فاقمت الحكومة المصرية في الموانئ أزمة آلاف المواطنين من ذوي الإعاقة بتجميد استيراد سياراتهم لنحو 19 شهرا، مع بقاء قرابة 3000 مركبة قيد المراجعة، ما عطل تنقل المستحقين وهدد صلاحية خطاباتهم الطبية.

 

ويكشف استمرار الحظر كيف حولت السلطة فشلها في ضبط السماسرة والمتلاعبين إلى عقوبة جماعية، يدفع ثمنها مواطنون استوفوا الشروط، بينما تظل حركتهم وعملهم وعلاجهم رهينة لجهاز تنفيذي عاجز عن الفرز والإنجاز.

 

وبحسب تقارير رقابية، ذهبت نسبة بين 70 و80 بالمئة من السيارات المستوردة خلال فترات سابقة إلى غير مستحقيها عبر شراء الخطابات، وهي مخالفات استندت إليها الحكومة لتجميد المنظومة وتشديد ضوابطها.

 

وفي المقابل، يقول المتضررون إن اكتشاف هذا الحجم من التلاعب يدين ضعف الرقابة الحكومية، ولا يبرر وقف حق أصحاب الأوراق السليمة، لأن الإدارة تملك بيانات الفحص الطبي وبطاقات الخدمات المتكاملة وسجلات الجمارك.

 

كما مددت الضوابط المقترحة حظر التصرف في السيارة إلى 15 عاما، واشترطت وجود حساب مصرفي مفعل قبل عام، بما يفرض قيودا مالية وزمنية يعتبرها المستحقون تعجيزية ولا تراعي أوضاعهم الاقتصادية المتفاوتة.

 

وفقا للبيانات المتداولة، أفرجت الحكومة حتى نهاية أكتوبر 2025 عن نحو 8000 سيارة من أصل 11000 مركبة محتجزة، بينما بقيت قرابة 3000 سيارة للمراجعة، رغم تأكيد أصحاب كثير منها اكتمال مستنداتهم.

 

وفي الوقت نفسه، أوشكت خطابات استحقاق صادرة بعد فحوص رسمية على الانتهاء بسبب توقف لم يصنعه أصحابها، وهو ما يهدد بإجبارهم على إعادة رحلة المجالس الطبية والإجراءات والتكاليف من بدايتها.

 

وعلى المستوى الإنساني، ليست السيارة المعفاة امتيازا ترفيهيا، بل وسيلة للوصول إلى العمل والعلاج والتعليم، خصوصا في مدن تفتقر وسائل نقلها العامة إلى التجهيز والإتاحة، ما يجعل الحظر قيدا مباشرا على الاستقلال.

 

حقوق معطلة بلا موعد

 

وتؤكد النائبة سحر عتمان، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، أن مخالفات البعض لا تصلح مبررا لتعطيل حقوق المستحقين الحقيقيين، وأن مسؤولية الحكومة ملاحقة المتلاعبين وسد الثغرات بدلا من إغلاق المنظومة.

 

غير أن الحكومة لم تعلن حتى الآن موعدا نهائيا لاستئناف الاستيراد، ولم تحسم مصير من يحملون خطابات صحيحة، تاركة آلاف الأسر أمام انتظار مفتوح تتآكل خلاله صلاحية الأوراق وتتدهور فيه السيارات القديمة.

 

فضلا عن ذلك، وصفت عتمان منع المستحق بدعوى مواجهة التجاوزات بأنه فشل حكومي في التمييز بين المخالف والملتزم، مؤكدة أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل تكلفة عجز الأجهزة التنفيذية عن إدارة منظومة منضبطة.

 

وبالتالي، طالبت بمد صلاحية خطابات الاستحقاق مدة تعادل فترة التوقف، ووضع آلية عاجلة وكاملة للحالات التي أصبحت سياراتها متهالكة أو غير ملائمة للإعاقة، مع تحديد موعد واضح لاستعادة الإجراءات المتوقفة.

 

ومن ثم، يمثل تمديد الصلاحية الحد الأدنى من الإنصاف، لأن المواطن حصل على الخطاب بعد فحص ومراجعة رسميين، ولا يجوز إسقاط حقه بسبب قرار إداري حال بينه وبين استخدام المستند خلال مدته.

 

إضافة إلى ذلك، ينبغي إعفاء السيارات السليمة من غرامات الأرضيات والتخزين الناتجة عن التأخير الحكومي، فالرسوم المتراكمة لم تنشأ عن تقاعس أصحابها، بل عن احتجاز طال رغم تقديم المستندات المطلوبة.

 

أما الإصلاح الجاد، فيبدأ بمسار سريع يفصل الملفات المكتملة عن الحالات المشتبه بها، مع إخطار كل متقدم بسبب التعطيل ومدة المراجعة وحق التظلم، بدلا من تجميد شامل لا يميز بين أحد.

 

لهذا، تصبح مساءلة الموظفين والسماسرة والمتعاملين بخطابات مزورة أكثر عدالة وفاعلية من تحميل المجتمع كله كلفة الجريمة، خصوصا أن الجهات الحكومية تستطيع تتبع الملكية والاستخدام وربط السيارة بصاحب بطاقة الخدمات.

 

احتجاز بأثر رجعي

 

ويقول النائب أمير أحمد الجزار إن نحو 3000 سيارة احتجزت داخل الموانئ، وإن بعض الحالات انتظرت قرابة 3 سنوات رغم استيفاء الشروط القانونية والطبية والمالية التي كانت سارية عند الاستيراد.

 

وحسب الجزار، فإن تطبيق ضوابط جديدة بأثر رجعي على سيارات جرى التعاقد عليها وفق القواعد السابقة يخالف مبدأ عدم رجعية القوانين، ويحول التنظيم الإداري إلى وسيلة لمصادرة مراكز قانونية استقرت بالفعل.

 

كذلك أشار إلى أن سيارات كثيرة سدد أصحابها قيمتها كاملة أو جزئيا، ثم تحملوا مصروفات الشحن والإجراءات، قبل أن يواجهوا احتجازا ممتدا يضيف خسائر مادية إلى الضرر الإنساني وحرمانهم من الحركة.

 

بناء على ذلك، طالب الجزار بالإفراج الفوري عن كافة السيارات المستوفاة للشروط السابقة، ووضع جدول زمني للحالات المتبقية، وتعويض المتضررين عن التلف والغرامات والخسائر التي تسبب فيها التأخير غير المبرر.

 

وفي ضوء ذلك، لا يكفي إعلان مراجعة حكومية جديدة، لأن الأزمة راكمت وعودا متعددة بلا نهاية واضحة، بينما تتعرض السيارات للتلف ويتحمل المواطن تكلفة بدائل النقل وصيانة مركبته القديمة غير المناسبة.

 

علاوة على ذلك، يجب نشر أعداد الملفات المقبولة والمرفوضة وأسباب الرفض ونتائج التظلمات دوريا، حتى لا تبقى المراجعة عبارة غامضة تسمح بتأجيل الحقوق، وتحجب المسؤولية عن الجهات التي صنعت الأزمة.

 

الرقابة لا العقاب

 

ويرى الخبير المروري ومدير معهد المرور السابق ماجد موسى أن التلاعب استند إلى سماسرة وعقود عرفية وخطابات غير مشروعة، ما يؤكد ضرورة تعديل الإجراءات وملاحقة الأصحاء الذين استولوا على الميزة.

 

ومع ذلك، فإن تشخيص طرق التحايل يوفر للحكومة أدوات استهداف المخالفين الحقيقيين أنفسهم، مثل حظر التوكيلات وربط بيانات السيارة بالمالك وتتبع الاستخدام، ولا يمنحها مبررا لوقف الاستيراد أمام المستحقين جميعا.

 

ومن جانبها، قالت بيانات المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة إن المجلس يتواصل مع الجهات المعنية لحل الأزمة وإعفاء السيارات القانونية من غرامات الأرضيات بعد ثبوت صحة أوراق أصحابها.

 

وعمليا، يتطلب الوفاء بهذا التعهد نافذة معلنة تستقبل الشكاوى وتحدد زمنا ملزما للبت فيها، إلى جانب حماية أصحاب الخطابات المنتهية وتمكينهم من التجديد تلقائيا دون إعادة الفحوص أو دفع رسوم جديدة.

 

وأخيرا، تكشف أزمة 3000 سيارة بعد 19 شهرا من التعطيل أن المشكلة لم تعد في ثغرات القانون وحدها، بل في إدارة تعاقب المستحق بدلا من المخالف، وتستبدل الرقابة الفعالة بتجميد الحقوق الأساسية.