أصدرت محكمة الجنايات في دمشق، أحكامًا بالإعدام بحق الرئيس السوري الهارب بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وعاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين، على خلفية اتهامات تتعلق بالقتل العمد والتعذيب والاعتقال والخطف وجرائم أخرى صنفتها المحكمة ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

 

ويحمل الحكم، بحسب التفاصيل الواردة في القرار القضائي، أهمية استثنائية في مسار محاسبة رموز النظام السوري السابق، خصوصًا أنه يطال رأس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب شخصية ارتبط اسمها ببدايات الاحتجاجات في محافظة درعا عام 2011، وهي عاطف نجيب.

 

وبحسب المادة، أصدرت المحكمة حكمها على بشار الأسد غيابيًا باعتباره "متهمًا فارًا"، بعد إدانته بجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار، فيما صدر الحكم على ماهر الأسد غيابيًا، بينما صدر الحكم على عاطف نجيب حضوريًا، بعد إدانته بارتكاب جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والتعذيب وغيرها من الجرائم.

 

وتأتي هذه الأحكام، وفق الرواية الواردة في القرار، بعد أشهر من المحاكمات والإجراءات القضائية التي استهدفت فتح ملفات الانتهاكات المنسوبة إلى مسؤولين في النظام السابق، وفي مقدمتها الوقائع التي شهدتها محافظة درعا خلال الأيام والأسابيع الأولى من الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011.

 

 

حكم يضع رأس النظام السابق أمام القضاء

 

يمثل الحكم الغيابي بحق بشار الأسد نقطة محورية في مسار المحاسبة القضائية داخل سوريا، إذ تنقل القضية، بحسب منطوق الحكم الوارد في المادة، مسؤولية الانتهاكات من مستوى الاتهامات السياسية والحقوقية إلى مستوى الإدانة القضائية الصادرة عن محكمة سورية.

 

وبحسب القرار، جرى تجريم بشار الأسد بجنايات القتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل القصد لأطفال دون سن الخامسة عشرة، والقتل المترافق مع التعذيب، والتحريض على القتل، وهي أفعال صنفتها المحكمة ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وانتهت إلى الحكم عليه بالإعدام.

 

ويكتسب الحكم أهمية رمزية خاصة بالنسبة إلى ضحايا السنوات الطويلة من الصراع السوري، باعتبار أن اسم بشار الأسد كان مرتبطًا طوال سنوات حكمه بمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية التي اتهمتها جهات حقوقية ودولية بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين.

 

غير أن الحكم الغيابي لا يعني أن العقوبة يمكن تنفيذها بصورة فورية، إذ إن المحكوم عليه موجود خارج الأراضي السورية، وهو ما يجعل تنفيذ الحكم مرتبطًا بإمكانية توقيفه وتسليمه أو إعادته إلى سوريا.

 

ومن الناحية العملية، يتحول الحكم في هذه الحالة إلى أساس قضائي لملاحقة المحكوم عليه، وإلى وثيقة يمكن أن تكون لها تداعيات قانونية وسياسية في أي مسار مستقبلي يتعلق بملاحقة رموز النظام السابق.

 

 

ماهر الأسد.. من قيادة الفرقة الرابعة إلى قائمة المحكوم عليهم

 

لم يقتصر الحكم على بشار الأسد، بل شمل شقيقه ماهر الأسد، الذي ارتبط اسمه طوال سنوات الصراع السوري بقيادة الفرقة الرابعة، إحدى أبرز التشكيلات العسكرية التي كانت مرتبطة بالنظام السابق.

 

وبحسب المادة، صدر الحكم بحق ماهر الأسد غيابيًا، إلى جانب عدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين الذين نسبت إليهم المحكمة أدوارًا في الجرائم محل الدعوى.

 

ويعيد إدراج ماهر الأسد في أحكام القضية فتح ملف المسؤولية القيادية داخل مؤسسات النظام السابق، وهي مسألة لطالما شكلت محورًا أساسيًا في النقاش حول كيفية محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.

 

فالقضية، وفق ما ورد في الحكم، لا تتعامل فقط مع وقائع قتل أو تعذيب منفردة، وإنما مع أفعال قالت المحكمة إنها اتسمت بالجسامة والمنهجية، وهو ما دفعها إلى تصنيفها ضمن الجرائم الدولية الأشد خطورة.

 

عاطف نجيب.. الاسم الذي يعود إلى درعا

 

أما عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، فقد جاء الحكم بحقه في قلب القضية، نظرًا إلى ارتباط اسمه بالوقائع التي سبقت اندلاع الثورة السورية واتساع نطاق الاحتجاجات في البلاد.

 

وبحسب القرار الوارد في المادة، أدانت المحكمة نجيب بارتكاب جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار، وتعذيب، وتعذيب أفضى إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف، إضافة إلى اتهامات أخرى تضمنت الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، وسرقة الأموال العامة، وغسل الأموال.

 

ورأت المحكمة، وفق حيثيات الحكم، أن الجرائم المنسوبة إلى نجيب لم تكن أفعالًا منفردة أو معزولة، وإنما جاءت في سياق أوسع اتسم بالمنهجية والجسامة، بما يرفعها إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

 

كما أشارت المحكمة إلى مسؤوليته، بحسب الأدلة التي استندت إليها، عن وجود قناصة ومسلحين فوق مبنى الأمن السياسي الذي كان خاضعًا لإدارته، إضافة إلى وقائع تتعلق بإيقاف سيارات الإسعاف وإنزال الجرحى واحتجاز جثامين عدد من الضحايا.

 

 

أطفال درعا.. الشرارة الأولى التي لم تنطفئ

 

ترتبط قضية عاطف نجيب بصورة وثيقة ببدايات الاحتجاجات في درعا عام 2011، والتي تحولت لاحقًا إلى انتفاضة واسعة امتدت إلى مختلف أنحاء سوريا.

 

وكان اعتقال مجموعة من الأطفال في درعا بسبب كتابات مناهضة للنظام أحد الأحداث التي ساهمت في إشعال الغضب الشعبي في المدينة، قبل أن تتسع دائرة الاحتجاجات وتتحول إلى واحدة من أطول وأعنف الأزمات السياسية والعسكرية في المنطقة.

 

وتشير المادة إلى أن عاطف نجيب كان من أبرز المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بالتعامل الأمني مع الأحداث في درعا، وهو ما جعله أحد أبرز الأسماء التي طالب أهالي المحافظة بمحاكمتها.

 

المسجد العمري في قلب القضية

 

ومن الوقائع التي وردت في المادة ارتباط اسم عاطف نجيب باقتحام المسجد العمري في درعا، وهو المكان الذي تحول خلال بدايات الاحتجاجات إلى أحد أبرز رموز الحراك الشعبي في المحافظة.

 

وبحسب ما ورد في إفادات المحكمة، اقتحمت قوات أمنية المسجد ضمن عمليات قمع الاحتجاجات، فيما تضمنت القضية شهادات حول ما جرى خلال تلك المرحلة.

 

وكانت هذه الأحداث من بين الوقائع التي ساهمت في تحويل قضية درعا من احتجاجات محلية إلى أزمة سياسية وأمنية واسعة، مع تصاعد المواجهات بين المتظاهرين وقوات النظام السابق.

 

وتعيد المحاكمة، بهذا المعنى، فتح صفحات من تاريخ السنوات الأولى للصراع السوري، ليس من خلال شهادات الضحايا والناجين فقط، وإنما عبر ملف قضائي يتضمن أدلة ووثائق وتقارير وشهادات أمام المحكمة.

 

المحكمة: الجرائم اتسمت بالمنهجية والجسامة

 

بحسب حيثيات الحكم الواردة في المادة، خلصت المحكمة إلى أن الأفعال المنسوبة إلى المتهمين اتسمت بدرجة كبيرة من الجسامة والمنهجية.

 

وهذه النقطة تعد جوهرية في توصيف المحكمة للجرائم، إذ لم تضعها في إطار حوادث جنائية منفردة، وإنما ربطتها بسياق أوسع من الانتهاكات التي استهدفت المعتقلين والمدنيين.

 

وأشارت المحكمة إلى ثبوت تورط المدانين في تعذيب أعداد كبيرة من المعتقلين، فضلًا عن مسؤوليتهم المباشرة عن مقتل عدد منهم أثناء الاحتجاز.

 

ويعني هذا التوصيف أن المحكمة تعاملت مع القضية باعتبارها جزءًا من مسار أوسع للمساءلة عن الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات حكم النظام السابق، وليس باعتبارها قضية جنائية تقليدية.

 

 

أدلة متعددة أمام المحكمة

 

لم تعتمد المحكمة، بحسب المادة، على مصدر واحد لإثبات الاتهامات، وإنما قالت إنها استندت إلى مجموعة متنوعة من الأدلة.

 

وشملت الأدلة شهادات شهود الحق العام، وأقوال المدعين الشخصيين، والوثائق الرسمية، والتقارير الطبية، ومواد صوتية ومرئية عرضت خلال جلسات المحاكمة، إلى جانب تقارير دولية موثقة.

 

وأكدت المحكمة أن شهادات الشهود تقاطعت في الوقائع والأزمنة والأمكنة بصورة اعتبرتها كافية لتكوين قناعتها القضائية.

 

كما أشارت إلى اتخاذ إجراءات لحماية بعض الشهود، من خلال الاستماع إلى شهاداتهم تحت أرقام بدلًا من الكشف عن هوياتهم، في خطوة قالت المحكمة إنها تأتي ضمن حماية المشاركين في إجراءات العدالة الانتقالية.

 

وتكتسب حماية الشهود أهمية كبيرة في مثل هذه القضايا، خصوصًا أن العديد من الشهود والضحايا عاشوا سنوات في ظل الخوف من الانتقام أو الملاحقة.

 

عاطف نجيب ينكر الاتهامات

 

وبحسب ما ورد في حيثيات المحكمة، أنكر عاطف نجيب الاتهامات الموجهة إليه، وكان يرد على شهادات الضحايا والشهود بعبارة "لا أقبل بالشهادة".

 

ووصفت المحكمة إنكاره بأنه لم يتوافق مع الأدلة والوقائع التي ثبتت أمامها، مشيرة إلى أن المتهم لم يقدم، وفق ما ورد في المادة، ما يكفي لتغيير قناعتها بما قدم في ملف الدعوى.

 

كما أشارت المحكمة إلى أن نجيب لم يظهر، خلال مواجهته بالاتهامات والشهادات، ما اعتبرته المحكمة ندمًا أو اعتذارًا للضحايا، وهو ما انعكس على تقديرها للعقوبة.

 

وبناء على ذلك، قالت المحكمة إنها لم تجد أسبابًا تستوجب استعمال أسباب التخفيف التقديرية، واتجهت إلى العقوبة الأشد.

 

ستة متهمين فارين وأحكام أخرى بالإعدام

 

ولم يقتصر الحكم على بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب.

 

وبحسب المادة، شمل الحكم 6 من المتهمين الفارين بالإعدام أيضًا، بينهم وزير الدفاع الأسبق فهد الفريج، ورئيس المخابرات الجوية الأسبق جميل الحسن، إلى جانب قصي ميهوب ورفيق ناصر وطلال العيسمي.

 

كما أسقطت المحكمة دعوى الحق العام بحق المتهم أيمن علوش بسبب وفاته.

 

الحكم وحقوق الضحايا

 

من أبرز الجوانب التي وردت في القرار مسألة جبر الضرر، حيث أكدت المحكمة أن العدالة لا تكتمل بمجرد إدانة المتهمين وإنزال العقوبات بحقهم.

 

وقررت المحكمة، وفق المادة، أن للضحايا حقًا في جبر الضرر، وألزمت المحكوم عليهم بالتعويض للمدعين الشخصيين، مع الاحتفاظ بحقوق من لم يتقدموا بادعاءات شخصية بعد، وكذلك حقوق ذوي الضحايا والمفقودين.

 

ويمثل جبر الضرر أحد الملفات الأساسية في أي تجربة للعدالة الانتقالية، لأنه لا يقتصر على العقوبة الجنائية، وإنما يرتبط أيضًا بمحاولة معالجة الآثار التي خلفتها سنوات القتل والاعتقال والتعذيب والاختفاء والنزوح.

 

وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، فإن معرفة مصير الملفات القضائية واعتراف الدولة بما تعرضوا له قد يمثل جزءًا من استعادة الحقوق التي ظلت معلقة لسنوات طويلة.

 

 

من العدالة الجنائية إلى العدالة الانتقالية

 

تأتي القضية في سياق مسار أوسع للعدالة الانتقالية في سوريا، بدأ القضاء السوري من خلاله محاكمات علنية بحق عدد من المتهمين بارتكاب جرائم خلال عهد النظام السابق.

 

وكانت محاكمة عاطف نجيب قد بدأت في أبريل 2026، ضمن مسار قالت السلطات السورية إنه يستهدف كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين وفق الإجراءات القضائية. كما واصلت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز محاكمة وسيم الأسد في قضية منفصلة، بما يؤكد اتساع نطاق المحاكمات التي تستهدف شخصيات من النظام السابق.

 

وكانت المحكمة قد ثبتت في وقت سابق غياب بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما من المتهمين الفارين، وقررت السير في محاكمتهم غيابيًا، إلى جانب اتخاذ إجراءات مرتبطة بالأموال والحقوق المدنية.

 

وبذلك تبدو القضية جزءًا من محاولة بناء مسار قضائي داخلي لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بدل ترك ملفات الجرائم معلقة لسنوات أخرى.

 

قصر العدل.. لحظة انتظرها أهالي الضحايا

 

وبحسب الرواية الواردة في المادة، احتشد ذوو الضحايا في محيط قصر العدل بدمشق خلال تلاوة منطوق الحكم.

 

وتحولت لحظة إعلان الأحكام إلى مشهد عاطفي، مع إطلاق الزغاريد ورفع صور الضحايا وترديد الهتافات، في تعبير عن شعور عائلات قالت إنها انتظرت سنوات طويلة لرؤية المسؤولين عن الانتهاكات أمام القضاء.

 

وبالنسبة إلى كثير من أهالي درعا، ارتبطت لحظة الحكم بذكريات عام 2011، عندما بدأت الاحتجاجات من مدينتهم قبل أن تتحول إلى صراع امتد لأكثر من عقد.

 

ولذلك فإن اسم عاطف نجيب تحديدًا لا يظهر في القضية باعتباره مسؤولًا أمنيًا سابقًا فحسب، وإنما باعتباره أحد الأسماء التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بدرعا وبالأيام الأولى للثورة السورية.

 

درعا تحتفل بالحكم

 

فيما شهدت محافظة درعا ردود فعل واسعة عقب إعلان الحكم، مع تجمع الأهالي لمتابعة التطورات القضائية.

 

ونُقلت مشاعر فرح بين عدد من ذوي الضحايا والناشطين، مع مطالبات باستكمال المحاكمات وعدم اقتصار المحاسبة على عدد محدود من المسؤولين السابقين.

 

ويرى مؤيدو هذا المسار أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تكتمل إلا بكشف مصير المعتقلين والمفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض المتضررين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس سيادة القانون.