أصاب اصطدام طائرة مسيرة بخزان للنفتا غير المعالجة داخل مصفاة الزاوية أحد أهم شرايين الطاقة في غرب ليبيا، متسببا في تسرب احتواه العاملون من دون حريق أو إصابات. ورغم محدودية الخسائر، أعادت الواقعة التحذير من وقوع المنشآت النفطية بين سلاح الجماعات وضعف الدولة، خصوصا أن المصفاة تزود طرابلس ومناطق واسعة بالوقود. وجاء الحادث بعد أيام من مسيرة أشعلت سفينتي غاز في ميناء دمياط المصري.
خزان النفتا تحت الهجوم
قالت شركة الزاوية لتكرير النفط إن الطائرة المسيرة اصطدمت بالخزان في وقت مبكر من صباح السبت، وأحدثت تسربا جرت السيطرة عليه بواسطة الفرق المختصة. وأكدت الشركة أن الحادث لم يسفر عن حرائق أو إصابات، وهو ما جنب المنشأة خطرا أكبر نظرا لطبيعة النفتا سريعة التطاير والقابلة للاشتعال، ولا سيما داخل مجمع يضم خزانات ووحدات معالجة وخطوط نقل ومرافق تحميل متقاربة.
ولا تزال هوية الجهة التي أطلقت المسيرة ودوافعها مجهولة، ولم تصدر نتائج توضح مسارها أو نقطة انطلاقها أو ما إذا كان الخزان هدفا مقصودا. لذلك لا يمكن نسبتها إلى طرف محدد، لكن وصولها إلى المصفاة يمثل اختراقا أمنيا يستوجب مراجعة منظومات الرصد والحماية، لا الاكتفاء بالسيطرة على التسرب.
وتقع مصفاة الزاوية على مسافة تقارب 40 كيلومترا غرب العاصمة طرابلس، وتبلغ طاقتها التصميمية نحو 120 ألف برميل يوميا، ما يجعلها أكبر مصفاة عاملة في البلاد. وترتبط المنشأة بحقل الشرارة الذي تصل طاقته إلى نحو 300 ألف برميل يوميا، كما تضم ميناء لتصدير النفط الخام واستيراد بعض المنتجات، إلى جانب وحدات التكرير وتصنيع الإسفلت وخلط وتعبئة الزيوت المعدنية.
وتمنح هذه الوظائف المصفاة ثقلا يتجاوز حدود مدينة الزاوية، لأن تعطيلها يمكن أن ينعكس على إمدادات البنزين والديزل ومشتقات النفط في طرابلس ومدن الغرب الليبي. كما قد يدفع إلى زيادة الاستيراد أو نقل الوقود من مناطق بعيدة بتكاليف أعلى، في بلد يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة لكنه يعاني نقصا متكررا في الوقود بسبب اضطراب الإنتاج والتوزيع والتهريب.
منشأة وسط نفوذ الميليشيات
تعد الزاوية من أكثر مدن الغرب الليبي تشابكا بين النفوذ المسلح والاقتصاد غير الرسمي، حيث تتقاطع مصالح مجموعات محلية مع طرق تهريب الوقود وموانئ التصدير وشبكات الهجرة غير النظامية. وقد جعل هذا الواقع المنشآت النفطية جزءا من موازين القوة، فهي ليست مرافق اقتصادية فقط، وإنما مواقع تمنح السيطرة عليها نفوذا ماليا وأمنيا وقدرة على الضغط على الحكومات والمؤسسة الوطنية للنفط.
وشهدت المدينة جولات اقتتال استخدمت فيها أسلحة ثقيلة قرب الأحياء والمرافق الحيوية. وفي مايو 2026 أعلنت المصفاة الطوارئ وعلقت عملياتها بسبب اشتباكات محيطة قبل استئناف العمل. كما تضررت خزانات داخل المجمع في وقائع سابقة، ما يؤكد أن المسيرة ليست منفصلة عن تاريخ طويل من الانفلات الأمني.
وتشير تقارير دولية إلى أن تهريب الوقود المدعوم أصبح رافدا لاقتصاد الظل في مدن الساحل الغربي عبر نقله برا أو بحرا وإعادة بيعه خارج القنوات الرسمية. ولا يعني ذلك تورط جميع الجهات، لكنه يكشف بيئة يتداخل فيها السلاح والمال والنفوذ، ويتحمل سكانها وعمالها نتائج صراعات لا يقررونها.
ولا تستطيع شركة تشغيل بمفردها حماية مجمع بهذا الحجم إذا ظلت المدينة المحيطة خاضعة لتوازنات جماعات مسلحة ومؤسسات أمنية منقسمة. فالحماية الفعلية تتطلب سلطة موحدة تسيطر على المجال الجوي والطرق والميناء، وتمنع وجود السلاح الثقيل قرب الخزانات، وتلاحق شبكات التهريب، مع إبقاء المؤسسة النفطية خارج الصراع بين الحكومات والقوى المحلية.
إنذار يتجاوز حدود ليبيا
يكشف استخدام المسيرة انتقال الخطر من الاشتباكات الأرضية التقليدية إلى تهديد جوي منخفض الكلفة، يمكنه تجاوز الأسوار ونقاط التفتيش والوصول مباشرة إلى الخزانات. وقد يؤدي اصطدام واحد في موضع أكثر حساسية إلى حريق واسع أو انفجار أو توقف طويل، بما يهدد العاملين والسكان القريبين ويعطل إمدادات الوقود ويستنزف موارد الدولة في الإصلاح والاستيراد.
وتفرض الواقعة تزويد المصفاة بأنظمة قادرة على كشف الأجسام الصغيرة والمنخفضة، ووسائل تشويش واعتراض تناسب المواقع الصناعية، إلى جانب تحديث خطط الإخلاء والإطفاء وعزل الخزانات وتوفير مسارات بديلة لنقل المنتجات. كما يتعين إعلان نتائج التحقيق بشفافية، لأن إخفاء المعلومات يفتح الباب للشائعات والاتهامات المتبادلة ولا يساعد على معالجة الثغرة التي سمحت بوصول الطائرة.
وفي هذا الإطار تظهر دمياط خلفية إقليمية تحذيرية لا مركزا موازيا للقصة الليبية. فقد أعلنت مصر أن مسيرة أشعلت سفينتي غاز في الميناء يوم 29 يوليو بلا خسائر بشرية أو كشف للمسؤول. ويبين الحادثان، رغم اختلاف الظروف، أن منشآت الطاقة الساحلية معرضة لسلاح يصعب رصده ونسبه سريعا إلى منفذه.
في المحصلة، لم يتحول تسرب الزاوية إلى كارثة، لكن ذلك لا يحجب خطورته. فالمصفاة التي تغذي غرب ليبيا وتقف وسط مدينة مثقلة بالسلاح والتهريب أصبحت هدفا يمكن بلوغه جوا، بينما تعجز الدولة عن توحيد أدواتها الأمنية. وإذا لم يفرض الحادث حماية جدية وإبعاد النفط عن صراع الميليشيات، فقد لا تنجح الطوارئ بالقدر نفسه مستقبلا.

