعلى امتداد الأشهر السبعة الأولى، تعاملت المنظومة مع قرابة 1.5 مليون شكوى وطلب واستفسار، بمتوسط 211 ألف حالة شهريا، وهي كثافة تكشف اتساع الاحتكاك بين المواطنين وأجهزة الدولة في القطاعات الأساسية.
التنفيس بدل الحل
ويرى أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق أن رقم 229 ألفا لا يمثل مجرد عبء إداري، بل مؤشر اجتماعي على اتساع المشكلات التي تدفع المواطنين إلى طلب تدخل الدولة بعد فشل الجهات الأدنى.
غير أن صادق يميز بين الشكوى بوصفها أداة لمكافحة الفساد والبحث عن الحل، وبين استخدامها للتنفيس فقط، حين يعبر المواطن عن غضبه وينتظر ثم يكتشف أن المشكلة الأصلية لم تتغير.
فضلا عن ذلك، يؤدي غياب النتيجة إلى تكرار الدورة نفسها، إذ يعيد المواطن إرسال الشكوى ويتصل بالخط الساخن ويراجع الموقع، بينما تنتقل الأوراق بين المؤسسات ويظل الضرر قائما بلا مسؤول محدد.
وبالتالي، تصبح المهلة التي تمتد أسبوعين أو أكثر فترة لتبريد الغضب، لا زمنا ملزما للمعالجة، خصوصا عندما ينتهي الرد بعبارة جار البحث أو بإغلاق الملف دون توضيح ما اتخذ من إجراءات.
ومن ثم، يفسر صادق استمرار المواطنين في التقديم باعتباره محاولة لإراحة الضمير وإثبات أنهم فعلوا ما يستطيعون، حتى بعدما تراجعت الثقة في قدرة القنوات الحكومية على تغيير الواقع أو إنصاف المتضرر.
إضافة إلى ذلك، لم تعد الشكوى محصورة في الفقراء، بل امتدت إلى الطبقتين الوسطى والعليا مع تدهور المرافق والتنظيم وارتفاع الإتاوات والأسعار، بما يعكس اتساع دائرة السخط داخل شرائح اعتمدت عليها السلطة.
أما اتساع القطاعات المشكو منها، من السكن والصحة إلى الأمن والتعليم والتموين، فيعني أن الأزمة ليست خطأ موظف منفرد، بل خلل إدارة شامل يظهر في تفاصيل الحياة ويلاحق المواطن بين المؤسسات.
لهذا، فإن قياس نجاح المنظومة بعدد الرسائل المستقبلة يضلل الرأي العام، لأن المعيار الحقيقي يجب أن يكون عدد الحقوق المستردة والمرافق التي أصلحت والأحكام التي نفذت وأصحاب الشكاوى الذين حصلوا على إنصاف.
الإحالة إلى الخصم
ويقول المحامي بمحكمة النقض وعضو اتحاد المحامين العرب عز الدين عيسى إنه تقدم بشكوى لعدم تنفيذ حكم قضائي منذ أكثر من عام، دون تلقي تواصل رغم المتابعة الهاتفية والكتابية المستمرة.
وحسب شهادته، تكشف الواقعة أن المنظومة قد تعجز حتى أمام حكم واجب التنفيذ، بما يحول الشكوى من طريق لإنفاذ القانون إلى سجل إضافي يوثق الامتناع دون أن يوقفه أو يحاسب المسؤول عنه.
كذلك ينتقد مواطنون إحالة الشكوى إلى المسؤول المشكو في حقه نفسه لبحثها والرد عليها، وهي آلية تضع الخصم في موقع المحقق، وتفتح الباب لتبرئة الجهة لذاتها أو تدوير الردود الإدارية.
بناء على ذلك، لا يكفي قول المنظومة إن جهة الاختصاص تملك المعايير الفنية والإجرائية، لأن الشكاوى المتعلقة بتعسف تلك الجهة تحتاج مراجعة مستقلة، وإلا فقدت عملية الفحص الحد الأدنى من النزاهة والثقة.
وفي الوقت نفسه، تظهر الشكاوى الصحية خطورة التأخير، إذ تضمنت 4038 استغاثة طبية احتاجت تدخلا عاجلا للعلاج أو الرعاية أو إنهاء الانتظار، ما يجعل البطء الإداري تهديدا مباشرا لا مجرد إزعاج ورقي.
وعليه، ينبغي إنشاء مسار تصعيد مستقل للشكاوى ضد الجهات الممتنعة عن تنفيذ الأحكام أو تقديم العلاج، مع مهل زمنية معلنة وعقوبات على التأخير، بدلا من ترك المواطن يطارد المؤسسة بلا نهاية.
أرقام بلا نتائج
ويصف مدير المنظومة طارق الرفاعي البوابة بأنها قناة رقمية تفاعلية تربط المواطنين بالجهات الحكومية، لكن التقارير التي يعرضها تركز على الاستقبال والإحالة والحفظ أكثر من نشر نتائج نهائية قابلة للتحقق.
ومع ذلك، فإن تحويل 192 ألف حالة إلى جهات الاختصاص لا يعني حلها، كما أن حفظ 32 ألفا يحتاج أسبابا تفصيلية وحقا واضحا في الاعتراض، حتى لا يتحول الحفظ إلى مقبرة إدارية للشكاوى.
ومن جانب آخر، سجلت البيئة 9129 شكوى بشأن القمامة والحيوانات الضالة، إلى جانب 3215 بلاغا للسلامة العامة، وهي مشكلات يفترض أن تكتشفها الأجهزة المحلية وتعالجها قبل اضطرار المواطن إلى الاستغاثة بالمركز.
وعمليا، تتطلب الشفافية نشر لوحة شهرية توضح لكل قطاع عدد الشكاوى المحلولة فعليا ومتوسط زمن التنفيذ ونسب رضا المواطنين والتظلمات المقبولة، مع منع إحالة الشكوى إلى الشخص المتهم مباشرة تماما.
وأخيرا، تكشف حصيلة 229 ألف حالة في شهر واحد وحفظ 32 ألفا أن حكومة الانقلاب لا تعاني نقص الشكاوى، بل نقص المحاسبة والحلول، وتستخدم التسجيل الإلكتروني ستارا لسلطة تسمع المواطنين دون أن تنصفهم.

