تمثل ذكرى اعتصام ساحة رابعة العدوية محطة مؤلمة تذكر العالم بواحدة من أعنف عمليات القتل الجماعي قسوة في العصر الحديث. وتستمر الدعوات الحقوقية التي تطالب بإنصاف مئات الضحايا السلميين الذين سقطوا دفاعا عن مسار ديمقراطي أجهضته التحركات العسكرية المبكرة. ورغم تعالي هذه الأصوات المطالبة بالمساءلة، تظل العدالة غائبة نتيجة تعقيدات قانونية متداخلة وإرادة سياسية ترفض فتح صفحات الماضي القريب.

 

تستمر هذه الفاجعة في إلقاء بظلالها الكئيبة على مسار الحريات العامة ومستقبل حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وتتراكم التقارير الدولية التي توثق الانتهاكات المروعة التي صاحبت ذلك اليوم الدامي وتطالب بضرورة إنهاء حالة الإفلات الشامل من العقاب. ولذلك، يشكل هذا الملف اختبارا حقيقيا لمدى التزام المجتمع الدولي بقيمه المعلنة وقدرته على إنفاذ مبادئ العدالة الغائبة.

 

تفاصيل الفض وغياب مسار المحاسبة الداخلية

 

 

شهدت القاهرة في منتصف أغسطس من عام ألفين وثلاثة عشر تدخلا أمنيا عنيفا لإنهاء تجمع ضم عشرات الآلاف من المتظاهرين السلميين. وخرج هؤلاء المحتجون رفضا لقرار المؤسسة العسكرية بعزل الرئيس السابق محمد مرسي الذي حكم البلاد لعام واحد فقط. وأسفرت هذه العملية الأمنية عن سقوط مئات القتلى في يوم واحد وسط تضارب كبير في أعداد الضحايا بين المصادر المتعددة.

 

أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش سقوط ما لا يقل عن ثمانمائة وسبعة عشر قتيلا خلال عملية تفريق المعتصمين العزل. وتشير تقديرات شخصيات معارضة أخرى إلى أن حصيلة القتلى الفعلية قد تتجاوز الألفين قتيل سقطوا برصاص القوات النظامية ووسط صمت دولي. ولذلك، وصفت المنظمات الحقوقية المستقلة هذه الأحداث بأنها هجوم ممنهج واسع النطاق يشكل انتهاكا جسيما للقوانين والمواثيق الإنسانية العالمية.

 

"يرجح أن هذا العمل يمثل جريمة ضد الإنسانية، وهو من أسوأ عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث"

- منظمة هيومن رايتس ووتش

 

أنتجت جهات حقوقية فيلما وثائقيا يحمل عنوان ذكريات مذبحة لتوثيق شهادات الناجين وعرض الأدلة البصرية التي تدين القوات المهاجمة بوضوح. وعرض هذا الفيلم الاستقصائي تفاصيل دقيقة مستمدة من مائتي شاهد عيان عاشوا رعب الساعات الطويلة تحت وابل النيران الكثيفة. وتؤكد هذه التوثيقات المرئية زيف الروايات الرسمية التي حاولت تقليل أعداد الضحايا وطمس معالم الجريمة المروعة أمام الرأي العام.

 

أصدرت الحكومة المصرية تحقيقات محلية متعاقبة بهدف تبرئة ساحة القيادات الأمنية التي أشرفت على تخطيط وتنفيذ عملية الاقتحام والمداهمة الدامية. ووجهت لجان تقصي الحقائق اللوم الأساسي للمتظاهرين بحجة وجود أسلحة داخل الساحة، مع إقرار مبدئي باستخدام الأمن لقوة مفرطة. وبناء على هذا التوجه الرسمي، تجنبت النيابة العامة توجيه أي اتهامات حقيقية للضباط وكبار المسؤولين عن إراقة دماء المواطنين.

 

أقر البرلمان المصري تشريعات استثنائية تهدف إلى تحصين قادة الجيش ومنع محاكمتهم عن أي أحداث تلت تعطيل العمل بالدستور. وعززت هذه الخطوة التشريعية مناخ الإفلات من العقاب داخل البلاد، لا سيما بعد تبرئة مسؤولين سابقين في نظام حسني مبارك من تهم مشابهة. وبذلك، أغلق النظام الحاكم كافة السبل المتاحة لتقديم المتورطين إلى منصات القضاء المحلي أو إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة.

 

"يستحيل إقرار قانون العدالة الانتقالية لأنه يتطلب مسار مصالحة وطنية يشمل جماعة الإخوان المسلمين المحظورة"

- أسامة هيكل، وزير الإعلام المصري الأسبق ورئيس لجنة الثقافة والإعلام البرلمانية سابقا

 

يعتمد استقرار النظام السياسي الراهن على استمرار إنكار المسؤولية الكاملة عن المذبحة ووسم المعارضين بصفات الإرهاب والتطرف الفكري. وأوضح رئيس الانقلاب الحالي عبد الفتاح السيسي في تصريحات سابقة أن الدولة توقعت حدوث هذه الاحتجاجات واستعدت لمواجهتها بكل حزم وقوة مفرطة. وبالتالي، تبدو آفاق تحقيق مصالحة وطنية أو تطبيق قوانين العدالة الانتقالية مسدودة تماما في ظل هذه الرؤية الأمنية الصارمة.

 

عدل المشرعون قوانين المحكمة الدستورية العليا لتمكينها من رفض أي أحكام تصدرها المحاكم أو الهيئات الدولية والمنظمات الخارجية المستقلة. وتبعث هذه التعديلات الممنهجة رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن السلطات المحلية ترفض الرضوخ لأي نظام قضائي عالمي يحاول محاسبة مسؤوليها. ونتيجة لهذه الإجراءات المتراكمة، أغلق النظام المصري كل مسارات الانتصاف القانوني أمام أسر الضحايا الذين يبحثون عن حقوق ذويهم.

 

"ترسل التعديلات القانونية رسالة مفادها أن مرتكبي الانتهاكات سيظلون يتمتعون بالحماية المحلية، بينما تتحدى السلطات النظام الدولي"

- مي السعدني، محامية وباحثة قانونية في مؤسسة كارنيغي

 

عقبات قانونية وسياسية أمام العدالة الدولية

 

 

نقل أنصار الضحايا معركتهم القانونية إلى المحافل الدولية أملا في إيجاد ولاية قضائية تستطيع محاسبة المتورطين في جرائم القتل الموثقة بالصوت والصورة. وواجهت هذه المساعي المستمرة تحديات كبرى نظرا لرفض مصر الانضمام إلى اتفاقيات دولية محورية مثل ميثاق المحكمة الجنائية الدولية الأساسي. وبسبب هذه المقاطعة القانونية الرسمية، تعجز المحاكم الدولية عن ممارسة أي ضغوط مباشرة وملزمة على القيادات السياسية والعسكرية في القاهرة.

 

توجهت أطراف سياسية بطلبات رسمية للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم مفترضة ضد الإنسانية ارتكبت في حق المعتصمين السلميين. ورفضت المحكمة قبول هذه الطلبات الإجرائية بناء على أن مقدمي الشكوى لا يملكون صفة قانونية تمثل الحكومة المصرية المعترف بها عالميا. وأدى هذا الرفض المتوقع إلى إحباط آمال واسعة بتفعيل دور العدالة الجنائية الدولية في واحدة من أوضح قضايا العنف المعاصر.

 

تتشتت جهود المناصرين بين محاولة اللجوء إلى محاكم حقوق الإنسان الإفريقية تارة، والتوجه إلى المنظومات القضائية الأوروبية تارة أخرى بغير طائل. وساهم هذا الافتقار للتنسيق الشامل بين الكيانات المعارضة في إضعاف الأثر المرجو من الحملات القانونية والإعلامية التي تنظم سنويا. وتقتصر أهداف هذه الحملات حاليا على إبقاء القضية حية في الذاكرة الجمعية وتوعية الرأي العام الغربي بمعاناة أسر الضحايا.

 

"الخيارات الحقيقية المتبقية تقتصر على تحقيقات هيئات الأمم المتحدة أو استخدام الولاية القضائية العالمية، وكلاهما يواجه صعوبات سياسية بالغة"

- روبرت سكيلبيك، مدير منظمة ريدريس القانونية في العاصمة البريطانية لندن

 

يتيح مبدأ الولاية القضائية العالمية للدول محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب بغض النظر عن جنسياتهم أو مكان وقوع الجريمة المستهدفة. واصطدمت محاولات تطبيق هذا المبدأ بتعقيدات دبلوماسية حرجة، كما حدث حين رفضت الشرطة البريطانية توقيف قائد عسكري مصري رفيع المستوى. واستندت السلطات في لندن إلى الحصانة الدبلوماسية الخاصة التي منعت اتخاذ أي إجراء قانوني ضد المسؤول العسكري رغم الشكاوى المقدمة.

 

تتطلب المحاكمات في دول أوروبية إثبات وقوع جرائم ضد الإنسانية أولا، وهو مسار قضائي شاق يتطلب جهودا قانونية جبارة ومعقدة. وتبرز صعوبات إضافية تتمثل في غياب الشهود الفاعلين واستحالة تسليم متهمين يشغلون مناصب سيادية في دولة تحظى بدعم غربي متواصل. ولذلك، تختلف الحالة المصرية جذريا عن حالات أخرى شهدت محاكمات ناجحة نظرا لاختلاف طبيعة العلاقات الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية المتبادلة.

 

"يختلف الوضع المصري عن قضايا سابقة، فمصر تمتلك دعما دوليا واسعا ولا توجد إرادة حقيقية لتبني مثل هذه القضايا المعقدة"

-أندرياس شولر، مدير المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان

 

فضلت العواصم الغربية تقديم مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة على حساب مبادئ حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. واستغلت الحكومة المصرية مخاوف أوروبا المتعلقة بملفات الهجرة غير النظامية ومكافحة الحركات المتطرفة لتعزيز مكانتها كشريك إقليمي وحليف لا غنى عنه. وأسهمت هذه التقاطعات المصلحية في صمت المجتمع الدولي وتغاضيه المتعمد عن الانتهاكات المستمرة التي تمارس ضد المعارضين السياسيين والمواطنين.

 

"المناخ السياسي في المنطقة ساهم في التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، حيث قايضت الحكومات قضايا الديمقراطية بالمصالح الاقتصادية"

- عمرو مجدي، باحث أول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش

 

قمع الشارع الداخلي وتأثيره على التضامن

 

 

تجاوزت تداعيات فض الميادين حدود المعارضة المباشرة لتخلق واقعا جديدا يعتمد على الخوف المنهجي لقمع أي حراك شعبي أو غضب محتمل. وتعرضت أطياف المجتمع لصدمات متتالية نتيجة العنف المستمر الذي استهدف المواطنين في أحداث سابقة مثل مذبحة بورسعيد ومظاهرات محمد محمود. وكرست هذه الأحداث المأساوية المتتابعة شعورا عاما باليأس والإحباط دفع ملايين الأشخاص للابتعاد التام عن المشاركة في أي نشاط سياسي.

 

فرضت السلطات قيودا خانقة شملت عمليات مراقبة مشددة وحملات اعتقال واسعة طالت عشرات الآلاف من المواطنين ذوي التوجهات السياسية والفكرية المختلفة. وتسبب هذا النهج الأمني الصارم في القضاء على البنى التنظيمية والنقابية التي مكنت الجماهير من التحرك الفاعل خلال فترات سابقة وتاريخية. وبات الشارع المصري محروما من أي أدوات مدنية تتيح له التعبير عن مطالبه أو الضغط على مؤسسات صنع القرار بالدولة.

 

"يتعرض المصريون لحملات قمع غير مسبوقة في تاريخهم الحديث أسفرت عن آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين"

- أحمد عبد الحليم، كاتب وروائي وباحث مصري

 

ظهرت نتائج هذا القمع الطويل بشكل جلي حين تراجعت قدرة المجتمع على التضامن الفعلي مع الأزمات الإقليمية الكبرى كحرب الإبادة في غزة. واكتفت شريحة واسعة من المواطنين بمتابعة المجازر الإسرائيلية بألم صامت يتخلله شعور عميق بالعجز التام عن إحداث أي تغيير حقيقي ملموس. وارتبط هذا العجز بالخوف المتأصل من بطش الأجهزة الأمنية التي لا تتوانى عن معاقبة أي شخص يجرؤ على تحدي إرادتها المطلقة.

 

حاولت مجموعات شبابية كسر حالة الصمت المفروضة ونظمت مظاهرات داعمة لفلسطين في قلب ميدان التحرير خلال شهر أكتوبر من العام الماضي. وسارعت القوات الأمنية إلى تفريق المحتجين بالقوة واعتقال العديد من المشاركين لضمان عدم تطور هذه الوقفات التضامنية إلى موجة احتجاجات عارمة. وامتدت الملاحقات التعسفية لتشمل طلاب الجامعات والناشطين الذين حاولوا جمع التبرعات لإغاثة المدنيين المحاصرين في قطاع غزة وسط ظروف إنسانية قاسية.

 

تغلغلت سردية التخويف من الفوضى والانهيار الشامل في عقول فئات كثيرة من الشعب الذي يعاني من أزمات اقتصادية طاحنة وغلاء مستمر. ويستدعي النظام الحاكم بشكل متكرر مشاهد الدمار في دول الجوار ليقنع المواطنين بأن الاستبداد المستقر أفضل بكثير من الحرية المنفلتة والخراب. وأدت هذه المقاربات التخويفية المدروسة إلى رضوخ مجتمعي مؤقت يتجنب التصادم المباشر مع السلطة حفاظا على بقايا استقرار معيشي هش للغاية.

 

 

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/egypts-rabaa-massacre-cries-for-justice-unheeded/1939072

https://amp-dw-com.cdn.ampproject.org/v/s/amp.dw.com/en/egypts-rabaa-massacre-still-waiting-for-justice/a-66504869?amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17861034647790&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.dw.com%2Fen%2Fegypts-rabaa-massacre-still-waiting-for-justice%2Fa-66504869

https://dawnmena.org/the-silent-public-why-arent-egyptians-revolting/